حقيقة هذه الشبهة التي احتج بها هؤلاء الرهبان هي: أن ما يقومون به من شرك واستغاثة بغير الله وصرف شتى أنواع العبادات لغيره إنما هو من باب التوسل ليس إلا.
وهذه الشبهة هي شبهة مشتركة بين هؤلاء النصارى وبين عباد القبور من الرافضة والمتصوفة وغيرهم ممن ينتسب إلى الإسلام والملة.
وقد احتج البكري (^٢) في رده على شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- بهذه الحجة أيضًا وقرر مثل هذا التقرير كما بين ذلك شيخ الإسلام في رده عليه (^٣).
وقد بين شيخ الإسلام -﵀- أصل هذه الشبهة في هذا الباب فقال في أثناء رده على البكري الذي احتج بهذه الحجة: «وهو-أي البكري- ظن أن الباب في التوسل كالباب في الاستغاثة وليس كذلك» (^٤). وقال أيضًا: «فدخل عليه الخطأ من وجوه، منها أنه جعل المُتوسِل به بعد موته
_________________
(١) راجع (ص:١٥٧) فما بعدها.
(٢) هو أبو الحسن علي بن يعقوب بن جبريل البكري المصري الشافعي، له كتاب في " البيان " وآخر في " تفسير الفاتحة "وله تصانيف في النيل من شيخ الإسلام ابن تيمية، وصدق فيه ابن كثير عندما قال: «كان البكري في جملة من ينكر على شيخ الإسلام ابن تيمية، وما مثاله إلا مثال ساقية ضعيفة كدرة لاطمت بحرًا عظيمًا صافيًا!» (ت:٧٤٢ هـ). انظر: البداية والنهاية (١٤/ ١١٤ - ١١٥) الوافي بالوفيات (٢٢/ ٢٠٥).
(٣) انظر: الرد على البكري (١/ ١٨٢).
(٤) المصدر السابق (٢/ ٤٩٨).
[ ١٦٧ ]
في الدعاء مستغيثًا به» (^١).
فبين ﵀ أن أصل هذه الشبهة عندهم هو عدم التفريق بين التوسل وبين الدعاء والاستغاثة، فهما عندهم بمعنى واحد لا فرق بينهما.
بل نستطيع التعبير عن حقيقة مذهبهم بصورة أوضح وذلك بأن نقول: إنهم يجعلون عبادة غير الله والشرك به بمعنى التوسل.
وقد اتضح من كلام هذا النصراني هذا الأمر حيث سمى ما يقعون فيه من شرك وعكوف على التماثيل والقبور وعبادتها والاستغاثة بها، سماه توسلًا ليس إلا.
ولنستعرض أيضًا كلام بعض القبوريين في هذه الشبهة بعينها، ليتضح الأمر ويزول الإشكال، ويظهر بوضوح سبب غلطهم في هذا الباب العظيم ووجه تلبيس الشيطان عليهم.
قال أحمد زيني دحلان (^٢): «فالتوسل والتشفع والاستغاثة كلها بمعنى واحد، وليس لها في قلوب المؤمنين معنى إلا التبرك بذكر أحباء الله تعالى» (^٣).
وقد قرر هذا قبله جمع منهم تقي الدين السبكي (^٤) فقال: «فلا فرق بين أن يعبر بلفظ الاستغاثة، أو التوسل، أو التشفع، أو التجوه، أو التوجه ..» (^٥).
_________________
(١) المصدر السابق (٢/ ٤٧٨).
(٢) هو أحمد زيني دحلان المكي الشافعي، ممن ناصب العداء لدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب، وله مصنفات منها: الدرر السنية في الرد على الوهابية وغيرها، توفي سنة: ١٣٠٤ هـ. انظر: هدية العارفين (١/ ١٩١) والأعلام للزركلي (١/ ١٢٩) ومعجم المؤلفين (١/ ٢٢٩).
(٣) الدرر السنية في الرد على الوهابية (ص:٣٨).
(٤) هو أبو الحسن تقي الدين على بن عبد الكافي السبكي الشافعي، له مصنفات منها: الفتاوى الكبرى، والابتهاج في شرح المنهاج، شفاء السقام، وكان ممن ناصب العداء لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، توفي سنة: ٧٥٦ هـ. انظر: الدرر الكامنة (١/ ٣٦٥)، والبدر الطالع (١/ ٤٤٦).
(٥) شفاء السقام (ص: ٣٦٣).
[ ١٦٨ ]
وتبعه في تقرير هذا القول السمهودي (^١) والقسطلاني شارح البخاري (^٢)، والهيتمي (^٣)،
والزرقاني (^٤)، وابن جرجيس (^٥)، والنبهاني (^٦) وغيرهم.
وقال محمد بن عبد الوهاب بن داود الهمداني (^٧) مقررًا ذلك: «لا فرق أن يعبر
_________________
(١) هو أبو الحسن نور الدين علي بن عبد الله السمهودي الشافعي، له مصنفات منها: حاشية على إيضاح النووي، وجواهر العقدين في فضل الشرفين، توفي سنة: ٩١١ هـ. انظر: البدر الطالع (١/ ٤٤٩)، والنور السافر (ص ٥٤ - ٥٧)، الأعلام للزركلي (٨/ ٥٢).
(٢) هو أبو العباس شهاب الدين أحمد بن محمد بن أبى بكر بن عبد الملك القسطلاني القتيبي المصري، له مصنفات منها: إرشاد الساري شرح البخاري، لطائف الاشارات في علم القراءت، قال عنه الألوسي: (كان من غلاة القبورية)، توفي سنة: ٩٢٣ هـ. انظر: البدر الطالع (١/ ٩٥)، والأعلام للزركلي (١/ ٢٣٢)، غاية الأماني (٢/ ١٤).
(٣) هو أبو العباس شهاب الدين أحمد بن محمد بن حجر الهيتمي الشافعي، له مصنفات منها: الصواعق المحرقة على أهل الرفض والزندقة، الزواجر عن اقتراف الكبائر، وغيرها، ناصب العداء لشيخ الإسلام ابن تيمية وصنف في نصرة مذهب القبورية "الجوهر المنظم في زيارة القبر المعظم"، توفي سنة: ٩٧٤ هـ. انظر: النور السافر (١/ ٢٥٨)، وخلاصة الأثر (٢/ ١٦٦).
(٤) هو أبو عبد الله محمد بن عبد الباقي بن يوسف الزرقاني المصري الأزهري المالكي، له عدة مصنفات منها: شرح الموطأ، ومختصر المقاصد، (ت:١١٢٢ هـ). انظر: سلك الدرر (٢/ ٨٣)، والأعلام للزركلي (٦/ ١٨٤).
(٥) هو داود بن سليمان البغدادي النقشبندي الخالدي الحنفي، المعروف بابن جرجيس، من أكبر الدعاة إلى الوثنية وعبادة القبور، وله مصنفات منها: صلح الإخوان (ت:١٢٩٩ هـ). انظر: الأعلام للزركلي (٢/ ٣٣٢)، ومعجم المؤلفين (٤/ ١٣٦ - ١٣٧)، هدية العارفين (١/ ٣٦٣).
(٦) هو يوسف بن إسماعيل بن يوسف النبهاني، كان شاعرًا وأديبًا قاضيًا، عُرف بغلوه بالأموات، من مصنفاته: المواهب المحمدية، والمجموعة النبهانية، شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق، وكان شديد التحامل على شيخ الإسلام ابن تيمية وابن عبد الوهاب في كثير من كتاباته وقصائده، (ت:١٣٥٠ هـ). انظر: الأعلام للزركلي (٨/ ٢١٨)، ومعجم المؤلفين (١٣/ ٢٧٥ - ٢٧٦).
(٧) هو محمد بن عبد الوهاب بن داود الهمداني الكاظمي، إمامي قبوري من كاظمة بالعراق، من مصنفاته: إزهاق الباطل في رد شبه الفرقة الوهابية، توفي سنة:١٣٠٥ هـ. انظر: الأعلام للزركلي (٦/ ٢٥٨) ومعجم المؤلفين (١٠/ ٢٩٨).
[ ١٦٩ ]
بلفظ الاستغاثة، أو التوسل، أو التشفع، أو التوجه» (^١).
ويقول بعض علمائهم (^٢): «ولا فرق في هذا المعنى بين أن يعبر عنه بلفظ التوسل، أو الاستعانة، أو التشفع، أو الالتجاء، والداعي بالدعاء المذكور وما في معناه متوسل بالنبي -ﷺ-؛ لأنه جعله وسيلة لإجابة الله دعائه ومستغيث به» (^٣).
فإذا علمت هذا علمت معنى التوسل عند عُباد القبور والأضرحة وعرفت وجه احتجاج النصراني بهذه الشبهة على شركهم وعبادتهم لغير الله.
ويوضح لنا القضاعي (^٤) ما يحويه معنى التوسل عند القبورية من معان بتقسيم سهل وواضح فيقول: «اعلم أن التوسل بالسادة على أنحاء:
الأول: أن يدعو الله بهم، كأن يقول: اللهم إني أسألك بأنبيائك، أو بالصالحين، أو بحرمتهم، أو بجاههم، أو بحقهم.
الثاني: أن يطلب المستغيث من المستغاث به: أن يشفع له إلى ربه في قضاء حاجته.
بأن يقول: ادع لي أن يرد عليّ بصري.
الثالث: أن يطلب المستغيث من المستغاث به قضاء حاجته، بأن يقول: يا فلان، ردّ عليّ بصري» (^٥).
_________________
(١) إزهاق الباطل لمحمد بن عبد الوهاب بن داود الهمداني ق (٦٢) نقلا عن دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (ص ٣١٩).
(٢) هو محمد عاشق الرحمن القادري الحبيبي الحنفي، من مؤلفاته: السيوف الآجلة، عذاب الله المجدي، قال الشيخ شمس الدين الأفغاني: «الهندي الخرافي الكذاب» انظر: جهود علماء الحنفية (٣/ ١٨١٢).
(٣) عذاب الله المجدي لجوف منكر التوسل النجدي (ص ٤٣) نقلا عن دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (ص ٣٢٦).
(٤) هو سلامة العزامي القضاعي، كان من دعاة الوثنية والقبورية سليط اللسان على أئمة السنة، من مصنفاته: البراهين الساطعة، توفي سنة: ١٣٧٦ هـ انظر: معجم المؤلفين (١٣/ ٣٩٠).
(٥) البراهين الساطعة (ص ٣٩١) نقلا عن جهود علماء الحنفية (٢/ ١٠٧١).
[ ١٧٠ ]
أما النوع الأول فهو التوسل المحرم الممنوع، وأما النوع الثاني فهو مجمل محتمل، وأما النوع الثالث فهو عين الشرك الصريح الذي لا شك فيه، ومع هذا فقد جعلوه من جملة أنواع التوسل وهذا أصل ضلالهم وشبهتهم.
ويبين لنا الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن (^١) -﵀- ما وقع في لفظ التوسل من اشتراك فيقول: «إن لفظ التوسل صار مشتركًا، فعُباد القبور يطلقون التوسل على الاستغاثة بغير الله، ودعائه رغبًا ورهبًا، والذبح والنذر، والتعظيم بما لم يشرع في حق مخلوق.
وأهل العلم يطلقونه على المتابعة والأخذ بالسنة فيتوسلون إلى الله بما شرعه لهم من العبادات، وبما جاء به عبده ورسوله محمد -ﷺ- وهذا هو التوسل في عرف القرآن والسنة .. ومنهم من يطلقه على سؤال الله ودعائه بجاه نبيه أو بحق عبده الصالح أو بعباده الصالحين وهذا هو الغالب عند الإطلاق في كلام المتأخرين كالسبكي والقسطلاني وابن حجر-أي الهيتمي-» (^٢).
ويلخص لنا الشيخ شمس الدين الأفغاني (^٣) -﵀- جميع ما تقدم فيقول: «الحاصل: أن القبورية قد أدخلوا في مفهوم التوسل الاستغاثة بالأموات، التي ليست بشرك فحسب، بل أم لعدة أنواع من الإشراك بخالق الأرض والسماوات.
وحرفوا دين الله أشنع التحريفات بأبشع التبديلات، وغيروا المصطلحات
_________________
(١) هو عبد اللطيف ابن الشيخ عبد الرحمن بن حسن ابن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب التميمي، كان عالمًا فقيهًا مصلحًا، له مصنفات منها: تأسيس التقديس في الرد على داود بن جرجيس، مصباح الظلام في الرد على من كذب الشيخ الإمام، توفي سنة: ١٢٩٣ هـ. انظر: مشاهير علماء نجد (١/ ٦٩).
(٢) منهاج التأسيس (ص ٢٦٧). وانظر مصباح الظلام (ص ١٧٨).
(٣) هو أبو عبد الله شمس الدين بن محمد بن أشرف بن قيصر الأفغاني، من أهل العلم المعاصرين، له مصنفات منها: الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات، جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية، توفي سنة: ١٤٢٠ هـ. انظر مقدمتي رسالتيه السابقتين.
[ ١٧١ ]
الشرعية بما هو عين الوثنيات، وفسروا بتوسلاتهم البدعية نصوص الكتاب والسنة، وادعوا إجماع السلف والخلف، فافتروا على أئمة الأمة، بل تقولوا على الأنبياء والمرسلين، والصحابة والتابعين» (^١).
ولكن قد يتساءل القارئ ما وجه تشبيههم الاستغاثة بالتوسل؟ والجواب يتضح من إيراد بعض تعليلاتهم في ذلك، يقول القباني (^٢) معللًا لهذا الأمر: «فالمستغاث به في الحقيقة هو الله تعالى، والنبي -ﷺ- واسطة بينه وبين المستغيث؛ فهو تعالى مستغاث، والغوث منه خلقًا وإيجادًا، والنبي -ﷺ- مستغاث، والغوث منه تسببًا وكسبًا» (^٣).
ويقول محمد بن عبد الوهاب الهمداني: «فالطلب في الحقيقة منه تعالى لا من سواه، وإن كان في الظاهر متوجها إلى غيره فلا بأس به في المعنى» (^٤)
ويقول حسن الشطي (^٥): «فإن قلت شبهة من منع التوسل رؤيتهم بعض العوام يطلبون من الصالحين أحياءً وأمواتًا أشياء لا تطلب إلا من الله، ويجدونهم يقولون للولي افعل لي كذا وكذا، فهذه الألفاظ الصادرة منهم توهم التأثير لغير الله.
أجيب بأن الألفاظ الموهمة محمولة على المجاز العقلي، والقرينة عليه
_________________
(١) جهود علماء الحنفية (٣/ ١٤٥٣).
(٢) هو أحمد بن علي البصري الشهير بالقباني، من خصوم دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب، من مصنفاته: فصل الخطاب في رد ضلالات ابن عبد الوهاب، كان حيًا سنة ١١٥٧ هـ ولم تعرف سنة وفاته. انظر: إيضاح المكنون (٢/ ١٩٠)، دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (ص ٤٤).
(٣) "فصل الخطاب" ق ٢٨. نقلًا عن دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (ص ٣١٨).
(٤) إزهاق الباطل ق ٦٢. نقلًا عن دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (ص ٣١٩).
(٥) هو حسن الشطي الحنبلي، كان صوفيًا خرافيًا، ناصب العداء للدعوة وألف في نصرة الشرك والقبورية ومن مؤلفاته: النقول الشرعية في الرد على الوهابية، توفي سنة: ١٣٤٨ هـ انظر: معجم المؤلفين (١٢/ ٢٣٧).
[ ١٧٢ ]
صدوره من موحد، ولذا إذا سئل العامي عن صحة معتقده بذلك فيجيبك بأن الله هو الفعال وحده لا شريك له، وإنما الطلب من هؤلاء الأكابر عند الله تعالى المقربين لديه على سبيل التوسط بحصول المقصود … ولا يصح لنا أن نمنعهم من التوسل والاستغاثة مطلقًا» (^١).