ومثال ذلك:
١. أن يكون الحق ظاهرًا معروفًا عند المسلمين ويكون أهل الحق هم الظاهرون الأقوياء، والبدع وأهلها في حال ضعف وعجز، فتكون في مناظرتهم مفسدة حاصلة، وهي إظهار بدعهم ونشر باطلهم وشبههم بين عوام الناس مما قد يؤثر على ضعاف النفوس ومرضى القلوب، ففي مثل هذه الحالة يُنهى عن المناظرة لما يترتب عليها من مفسدة راجحة، وإنما المشروع هنا هجر أهل البدع وزجرهم ومنع الناس ونهيهم عن الجلوس لهم وعن مناظرتهم ومجادلتهم (^١).
٢. أن تكون المناظرة سببًا للتفرق والاختلاف، قال شيخ الإسلام -﵀-: «وقد كره النبي -ﷺ- من المجادلة ما يفضي إلى الاختلاف والتفرق. فخرج على قوم من أصحابه وهم يتجادلون في القدر فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان وقال: (أبهذا أمرتم؟ أم إلى هذا دعيتم؟ أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض إنما هلك من كان قبلكم بهذا ضربوا كتاب الله بعضه ببعض)، قال عبد الله بن عمرو -﵄-: فما أغبط نفسي كما غبطتها ألا أكون في ذلك المجلس. روى هذا الحديث أبو داود في سننه وغيره وأصله في الصحيحين (^٢)، والحديث المشهور عنه -ﷺ- في السنن وغيرها أنه قال -ﷺ-: (تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة قيل: يا رسول الله ومن هي؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي) (^٣)،
_________________
(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل (٧/ ١٧٣).
(٢) رواه أحمد (٦٦٦٨) ابن ماجه (٨٥) وابن أبي عاصم (٤٠٦) والطبراني في الأوسط (٥١٥) وغيرهم من حديث عبد الله بن عمرو -﵄-، وحسنه الألباني في المشكاة (٩٩) وظلال الجنة (٤٠٦) وأصله في مسلم، كتاب العلم (٢٦٦٦) ولم أقف عليه عند أبي داود.
(٣) رواه أحمد (٨٣٧٧)، وأبو داود (٤٥٩٦)، والترمذي (٢٦٤٠)، وابن ماجه (٣٩٩٢) وغيرهم، عن غير واحد من الصحابة كأبي هريرة ومعاوية وعوف بن مالك -﵃-، قال شيخ الإسلام: «حديث صحيح مشهور» مجموع الفتاوى (٣/ ٣٤٥). وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٠٣، ٢٠٤، ١٤٩٣).
[ ٤٣ ]
وفي رواية: (هي الجماعة) (^١)، وفي رواية: (يد الله على الجماعة) (^٢)، فوصف الفرقة الناجية بأنهم المستمسكون بسنته وأنهم هم الجماعة. وقد كان العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إذا تنازعوا في الأمر اتبعوا أمر الله تعالى في قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء:٥٩] وكانوا يتناظرون في المسألة مناظرة مشاورة ومناصحة وربما اختلف قولهم في المسألة العلمية والعملية مع بقاء الألفة والعصمة وأخوة الدين. نعم من خالف الكتاب المستبين والسنة المستفيضة أو ما أجمع عليه سلف الأمة خلافا لا يعذر فيه فهذا يعامل بما يعامل به أهل البدع» (^٣).
فهذه الأنواع المذكورة من المناظرات هي التي جاء في النصوص والآثار ذمها والنهي عنها والتحذير منها لأن مفسدتها أكبر من مصلحتها، وضررها أكبر من نفعها، وجماع الأسباب التي ينهى عن المناظرة فيها هذه الأسباب الثلاثة المذكورة وقد نص على ذلك شيخ الإسلام -﵀- فقال: «والمقصود أنهم نهوا عن المناظرة: من لا يقوم بواجبها، أو من لا يكون في مناظرته مصلحة راجحة، أو فيها مفسدة راجحة» (^٤)، ثم قال -﵀-: «وأما جنس المناظرة بالحق فقد تكون واجبة تارة ومستحبة تارة أخرى» (^٥)، وهذه هي الطريق الوحيدة التي يمكن الجمع فيها بين الآيات والأحاديث والآثار التي قد يفهم منها التعارض، فقد جاء في
_________________
(١) رواها أبو داود (٤٥٩٧)، وابن ماجه (٣٩٩٣).
(٢) رواه الترمذي (٢١٦٦)، وابن حبان في صحيحه (٤٥٧٧) من حديث ابن عباس ﵁. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٦٢١). وهو فيما يظهر حديث منفرد وليس رواية من روايات حديث الافتراق، كما يوهم كلام شيخ الإسلام ﵀.
(٣) درء تعارض العقل والنقل (٧/ ١٧١ - ١٧٢)
(٤) درء تعارض العقل والنقل (٧/ ١٧٤).
(٥) المصدر السابق (٧/ ١٧٤)، انظر: مجموع الفتاوى (٢٦/ ١٠٧).
[ ٤٤ ]
القرآن ذم الجدل وجاء الأمر به، وجاء في السنة ما يدل على مشروعيته، وجاء ما يرغب ويحذر عنه، وجاء عن السلف فعله والقيام به، وجاء عنهم التحذير والنهي عنه، وكل ذلك محمول على أن الجدل والتناظر نوعان فمنه ما هو محمود، ومنه ما هو مذموم، وما جاء في النصوص والآثار من مدح أو حث أو فعل فإنما هو من النوع الأول، وما جاء في النصوص من ذم أو نهي أو تحذير فهو من النوع الثاني.
وقد كانت مناظرات شيخ الإسلام -﵀- تعالى مع خصومه من النوع الأول، فقد تحققت بها مصالح شرعية كثيرة، واندفعت بها مفاسد كبيرة، وظهر فيها الحق أيما ظهور، واندثر فيها الباطل أيما دثور، وارتفعت فيها أعلام السنن، واندحر فيها خلق من أهل الزيغ والفتن، وهدى الله بها أمة من الناس إلى صراط مستقيم، كما سيظهر للقارئ خلال عرضها، في المباحث القادمة.
* * *
[ ٤٥ ]