إن الناظر في كتب شيخ الإسلام -﵀- يجد أنه قد اعتنى في بيان بطلان هذه الشبهة وأجاب عنها من عدة أوجه، أهمها ما يلي:
أولًا: أن القول بأن الصفات يجوز أن تكون مباينة للموصوف ومتصلة به في آن واحد قول باطل؛ لأنه جمع بين النقيضين (^٢).
ثانيًا: أن الشعاع والضوء والحرارة منه:
أ - ما هو قائم بذات الشمس؛ فيكون صفة لها قائم بها لم يحل بغيرها ولم يتحد بغيرها.
ب -ما هو بائن عن الشمس قائم بغيرها كالشعاع القائم بالهواء والأرض، فهذه ليست هي الشمس ولا من صفاته، وإنما هي أعراض منفصلة عنها قائمة بغيرها، فهي آثار حاصلة في غير الشمس بسبب الشمس.
وعلى هذا فليس هناك اتحاد بين اللاهوت والناسوت (^٣) كما لم تتحد الشمس ولا صفاتها القائمة بها بالهواء والأرض التي حصل بها الشعاع والحرارة.
ويكون غاية قولهم إنه لا يوجد في الناسوت شيء من اللاهوت وإنما فيه آثار حكمته وقدرته.
_________________
(١) انظر: الجواب الصحيح (٣/ ٢٩٦ - ٢٩٧) (٣/ ٢٣٤ - ٢٣٥) و(٤/ ٤٤٩).
(٢) انظر: المصدر السابق (٣/ ٢٩٦).
(٣) للاهوت والناسوت عدة إطلاقات، فيراد باللاهوت: الخالق، والناسوت: المخلوق. وربما يطلق الأول على الروح، والثاني على البدن، وربما يطلق الأول على العالم العلوي والثاني على العالم السفلي. وعلى السبب والمسبب. وعلى الجن والإنس، والمراد هنا الإطلاق الأول. انظر: الكليات للكفوي (٤/ ١٧٣)، المعجم الفلسفي لجميل صليبا (٢/ ٢٧٧).
[ ١٤٣ ]
فيكون الذي حل في المسيح إنما هو آثار حكمة الإله وعلمه وقدرته وعلى هذا فلا يكون للمسيح اختصاص بذلك، بل هذا مشترك بينه وبين غيره من الأنبياء، بل وعموم الخلق كلهم (^١).
وهذا هو معنى قول شيخ الإسلام: «فإذا كنتم تشبهون المخلوق بالشعاع الذي للشمس والنار، والخالق بالنار والشمس، فلا فرق في هذا بين المسيح وغيره، فإن كل ما سوى الله -على هذا- هو بمنزلة الشعاع والضوء فما الفرق بين المسيح وبين إبراهيم وموسى؟ بل ما الفرق بينه وبين سائر المخلوقات على هذا؟» (^٢).
ثالثًا: أنكم تقولون الإله (لا يتبعض ولا يتجزأ) وهذا مناقض لما ذكرتم من التشبيه بشعاع الشمس؛ لأن شعاع الشمس متجزئ متبعض فالشعاع قائم بالأرض والهواء وكل منهما متجزئ متبعض وما قام بالمتبعض فهو متبعض فإن الحال يتبع المحل وذلك يستلزم التبعض والتجزؤ فيما قام به، وهذا يناقض قولكم السابق (^٣) ..
رابعًا: قال شيخ الإسلام -﵀-: «إن الشمس نفسها لم تحل في الأرض ولا النور الذي قام بها فارقها وانتقل إلى الأرض ولكن إذا قابلتها الأجسام انعكس عليها شعاعها فالشعاع الحاصل على الأرض ليس هو عين ما قام بالشمس، بل حدث بسبب المقابلة، كما أن السراج إذا كان في البيت حصل على الارض والحيطان والسقف نور ينعكس من شعاع السراج ونفس النار الخارجة من السراج لم ينفصل منها شيء ولا قامت صفتها بغيرها، وتلك النار عين قائمة بنفسها والضوء الذي على الحيطان صفة وعرض وكذلك الشعاع الذي على الأرض صفة من الصفات وعرض من الأعراض» (^٤).
_________________
(١) انظر: الجواب الصحيح (٢/ ١٣٨).
(٢) مجموع الفتاوى (٢/ ٣٤٦).
(٣) انظر: الجواب الصحيح (٣/ ٣٠٠).
(٤) تحقيق القول في مسألة عيسى كلمة الله والقرآن كلام الله (ص ٤٢).
[ ١٤٤ ]
خامسًا: أن الشعاع والحرارة والضياء القائمة بالأرض أو الهواء أعراض وأنتم تقولون إن الكلمة وروح القدس جوهران وليسا عرضان فتبين تناقض قولكم وبطلان استدلالكم (^١).
سادسًا: أن قولكم هذا يقتضي كون الخالق -جل وعلا- محتاجًا مفتقرًا للمخلوق، قال شيخ الإسلام -﵀-: «والمثل الذي ضربوه له، يقتضي أن يكون مفتقرًا إلى غيره، وغيرهُ مستغنٍ عنه، كالمثل الذي ضربه النصارى له، لما مثلوه بشعاع الشمس مع محله، فإن محل الشعاع مستغن عن الشعاع، والشعاع مفتقر إلى محله.
فمقتضى هذا التمثيل، أن الإله محتاج إلى الإنسان، والإنسان مستغن عن الله، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا» (^٢).
وبهذه الأوجه يتبين بطلان شبهتهم، وضعف قولهم، وبطلان حجتهم، وتناقض مذهبهم.