إن ما عليه دين النصارى اليوم من غلو وبدع وشرك هو بلا شك ليس دين المسيح -﵇- الذي بعثه الله به، بل هو مناقض له مخالف له ولدينه، وذلك ناتج عن انحراف النصارى وتبديلهم للدين، قال شيخ الإسلام -﵀- في بيان انحرافهم عن دين عيسى -﵇-: «وكان المسيح -﵇- بعث بدين الله الذي بعث به الأنبياء قبله، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، والنهي عن عبادة كل ما سواه، وأحل لهم بعض ما حرم الله في التوراة، فنسخ بعض شرع التوراة، وكان الروم واليونان وغيرهم مشركين يعبدون الهياكل العلوية والأصنام الأرضية، فبعث المسيح -﵇- رسله يدعونهم إلى دين الله تعالى، فذهب بعضهم في حياته في الأرض، وبعضهم بعد رفعه إلى السماء، فدعوهم إلى دين الله تعالى، فدخل من دخل في دين الله، وأقاموا على ذلك مدة ثم زين الشيطان لمن زين له أن يغير دين المسيح فابتدعوا دينا مركبًا من دين الله ورسله: دين المسيح -﵇-، ومن دين المشركين.
وكان المشركون يعبدون الأصنام المجسدة التي لها ظل، وهذا كان دين الروم
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٤٦٤).
(٢) إغاثة اللهفان (٢/ ٤١٦).
[ ١٦٠ ]
واليونان، وهو دين الفلاسفة أهل مقدونية (^١) وأثينة (^٢) كأرسطو (^٣) وأمثاله من الفلاسفة المشائين (^٤) وغيرهم … فلما ظهر دين المسيح -﵇- بعد أرسطو بنحو ثلاثمائة سنة في بلاد الروم واليونان، كانوا على التوحيد إلى أن ظهرت فيهم البدع، فصوروا الصور المرقومة في الحيطان، جعلوا هذه الصور عوضًا عن تلك الصور.
وكان أولئك يسجدون للشمس والقمر والكواكب، فصار هؤلاء يسجدون إليها إلى جهة الشرق التي تظهر منها الشمس والقمر والكواكب، وجعلوا السجود إليها بدلا عن السجود لها … وكان من أعظم أسباب عبادة الأصنام تصوير الصور وتعظيم القبور» (^٥).
_________________
(١) مقدونية من بلاد الروم القديمة تسمى مَدِينَة حكماء اليونان، تقع ما بين البحر الرّوميّ وخليج القسطنطينيّة، ومنها ابتداء ملك اليونان، وهي متصلة ببحر الروم بناها أحد ملوكهم يدعى "فيلبوس" بعد أن هدم مدينة أغريقيّة، وكان محبّا للحكمة فأكثر من الحكماء في دولته، قال شيخ الإسلام: «وهي جزيرة هؤلاء الفلاسفة اليونانيين الذين يسمون المشائين وهي اليوم خراب أو غمرها الماء». انظر: مجموع الفتاوى (١٧/ ٣٣٢) تاريخ ابن الوردي (١/ ٥٠) تاريخ ابن خلدون (١/ ٩٣) صبح الأعشى (٣/ ٤٧٦).
(٢) عاصمة اليونان وهي من أقدم مدن العالم؛ إذ أُسست فى أثناء حكم "ميكروبس" منذ عام (١٥٨٢ ق. م)، واشتهرت بعلومها وفنونها وآدابها، وارتبطت بها أسماء كثير من الفلاسفة والأدباء، أمثال: سقراط وأفلاطون وأرسطو طاليس، وغيرهم. انظر: قصة الحضارة (٦/ ١٨٣) والموسوعة الحرة (ويكبيديا) http://cutt.us/WgUS.
(٣) أرسطو: فيلسوف إغريقي، الملقب بـ (المعلم الأول)، ويُسمى (أرسطوطاليس)، ومعناه: محب الحكمة، وقيل: محبة الفضيلة، أستاذ الإسكندر المقدوني وتلميذ أفلاطون، كان بارعًا في الطب لكن غلب عليه علم الفلسفة، أول من قال بقدم العالم، وكان مشركًا يعبد الأوثان، من مؤلفاته: (ما بعد الطبيعة) - يُعرف بـ (الإلهيات) و(الحروف) (ت: ٣٢٢ ق. م). انظر: قصة الحضارة (٧/ ٤٩٢) عيون الأنباء (ص ٨٦).
(٤) نسبة إلى مدرسة أرسطو المشائية؛ حيث ذكروا أن أرسطو كان يعلم تلاميذه ماشيًا. انظر: المعجم الفلسفي لجميل صليبا (٢/ ٣٧٣)، ودرء تعارض العقل والنقل (١/ ١٥٧).
(٥) الجواب الصحيح (١/ ٣٤٤).
[ ١٦١ ]
وبين شيخ الإسلام -﵀- أن الذي تقوم به النصارى الآن هو أصل عبادة الأوثان التي كان عليها الوثنيون وهذا باعتراف علمائهم، قال -﵀-: «فالذي تفعله النصارى أصل عبادة الأوثان، وهكذا قال عالمهم الكبير -الذي يسمونه فم الذهب (^١) وهو من أكبر علمائهم- لما ذكر تولد الذنوب الكبار عن الصغار. قال: وهكذا هجمت عبادة الأصنام فيما سلف، لما أكرم الناس أشخاصًا يعظم بعضهم بعضًا فوق المقدار الذي ينبغي، الأحياء منهم والأموات» (^٢).