إن مما اتفق عليه محبو شيخ الإسلام ومبغضوه، وشهد له به موافقوه ومخالفوه، أنه كان واسع العلم كبير المعرفة على دراية واطلاع بمختلف الفنون وأنواع العلوم قال ابن دقيق العيد (^٢) -﵀-: «لما اجتمعت بابن تيمية رأيت رجلًا
_________________
(١) الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية (ص: ١٦).
(٢) هو أبو الفتح محمد بن علي بن وهب بن مطيع ابن أبي الطّاعة القشيري المنفلوطي الشّافعي المصري، المعروف بابن دقيق العيد، له مصنفات منها: "الإلمام" وشرحه "عمدة الأحكام" وغيرها، (ت:٧٠٢ هـ). انظر في ترجمته: تذكرة الحفاظ للذهبي (٤/ ١٤٨١)، الدرر الكامنة (٤/ ٢١٠)، طبقات الشافعية الكبرى (٩/ ٢٠٧).
[ ٥٣ ]
كل العلوم بين عينيه؛ يأخذ ما يريد ويدع ما يريد» (^١).
وقال ابن سيد الناس (^٢): «ألفيته ممن أدرك من العلم حظًّا، وكاد يستوعب السنن والآثار حفظًا، إِنْ تكلَّم في التفسير؛ فهو حامل رايته، أَو أفتى في الفقه؛ فهو مُدْرك غايته، أو ذاكر بالحديث؛ فهو صاحب علم وذو روايته، أَو حاضر بالنِّحل والملل؛ لم يُر أَوسع من نِحْلَتِه في ذلك ولا أَرفع من درايته، برز في كل فنِّ على أَبناء جِنسه، ولم تر عين من رآه مثله، ولا رأَت عينه مثل نفسه» (^٣).
وقال عَلم الشافعية العلامة كمال الدين ابن الزملكاني (^٤): «كان -يعني: شيخ الإسلام- إذا سئل عن فن من العلم ظن الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن وحكم أن أحدًا لا يعرفه مثله، وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جلسوا معه استفادوا في مذاهبهم منه ما لم يكونوا عرفوه قبل ذلك، ولا يعرف أنه ناظر أحدًا فانقطع معه، ولا تكلم في علم من العلوم: سواء أكان من علوم الشرع أم غيرها إلا فاق فيه أهله والمنسوبين إليه … واجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها» (^٥).
وقد قال شيخ الإسلام -﵀- حاكيًا عن نفسه: «أنا أعلم كل بدعة حدثت في
_________________
(١) تتمة المختصر في أخبار البشر ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص: ٣٢٩).
(٢) أبو الفتح محمد بن محمد بن محمد بن عبد الله بن محمد ابن سيّد النّاس الشافعي الإشبيليّ المصري، المعروف بابن سيّد الناس، كان حافظًا بارعًا متفننًا وله أشعار حسنة، من مصنفاته "عيون الأثر" و"بشرى اللبيب" (ت:٧٣٤ هـ). انظر: طبقات الشافعية الكبرى (٩/ ٢٦٨ - ٢٧٢) شذرات الذهب (٨/ ١٨٩) فوات الوفيات (٣/ ٢٨٧).
(٣) أجوبة ابن سيد الناس اليعمري ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص: ١٨٨).
(٤) هو كمال الدين محمد بن علي بن عبد الواحد الأنصاري، المعروف بابن الزملكاني، انتهت إليه رياسة الشافعية في عصره، له مصنفات منها: رسالة في الرد على ابن تيمية في مسألتي (الطلاق والزيارة) وتعليقات على (المنهاج) للنووي، (ت: ٧٢٧ هـ). انظر: طبقات الشافعية الكبرى (٥/ ٢٥١)، الدرر الكامنة (٤/ ٧٤).
(٥) العقود الدرية (ص: ٢٣ - ٢٤).
[ ٥٤ ]
الإسلام، وأول من ابتدعها، وما كان سبب ابتداعها» (^١).
وقال ابن القيم: «ومن الجود بالعلم: أن السائل إذا سألك عن مسألة: استقصيت له جوابها جوابًا شافيًا، لا يكون جوابك له بقدر ما تدفع به الضرورة، كما كان بعضهم يكتب في جواب الفتيا: نعم، أو: لا. مقتصرا عليها.
ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- في ذلك أمرًا عجيبًا: كان إذا سئل عن مسألة حكمية، ذكر في جوابها مذاهب الأئمة الأربعة، إذا قدر، ومأخذ الخلاف، وترجيح القول الراجح. وذكر متعلقات المسألة التي ربما تكون أنفع للسائل من مسألته. فيكون فرحه بتلك المتعلقات، واللوازم: أعظم من فرحه بمسألته وهذه فتاويه -﵀- بين الناس، فمن أحب الوقوف عليها رأى ذلك» (^٢).
ولم يكن علمه مقتصرًا على العلوم الشرعية فحسب؛ بل لقد كان آية من آيات الله في مختلف العلوم وشتى الفنون قال العلامة أحمد بن يحيى العمري (^٣): «وكان إمامًا في التفسير وعلوم القرآن، عارفًا بالفقه واختلاف الفقهاء والأصلينِ والنحو وما يتعلق به، واللغة والمنطق وعلم الهيئة واجَبْر (^٤) والمقابلة، وعلم الحساب، وعلم أهل الكتابين وأهل البدع، وغير ذلك من العلوم النقلية والعقلية. وما تكلم معه فاضل في فن من الفنون إلا ظن أن ذلك الفن فنه» (^٥).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٣/ ١٨٤).
(٢) مدارج السالكين (٢/ ٢٧٩)
(٣) أحمد بن يحيى بن فضل الله بن مجلى القرشي العمري، من علماء الشافعية، من كبار المؤرخين في عصره، له مصنفات منها: "مسالك الأبصار"، "نفحة الروض" وغيرها، مولده ومنشأه ووفاته في دمشق (ت: ٧٤٩ هـ). انظر: فوات الوفيات (١٩/ ٢١١) الدرر الكامنة (١/ ٣٩٣).
(٤) هكذا في المطبوع ولعل الصواب (الجبر).
(٥) مسالك الأبصار ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص: ٣١٧).
[ ٥٥ ]
وقد حكى الصفدي (^١) عن المولى علاء الدين علي بن الآمدي (^٢)، وهو من كبار كتاب الحساب، قال: «دخلت يومًا إليه، أنا والشمس النفيس عامل بيت المال، ولم يكن في وقته أكتب منه، فأخذ الشيخ تقي الدين يسأله عن الارتفاع، وعما بين الفذلكة واستقرار الجملة من الأبواب، وعن الفذلكة الثانية وخصمها، وعن أعمال الاستحقاق، وعن الختم والتوالي، وما يطلب من العامل، وهو يجيبه عن البعض ويسكت عن البعض، ويسأله عن تعليل ذلك، إلى أن أوضح له ذلك وعلله؛ قال: فلما خرجنا من عنده قال لي النفيس: والله تعلمت اليوم منه ما لا كنت أعلمه» (^٣).