لا شك أن لانحراف كثير من المنتسبين للإسلام في باب التوحيد أثرًا سلبيًا كبيرًا، وأوضح مثال على ذلك، هو ما احتج به هؤلاء الرهبان في مناظرتهم لتصحيح ما هم عليه من شرك فإنهم احتجوا بما يفعله هؤلاء الجهلة المنتسبون للإسلام عند قبر السيدة نفيسة وما يعتقدونه فيها.
وذلك أن كثيرًا ممن ينتسبون للإسلام قد غلوا فيها غلوًا عظيمًا تجاوز الحد، ورفعوها إلى مقام الربوبية والألوهية، وقاموا بصرف أنواع العبادات لها؛ حتى إنهم يسجدون لها، ويدعونها من دون الله ويقدمون النذر والقرابين لها ويطوفون حول قبرها، ويتبركون به، ويصرفون أنواع العبادات العملية المختلفة لها، مع صرفهم قبل هذا للعبادات القلبية: من خوف، ورجاء، ومحبة، وخشية، ورغبة، ورهبة لها، ويعتقدون أن الدعاء متقبل عند قبرها، وأنه موضع إجابة للدعاء، ومن صور الغلو فيها أنهم بنوا ضريحًا وقبة على قبرها، وخصصوا زيارات موسمية لهذا الضريح تبركًا واستشفاء به، وأقاموا الحفلات والموالد والأعياد البدعية عند مقامها الشهير هناك.
وقد قال ابن كثير -﵀- في وصف ما حدث من كثير من المنتسبين للإسلام من غلو في قبر هذه المرأة: «وإلى الآن قد بالغ العامة في اعتقادهم فيها وفي غيرها كثيرًا جدًا، ولا سيما عوام مصر، فإنهم يطلقون فيها عبارات بشيعة مجازفة تؤدي إلى الكفر والشرك، وألفاظا كثيرة ينبغي أن يعرفوا أنها لا تجوز» (^١).
وقال الذهبي -﵀-: «ولجهلة المصريين فيها اعتقاد يتجاوز الوصف، ولا يجوز مما فيه من الشرك، ويسجدون لها، ويلتمسون منها المغفرة، وكان ذلك من دسائس دعاة العبيدية» (^٢).
_________________
(١) البداية والنهاية (١٠/ ١٨٦).
(٢) سير أعلام النبلاء (١٠/ ١٠٦).
[ ١٥٨ ]
وقال الصفدي -﵀-: «وللمصريين فيها اعتقاد عظيم» (^١).
والآثار السلبية المترتبة على مثل هذه الأفعال كثيرة جدًا، وقد ذكر شيخ الإسلام -﵀- جملة منها:
أولًا: أن هذه الأفعال ونحوها تكون حجة للنصارى وغيرهم من المشركين للبقاء على وثنياتهم والاستمرار في شركهم الذي هم عليه، ومحاجة المسلمين بذلك، كما وقع في هذه المناظرة وغيرها، مثل ما حكاه شيخ الإسلام عن بعض النصارى فقال: «وكان بعض النصارى يقول لبعض المسلمين: لنا سيد وسيدة، ولكم سيد وسيدة، لنا السيد المسيح والسيدة المريم، ولكم السيد حسين والسيدة نفيسة» (^٢).
ثانيًا: أن هذه الأفعال تُفرح المشركين والنصارى؛ لأنها توافق ما عندهم قال شيخ الإسلام -﵀-: «فالنصارى يفرحون بما يفعله أهل البدع والجهل من المسلمين مما يوافق دينهم ويشابهونهم فيه، ويحبون أن يقوى ذلك ويكثر، ويحبون أن يجعلوا رهبانهم مثل عباد المسلمين وقسيسيهم مثل قضاة المسلمين» (^٣).
ثالثًا: أن في هذه الأفعال تقوية لدين المشركين. قال شيخ الإسلام﵀-: «والمقصود هنا: أن النصارى يحبون أن يكون في المسلمين ما يشابهونهم به ليقوي بذلك دينهم، ولئلا ينفر المسلمون من دينهم» (^٤).
رابعًا: أن في هذه الأفعال تحقيقًا لمطلب هؤلاء النصارى وغيرهم من أهل الشرك، قال شيخ الإسلام -﵀-: «وقد حصل للنصارى من الجهال كثير من
_________________
(١) الوافي بالوفيات (٢٧/ ١٠١).
(٢) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٤٦٢).
(٣) المصدر السابق (٢٧/ ٤٦٢).
(٤) المصدر السابق (٢٧/ ٤٦٤).
[ ١٥٩ ]
مطلوبهم، لا سيما من الغلاة من الشيعة، وجهال النساك والغلاة في المشايخ، فإن فيهم شبهًا قويًا بالنصارى في الغلو، والبدع في العبادات ونحو ذلك» (^١).
خامسًا: أن في أفعالهم هذه صدًا للناس عن دخول الإسلام واعتناقه، قال ابن القيم -﵀-: «ولقد دعونا نحن وغيرنا كثيرًا من أهل الكتاب إلى الإسلام، فأخبروا أن المانع لهم ما يرون عليه المنتسبين إلى الإسلام، ممن يعظّمهم الجهال من البدع والظلم والفجور والمكر والاحتيال، ونسبة ذلك إلى الشرع، ولمن جاء به، فساء ظنهم بالشرع وبمن جاء به، فالله طليب قطّاع طريق الله وحسيبهم» (^٢).