قام شيخ الإسلام -﵀- بتفنيد هذه الشبهة وبيان فسادها من وجوه شتى كما سيتضح ذلك عند نقل كلامه ﵀، ويحسن بنا قبل عرض كلامه ﵀ أن نبين أن هذه الأقوال وتعليلاتها هي عين تعليلات المشركين الأوائل، وأن ما ذكره هؤلاء وغيرهم هو جنس شرك المشركين، وكفى بهذا دليلًا وبرهانًا على بطلانها وفسادها، وذلك أن المشركين لم يكونوا يعتقدوا في آلهتهم خلقًا ولا إيجادًا، وإنما كانوا يتخذونها وسائط يتقربون بها إلى الله ويستشفعون بها كما أخبر الله -﷿- عن قولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزُّمَر:٣]، وقال سبحانه مخبرًا لنا عنهم وعن حقيقة شركهم ودعائهم واستغاثتهم بغير الله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس:١٨]
والعبرة بالحقائق لا بالألفاظ والتسميات، فتسمية الشرك توسلًا لا تُغَيّر من حقيقته، وكذلك تسميته استشفاعًا أو تقربًا أو تزلفًا أو تبركًا لا يغير من حقيقة الأمر شيئًا، قال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف:٥]، فسمى الله دعاءهم لغيره عبادة وإن كانوا هم يعتقدونه زلفى أو شفاعة أو قربة إلى الله أو توسلًا.
وقال تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:١٤] فسماه الله شركًا.
_________________
(١) النقول الشرعية (ص ١٧، ١٠٨) باختصار، نقلا عن دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب (ص ٣٢٥).
[ ١٧٣ ]
قال الشيخ ابن سحمان (^١) -﵀-: «فإنه من المعلوم عند كل عاقل أن حقائق الأشياء لا تتغير بتغير أسمائها، فلا تزول هذه المفاسد بتغير أسمائها، كتسمية عبادة غير الله توسلًا وتشفعًا، أو تبركًا وتعظيمًا للصالحين وتوقيرًا، فإن الاعتبار بحقائق الأمور، لا بالأسماء والاصطلاحات، والحكم يدور مع الحقيقة، وجودًا وعدمًا لا مع الأسماء» (^٢).
وقد بين شيخ الإسلام -﵀- فساد هذه المقالة في مواضع كثيرة من كتبه، ويمكن ترتيب أهم ردوده ﵀ على الوجه الآتي: