أورد شيخ الإسلام -﵀- هذه المناظرة في أثناء إبطاله لدعوى النصارى: اتحاد اللاهوت بالناسوت، وبالتحديد في الوجه الثاني عشر من ذلك، ولعل مما يحسن بنا هنا قبل عرض المناظرة أن نذكر ملخصًا لأهم هذه الأوجه التي ذكرها شيخ الإسلام الدالة في إبطال عقيدة الاتحاد، وهي كالآتي:
أولًا: أن هذا الأمر ممتنع عقلًا.
ثانيًا: أن الأخبار الإلهية صريحة بأن المسيح عبد لله وليس ربًا.
ثالثًا: أن يقال: إن المتحد بالمسيح إما أن يكون هو الكلام مع الذات، وإما أن يكون الكلام بمفرده، والأول ممتنع وباطل باتفاق النصارى وسائر أهل الملل؛ لأنه يلزم منه أن يكون المسيح هو نفسه الأب وهذا خلاف ما يقولونه.
[ ١٤٨ ]
وإن كان المتحد هو الكلام أو الكلمة وحدها، فهذا باطل أيضًا؛ لأن الكلام صفة والصفة لا تقوم بنفسها، ولا تملك ولا تخلق ولا تستقل بالفعل.
رابعًا: أنه بعد اتحاد اللاهوت بالمسيح، إما أن يتحدا ويبقيا بعد الاتحاد ذاتين أو يصبحا ذاتا وجوهرًا واحدًا.
فإذا كان الأول فهذا لا يسمى اتحادًا، وإن كان الثاني فيلزم منه استحاله اللاهوت وتبدل حقيقته وصفته، وهذا ممتنع مرفوض.
خامسًا: أن قول النصارى باطل على جميع الأقوال التي قالها الناس في الكلام؛ فإن مرجع أقوال الناس في الكلام إلى ثلاثة أقوال:
أ -القول بنفي الكلام، وأنه مجاز أو هو ما تفيض به النفوس، ونحوه من العبارات التي مرجعها إلى القول بنفي الكلام، وهذا مخالف لقولهم.
ب -أن الكلام مخلوق لله بائن عنه، وعلى هذا القول يكون المسيح مخلوقًا وليس بإله.
ت -أن الكلام صفة من صفات الله، والصفة من المعلوم أنها قائمة بالموصوف ليست مباينة له ولا تستقل بفعل، ولا تنفرد بخلق ولا تدبير، كما يقول النصارى في المسيح -﵇-.
سادسًا: أن المسيح خُلق بالكلمة وليس هو الكلمة، وعلى هذا دلت النصوص.
سابعًا: أنهم يقرون بأن من الممتنع أن يكلم الله بشرًا إلا وحيًا أو من وراء حجاب، فإذا كان هذا ممتنعًا، فامتناع أن يتحد به أو يحل فيه من باب أولى.
ثامنًا: أنهم يقرون بأن رؤية البشر لله في الدنيا ممتنعة، وبذلك جاءت التوراة عندهم، فإذا كانت الرؤية ممتنعة فالاتحاد من باب أولى.
تاسعًا: أنه لو كان اتحاد الله وحلوله في البشر ممكنًا -تعالى الله عما يقولون- لما اختص عيسى -﵇- بذلك دون سائر الأنبياء والناس، بل كما جاز أن يتحد به
[ ١٤٩ ]
فيجوز أن يتحد بغيره (^١).
هذه هي أهم الأوجه التي ذكرها -﵀-، ثم إنه في الوجه الثاني عشر رد على شبهة يطرحها بعض النصارى للاحتجاج بها على إمكانية اتحاد اللاهوت بالناسوت، وهي تشبيههم اتحاد اللاهوت بالناسوت باتحاد الروح بالبدن.