وهذا النوع من الجدل والمناظرات مشروع بالكتاب والسنة وفعل الصحابة وسلف الأمة:
فأما أدلة الكتاب فقد تنوعت دلالات القرآن الكريم على مشروعية المناظرات المحمودة -وما في معناها-وجوازها:
منها الأدلة المصرحة بالأمر بها والحث عليها كقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل:١٢٥].
ومنها الأدلة الحاكية لشيء مما جرى من المناظرات بين أهل الحق
_________________
(١) انظر: ضوابط المعرفة وأصول الاستدلال والمناظرة (ص:٣٧٦)، وآداب البحث والمناظرة (ص:١٣٩) والتعريفات للجرجاني (ص ٢٩٨)، والتعاريف للمناوي (ص ٦٧٨).
(٢) هذا التقسيم سار عليه عدد كبير من العلماء المحققين وممن نص عليه الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه (١/ ٢٣٠ - ٢٣٥)، وابن حزم في الإحكام في أصول الأحكام (١/ ٢١ - ٢٦)، وأبو المعالي الجويني في الكافية في الجدل (ص:٢٢ - ٢٤)، وشيخ الإسلام -﵀- تعالى في درء التعارض (٧/ ١٥٦، ١٦٧)، وانظر: منهج الجدل والمناظرة في تقرير مسائل الاعتقاد (١/ ٢٧٩ - ٣١٤).
[ ٣٦ ]
وأهل الباطل على سبيل التقرير والاستشهاد، كمناظرات الأنبياء مع أقوامهم، قال تعالى: ﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ [هود:٣٢]. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ [البقرة:٢٥٨] وغيرها من الأدلة.
ومنها الأدلة المثنية على من قام بمحاجة ومناظرة أهل الباطل كما قال سبحانه بعد حكاية مناظرة إبراهيم -﵇- مع قومه: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام:٨٣].
ومنها تقريره لقواعد فن المناظرة وأنواع الحجج والأدلة والأقيسة، قال ابن القيم -﵀-: «وإذا تأملت القرآن وتدبرته وأعرته فكرًا وافيًا اطلعت فيه من أسرار المناظرات وتقرير الحجج الصحيحة وإبطال الشبه الفاسدة، وذكر النقض والفرق والمعارضة والمنع على ما يشفي ويكفي لمن بصره الله وأنعم عليه بفهم كتابه» (^١). وقال -﵀-: «والمقصود ان القرآن مملوء بالاحتجاج وفيه جميع أنواع الادلة والأقيسة الصحيحة» (^٢)، وقال شيخ الإسلام -﵀-: «وفيه من مناظرة المخالفين وإقامة البراهين على أصول الدين ما لم يذكر مثله في التوراة، مع أنه لم ينزل كتاب من السماء أهدى من القرآن والتوراة» (^٣).
ومنها الأوامر العامة بالدعوة إلى سبيل الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله والأمر بإحقاق الحق ورد الباطل، وغيرها من الأوامر التي تتضمن مناظرة أهل الباطل ومحاججتهم.
قال شيخ الإسلام -﵀-: «وأما ما في القرآن من ذكر أقوال الكفار وحججهم وجوابها، فهذا كثير جدًا، فإنه يجادلهم تارة في التوحيد، وتارة في النبوات، وتارة في المعاد، وتارة في الشرائع بأحسن الحجج وأكملها، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢)
_________________
(١) بدائع الفوائد (٤/ ١٣٠)
(٢) مفتاح دار السعادة (١/ ١٤٦)
(٣) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (٥/ ٧٢).
[ ٣٧ ]
وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان:٣٢ - ٣٣].
وقد أخبر الله ﵎ عن أولي العزم من الرسل بمجادلة الكفار فقال تعالى: ﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ [هود:٣٢]، وقال عن الخليل: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ﴾ [الأنعام:٨٠]، إلى قوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [الأنعام:٨٣].
وأمر الله تعالى محمدًا -ﷺ- بالمجادلة بالتي هي أحسن، وذم سبحانه من جادل بغير علم، أو في الحق بعدما تبين، ومن جادل بالباطل: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:٦٦]. وقال تعالى: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾ [الأنفال:٦]، وقال تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر:٥] وهذا هو الجدال المذكور في قوله: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر:٤]» (^١).
وأما السنة: فقد دلت السنة بأنواعها القولية والفعلية والتقريرية على مشروعيتها، فمن السنة القولية قوله -ﷺ-: (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم) (^٢)، قال ابن حزم -﵀-: «وهذا حديث في غاية الصحة وفيه الأمر بالمناظرة وإيجابها كإيجاب الجهاد والنفقة في سبيل الله» (^٣).
ومن السنة الفعلية مناظراته ومحاوراته الكثيرة مع المشركين، ومناظرته مع
_________________
(١) الجواب الصحيح (١/ ٢٢٩ - ٢٣٠).
(٢) رواه أحمد (١٢٢٤٦)، والنسائي (٣٠٩٦)، وأبو داود (٢٥٠٤)، والحاكم (٢٤٢٧)، وابن حبان (٤٧٠٨) وغيرهم، كلهم من طريق حماد بن سلمة عن حميد عن أنس بن مالك -﵁-. قال ابن عبد الهادي في المحرر (٢/ ٤٣٩): إسناده على شرط مسلم. وقال النووي في رياض الصالحين (ص:٢٨): إسناده صحيح. وصححه الألباني في المشكاة برقم: ٣٨٢١.
(٣) الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (١/ ٢٦)
[ ٣٨ ]
اليهود (^١) ومناظرته مع ابن صياد (^٢) وغير ذلك.
وأما فعل الصحابة والسلف فهو أكثر من أن يحصر، ومن أشهرها مناظرة ابن عباس للخوارج (^٣)، ومناظرات الإمام أحمد للجهمية (^٤)، قال ابن حزم -﵀-: «وقد تحاج المهاجرون والأنصار وسائر الصحابة -رضوان الله عليهم- وحاجَّ ابن عباس الخوارج بأمر علي -﵁- وما أنكر قط أحد من الصحابة الجدال في طلب الحق» (^٥). وقال صاحب كتاب "تنبيه الرجل العاقل إلى تمويه الجدل الباطل" (^٦)،، مبينًا ما جاء من حض الشرع للمؤمنين على الجدل المحمود: «وحضهم على المناظرة والمشاورة لاستخراج الصواب في الدنيا والآخرة حيث يقول لمن رضي دينهم: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨]، كما أمرهم بالمجادلة والمقاتلة لمن عدل عن السبيل العادلة حيث يقول آمرا وناهيا لنبيه والمؤمنين لبيان ما يرضاه منه ومنهم ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥]، ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت:٤٦]، فكان أئمة الإسلام ممتثلين لأمر المليك العلام يجادلون أهل الأهواء المضلة حتى يردوهم إلى سواء الملة كمجادلة ابن عباس﵄- للخوارج المارقين حتى رجع كثير منهم إلى ما خرج عنه من الدين وكمناظرة كثير من السلف الأولين لصنوف المبتدعة الماضين ومن في قلبه ريب يخالف اليقين حتى هدى الله من شاء من البشر وعلن
_________________
(١) رواها أحمد في مسنده (٢٤٨٣) وعبد الرزاق في تفسيره (٤٣١) وابن أبي حاتم في تفسيره (١٨٥) وسعيد بن منصور في سننه (١٦٨٣) والطبراني في الكبير (١٢٤٢٩) من حديث ابن عباس -﵁- وحسنها الألباني في الصحيحة (١٨٧٢).
(٢) رواه البخاري في كتاب الجهاد كيف يُعرض الإسلام على الصبي (٣٠٥٥) ومسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة (٢٩٣٠).
(٣) رواها أحمد في مسنده (٣١٨٧) وأبو داود (٤٠٧٣) والنسائي في الكبرى (٨٥٢٢) وحسنها الألباني في صحيح وضعيف أبي داود (٤٠٣٧).
(٤) انظر: المحنة على الإمام أحمد (٥١، ٥٣، ٥٥ - ٦٠، ٩٩).
(٥) الإحكام في أصول الإحكام (١/ ٣٠).
(٦) ينسب هذا الكتاب إلى شيخ الإسلام ﵀ في ثبوته له نظر كبير.
[ ٣٩ ]
الحق وظهر، ودرس ما أحدثه المبتدعون واندثر» (^١).
وقد حكى إجماع العلماء على مشروعيتها الخطيب البغدادي (^٢) في كتاب الفقيه والمتفقه (^٣) وأبو الوليد الباجي (^٤) في إحكام الفصول (^٥).