أصحاب عبد الله بن إباض١ الذي خرج في أيام مروان بن محمد، فوجه إليه عبد الله بن محمد بن عطية، فقاتله بتبالة٢ وقيل إن عبد الله بن يحيى الإباضي كان رفيقا له في جميع أحواله وأقواله. قال: إن مخالفينا من أهل القبلة كفار غير مشركين، ومناكحتهم جائزة، وموارتهم حلال، وغنمية أموالهم من السلاح والكراع عند الحرب حلال، وما سواه حرام. وحرام قتلهم وسبيهم في السر غيلة، إلا بعد نصب القتال، وإقامة الحجة.
وقالوا: إن دار مخالفيهم من أهل الإسلام دار توحيد، إلا معسكر السلطان فإنه دار بغي. وأجازوا شهادة مخالفيهم على أوليائهم. وقالوا في مرتكبي الكبائر: إنهم موحدون لا مؤمنون.
وحكى الكعبي عنهم: أن الاستطاعة عرض من الأعراض، وهي قبل الفعل، بها يحصل الفعل، وأفعال العباد مخلوقة لله تعالى: إحداثا وإبداعا، ومكتسبة للعبد حقيقة، لا مجازا. ولا يسمون إمامهم أمير المؤمنين، ولا أنفسهم مهاجرين. وقالوا: العالم يفنى كله
_________________
(١) ١ من بني مرة بن عبيد بن تميم، خرج في آخر دولة بني أمية. ٢ تبالة: بلدة بأرض تهامة في الطريق إلى صنعاء.
[ ١ / ١٣٤ ]
إذا فنى أهل التكليف. قال: وأجمعوا على أن من ارتكب كبيرة من الكبائر كفر، كفر النعمة، لا كفر الملة، وتوقفوا في أطفال المشركين، وجوزوا تعذيبهم على سبيل الانتقام، وأجازوا أن يدخلوا الجنة تفضلا. وحكى الكعبي عنهم أنهم قالوا بطاعة لا يراد بها الله تعالى، كما قال أبو الهذيل.
ثم اختلفوا في النفاق: أيسمى شركا أم لا:؟ قالوا: إن المنافقين في عهد رسول الله ﷺ كانوا موحدين، إلا أنهم ارتكبوا الكبائر، فكفروا بالكبيرة لا بالشرك، وقالوا: كل شيء أمر الله تعالى به فهو عام ليس بخاص، وقد أمر به المؤمن والكافر، وليس في القرآن خصوص، وقالوا: لا يخلف الله تعالى شيئا إلا دليلا على وحدانيته، ولابد أن يدل به واحدا. وقال قوم منهم: يجوز أن يخلق الله تعالى رسولا بلا دليل، ويكفلف العباد بما أوحي إليه، ولا يجب عليه إظهار المعجزة، ولا يجب على الله تعالى ذلك إلى أن يخلق دليلا، ويظهر معجزة. وهم جماعة متفرقون في مذاهبهم تفرق الثعالبة والعجاردة.
"أ" الحفصية ١:
هم أصحاب حفص بن أبي المقدام، تميز عنهم بأن قال إن بين
_________________
(١) ١ "في مقالات الإسلاميين" ص١٠٢ ج١ "فالفرقة الأولى منهم -يعني الإباضية- يقال لها الحفصية. كان إمامهم حفص بن أبي المقدام. زعم أن بين الشرك والإيمان معرفة الله وحده. فمن عرف الله سبحانه ثم كفر بما سواه من رسول أو جنة أو نار، أو عمل بجميع الخبائث من قتل النفس واستحلال الزنا وسائر ما حرم الله سبحانه من فروج النساء فهو كافر بريء من الشرك. وكذلك من اشتغل بسائر ما حرم الله سحبانه مما يؤكل ويشرب فهو كافر بريء من الشرك. ومن جهل الله سبحانه وأنكره فهو مشرك. فبرئ منه الإباضية إلا من صدقه منهم. وتأولوا في عثمان نحو ما تأولت الشيعة في أبي بكر وعمر. وزعم أن عليا هو الحيران الذي ذكره الله في القرآن، [الأنعام آية ٧١]- ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وزعم أن عليا هو الذي أنزل الله سبحانه فيه - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ -[البقرة آية ٢٠٤]، وأن عبد الرحمن بن ملجم هو الذي أنزل الله فيه - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ -[البقرة آية ٢٠٧] . ثم قال بعد ذلك: الإيمان بالكتب والرسل متصل بتوحيد الله، فمن كفر بذلك فقد أشرك بالله".
[ ١ / ١٣٥ ]
الشرك والإيمان خصلة واحدة، وهي معرفة الله تعالى وحده، فمن عرفه ثم كفر بما سواه من رسول أو كتاب أو قيامة أو جنة أو نار، أو ارتكب الكبائر من الزنا، والسرقة، وشرب الخمر، فهو كافر لكنه بريء من الشرك.
"ب" الحارثية:
أصحاب الحارث الإباضي، خالف الإباضية في قوله بالقدر على مذهب المعتزلة، وفي الاستطاعة قبل الفعل، وفي إثبات طاعة لا يراد بها الله تعالى.
"جـ" اليزيدية ١:
أصحاب يزيد بن أنيسة الذي قال بتولي المحكمة الأولى قبل الأزارقة، وتبرأ ممن بعدهم إلا الإباضية فإنه يتولاهم، وزعم أن الله تعالى سيبعث رسولا من العجم، وينزل عليه كتابا قد كتب في السماء، وينزل عليه جملة واحدة، ويترك شريعة المصطفى محمد ﵇، ويكون على ملة الصابئة المذكورة في القرآن، وليست هي الصابئة الموجودة بحران، وواسط.
وتولى يزيد بن شهد لمحمد المصطفى ﵇ من أهل الكتاب بالنبوة وإن لم يدخل في دينه، وقال إن أصحاب الحدود من موافقيه وغيرهم كفار مشركون، وكل ذنب صغير أو كبير، فهو شرك.
_________________
(١) ١ في "مقالات الإسلاميين" ص١٠٣ ج١ "والفرقة الثانية منهم يسمون اليزيدية. كان إمامهم يزيد بن أنيسة. قالوا: نتولى المحكمة الأولى ونبرأ ممن كان بعد ذلك من أهل الأحداث. ونتولى الإباضية كلهم، ويزعمون أنهم مسلمون كلهم إلا من بلغه قولنا فكذبه، أو من خرج. وخالفوا الحفصية في الإكفار والتشريك وقالوا بقول الجمهور. وحكى يمان بن رباب أن أصحاب يزيد بن أنيسة قالوا بالتشريك، وتولى يزيد المحكمة الأولى قبل نافع، وبرئ ممن كان بعدهم. وحرم القتال على كل أحد بعد تفريقهم، وثبت على ولاية الإباضية إلا من كذبه، أو بلغه قوله فرده". "وزعم أن الله سبحانه سيبعث رسولا من العجم وينزل عليه كتابا من السماء، يكتب في السماء وينزل عليه جملة واحدة. فترك شريعة محمد ودان بشريعة غيرها. وزعم ان ملة ذلك النبي الصابئة، وليس هذه الصابئة التي عليها الناس اليوم، وليس هم الصابئين الذين ذكرهم الله في القرآن، ولم يأتوا بعد". "وتولى من شهد لمحمد ﷺ بالنبوة من أهل الكتاب وإن لم يدخلوا في دينه، ولم يعملوا بشريعته. وزعم أنهم بذلك مؤمنون" وقد تبرأ منه جل الإباضية.
[ ١ / ١٣٦ ]