بين شيخ الإسلام -﵀- بطلان هذه الشبهة، والرد على القائلين بها، من عدة أوجه، منها ما يلي:
أولًا: أن هذا القول معلوم الفساد بالضرورة فإن لا يوجد عاقل يقول: إن الجسد قبل وجود النفس فيه وبعد خروجها منه يبقى على صفة واحدة لا يتغير،
_________________
(١) انظر: الجواب الصحيح (٤/ ٣٥٨).
[ ١٥١ ]
ولا تتحول صفاته؟ (^١).
ثانيًا: أن الجسد بعد حلول الروح فيه ينتقل من حال الموت إلى حال الحياة وبعد خروجها منه ينتقل من حال الحياة إلى حال الموت، وأي تغير وتحول أعظم من انتقال الجسد من الموت إلى الحياة؟! (^٢)
ثالثًا: أن من المتقرر المعلوم عند كل أحد: أن النفس عند اتصالها بالبدن تلتذ بلذته، وتتنعم بنعيمه، كما تتألم بألمه وتتوجع بوجعه، فيلزم من تشبيههم اتحاد اللاهوت بالناسوت باتحاد الروح بالبدن، أن يكون اللاهوت قد تألم وتوجع وتضرر عندما صُلب الناسوت، وهذا لازم لهم لا محالة (^٣).
رابعًا: أن الروح عند اتصالها بالبدن تتغير وتتبدل صفاتها وأحوالها ويصير لها من الصفات والأفعال ما لم يكن بدون البدن، فيلزم على قولهم هذا: أن يكون الرب قد تغيرت أوصافه وأفعاله لما اختلط بالمسيح كما تتغير صفات النفس وأفعالها عند اتحادها بالبدن (^٤).
خامسًا: أن الروح والبدن شريكان في الأعمال الصالحة والسيئة، ويشتركان في الأوامر والنواهي والثواب والعقاب، فما يفعله البدن هو في ذات الوقت فعل الروح، فالإنسان يصلي بروحه وبدنه ويصوم بروحه وبدنه، وأيضا ما تؤمر به الروح فهو أمر لها وللبدن وما تنهى عنه هو نهيٌ لها وللبدن.
فإن كان الرب مع الناسوت كالروح مع البدن فيلزم أن يكون الرب هو المأمور والمنهي بما يأمر به المسيح، ويكون الرب هو المصلي الصائم وبذلك تبطل مقولتهم التي يقرروها، وهي قولهم: «يخلق ويرزق بلاهوته ويأكل ويعبد بناسوته» (^٥).
_________________
(١) انظر: الجواب الصحيح (٤/ ٣٥٩).
(٢) انظر: المصدر السابق (٤/ ٣٥٨).
(٣) انظر: المصدر السابق (٤/ ٣٥٩).
(٤) انظر: الجواب الصحيح (٤/ ٣٥٩).
(٥) انظر: المصدر السابق (٤/ ٣٦٢).
[ ١٥٢ ]
سادسًا: قال شيخ الإسلام -﵀-: «بل أبلغ من ذلك، أن الجني إذا دخل في الإنسي وصرعه وتكلم على لسانه، فإن الإنسي يتغير، حتى يبقى الصوت والكلام الذي يسمع منه، ليس هو صوته وكلامه المعروف.
وإذا ضرب بدن الإنسي، فإن الجني يتألم بالضرب ويصيح ويصرخ، ويخرج من ألم الضرب، كما قد جرب الناس من ذلك ما لا يحصى، ونحن قد فعلنا من ذلك ما يطول وصفه.
فإذا كان الجني تتغير صفاته وأحواله لحلوله في الإنسي، فكيف بنفس الإنسان؟
وعندهم اتحاد اللاهوت بالناسوت أتم وأكمل من اتحاد النفس بالجسد.
فهل يقول عاقل -مع هذا الاتحاد-: إنهما جوهران، لكل منهما أفعال اختيارية، لا يشركه الآخر فيها.
ويقولون -مع قولهم بالاتحاد-: إن الذي كان يصلي ويصوم، ويدعو ويتضرع، ويتكلم ويتألم، ويضرب ويصلب، هو نظير البدن! والذي كان يأمر وينهى، ويخلق ويرزق، هو نظير النفس!» (^١).
وبهذا يتبين فساد هذه الشبهة التي ذكروها لتمرير باطلهم، وتبرير ضلالهم، والاحتجاج على مذهبهم الفاسد.
* * *
_________________
(١) المصدر السابق (٤/ ٣٦٣).
[ ١٥٣ ]