أصحاب ثمامة بن أترس١؛ النميري؛ كان جامعا بين سخافة الدين وخلاعة النفس، مع اعتقاده بأن الفاسق يخلد في النار إذا مات على فسقه من غير توبة، وهو في حال حياته في منزلة بين المنزلتين. وانفرد عن أصحابه بمسائل:
_________________
(١) ١ توفي ثمامة سنة ٢١٣هـ. قال عبد القاهر البغدادي ص١٠٣ "كان زعيم القدرية في زمان المأمون والمعتصم، والواثق، وقيل إنه هو الذي أغوى المأمون بأن دعاه إلى الاعتزال. وانفرد عن سائر أسلاف المعتزل ببدعتين أكفرته الأمة كلها فيهما. إحداهما: أنه لما شاركه أصحاب المعارف في دعواهم أن المعارف ضرورية، زعم أن من لم يضطره الله تعالى إلى معرفته لم يكن مأمورا بالمعرفة ولا منهيا عن الكفر، وكان مخلوقا للسخرة والاعتبار فحسب كسائر الحيوانات التي ليست بمكلفة وزعم لأجل ذلك أن عوام الدهرية والنصارى، والزنادقة يصيرون في الآخرة ترابا. وزعم أن الآخرة إنما هي دار ثواب أو عقاب، وليس فيها لمن مات طفلا ولا لمن لا يعرف الله تعالى بالضرورة طاعة يستحقون بها ثوابا" ولا معصية يستحقون عليها عقابا. فيصيرون حينئذ ترابا إذ لم يكن لهم حظ في ثواب، ولا عقاب. والبدعة الثانية من بدع ثمامة: قوله بأن الأفعال المتولدة أفعال لا فاعل لها. وهذه الضلالة تجر إلى إنكار صانع العالم، لأنه لو صح وجود فعل بلا فاعل، لصح وجود كل فعل بلا فاعل، ولم يكن حينئذ في الأفعال دلالة على فاعلها، ولا كان في حدوث العالم دلالة على صانعه. ويقال له: إذا كان كلام الإنسان عندك متولدا ولا فاعل له عندك، فلم تلوم الإنسان على كذبه وعلى كلمة الكفر؟ وهو عندك غير فاعل للكذب، ولا لكلمة الكفر".
[ ١ / ٧٠ ]
منها قوله: إن الأفعال المتولدة لا فاعل لها؛ إذ لم يمكنه إضافتها إلى فاعل أسبابها حتى يلزمه أن يضيف الفعل إلى ميت، مثل ما إذا فعل السبب ومات ووجد المتولد بعده، ولم يمكنه إضافتها إلى الله تعالى، لأنه يؤدي إلى فعل القبيح، وذلك محال. فتحير فيه وقال المتولدات أفعال لا فاعل لها.
ومنها قوله: في الكفار والمشركين والمجوس، واليهود والنصارى والزنادقة والدهرية: إنهم يصيرون في القيامة ترابا. وكذلك قوله في البهائم والطيور وأطفال المؤمنين.
ومنها قوله: الاستطاعة هي السلامة وصحة الجوارح وتخليتها من الآفات، وهي قبل الفعل.
ومنها قوله: إن المعرفة متولدة من النظر، وهو فعل لا فاعل له كسائر المتولدات.
ومنها قوله: في تحسين العقل وتقبيحه، وإيجاب المعرفة قبل ورود السمع مثل قول أصحابه غير أنه زاد عليهم فقال: من الكفار من لا يعلم خالفه وهو معذور. وقال: إن المعارف كلها ضرورية، وإن من لم يضطر إلى معرفة الله ﷾ فليس هو مأمورا بها، وإنما خلق للعبرة والسخرة كسائر الحيوان.
ومنها قوله: لا فعل للإنسان إلا الإرادة، وما عداها فهو حدث لا محدث له. وحكى ابن الراوندي عنه أنه قال: العالم فعل الله تعالى بطباعه. ولعله أراد بذلك ما تريده الفلاسفة من الإيجاب بالذات دون الإيجاد على مقتضى الإرادة، لكن يلزمه على اعتقاده ذلك ما لزم الفلاسفة من القول بقدم العالم؛ إذ الموجب لا ينفك عن الموجب.
وكان ثمامة في أيام المأمون، وكان عنده بمكان.
[ ١ / ٧١ ]