وضح شيخ الإسلام في هذه المناظرة أن دين المسيح -﵇- هو دين جميع الأنبياء -﵈- وعلى رأسهم إبراهيم -﵇- فكلهم جاءوا بالتوحيد والنهي عن الشرك والتحذير من طرقه ووسائله المفضية إليه، قال شيخ الإسلام -﵀-: «ولم يأمر أحد من الأنبياء باتخاذ الصور والاستشفاع بأصحابها، ولا بالسجود إلى الشمس والقمر والكواكب، وإن كان يذكر عن بعض الأنبياء تصوير صورة لمصلحة، فإن هذا من الأمور التي قد تتنوع فيها الشرائع بخلاف السجود لها والاستشفاع بأصحابها، فإن هذا لم يشرعه نبي من الأنبياء، ولا أمر قط أحد من الأنبياء أن يدعى غير الله -﷿- لا عند قبره، ولا في مغيبه، ولا يشفع به في مغيبه بعد موته، بخلاف الاستشفاع بالنبي -ﷺ- في حياته ويوم القيامة، وبالتوسل به بدعائه، والإيمان به، فهذا من شرع الأنبياء -﵈-، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزُّخرُف:٤٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا
_________________
(١) هو القديس يوحنا بطريق القسطنطنية، قام بإصلاحات في الكنيسة، فعُزل من الإمبراطورية وأوذي، ولقب بفم الذهب لبلاغته. (ت:٤٠٧ هـ). انظر: الفصل في الملل (٢/ ٦١) تاريخ مختصر الدول (١/ ٨٤).
(٢) الجواب الصحيح (١/ ٣٥٨).
[ ١٦٢ ]
الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النحل:٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾ [يونس:١٨]، وقال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣)﴾ [الزُّمَر:١ - ٣]» (^١).
_________________
(١) الجواب الصحيح (١/ ٣٥٠ - ٣٥١، ٣٧٦). وانظر: التدمرية (١٦٨)، اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٨٢٦)، مجموع الفتاوى (١/ ١٨)، (١٠/ ٣٦).
[ ١٦٣ ]