أما جلده في العلم فقد كان شيخ الإسلام -﵀- محبًا للقراءة والحفظ والمذاكرة، شغوفًا بالعلم، لا تكاد نفسه تشبع منه، ولا تروى من مطالعته، قال الصفدي: «وكان من صغره حريصا على الطلب، مجدًا على التحصيل والدأب، ولا يؤثر على الاشتغال لذة، ولا يرى أن تضيع لحظة منه في البطالة فذة، يذهل عن نفسه ويغيب في لذة العلم على حسه، لا يطلب أكلًا إلا إذا حضر لديه، ولا يرتاح إلى طعام ولا شراب في أبرديه (^٣)» (^٤).
ومن جميل ما يذكر في بيان شغفه ﵀ بالعلم وتحصيله، وجلده عليه وصبره وتشميره، تلك القصة التي حكاها ابن ناصر الدين الدمشقي (^٥) -﵀- فقال: «ومن
_________________
(١) محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن عبد الهادي، إمام حافظ تتلمذ على يد شيخ الإسلام ابن تيمية، وكان ماهرًا في الحديث والعلل والعربية، له مصنفات منها: "الصارم المنكي"، "العقود الدرية" وغيرها، (ت:٧٤٤). انظر: الدرر الكامنة (١/ ص ٤٥٦) وشذرات الذهب (٦/ ١٤١).
(٢) مختصر طبقات علماء الحديث لابن عبد الهادي ضمن الجامع لسيرته (ص: ٢٥٧).
(٣) الأبردين: الفيء والظل أو الغداة والعشي. انظر: النهاية (١/ ١١٤) لسان العرب (٣/ ٨٤).
(٤) أعيان العصر ضمن الجامع لسيرته (ص: ٣٥٠).
(٥) هو محمد بن عبد الله بن محمد القيسي الدمشقي، شمس الدين، الشهير بابن ناصر الدين من فقهاء الشافعية كان حافظ الشام في عصره بغير منازع، قيل: لم يخلف في الشام بعده مثله، توفي مقتولًا في إحدى قرى دمشق (ت: ٨٤٢ هـ). انظر: البدر الطالع (٢/ ١٩٨)، شذرات الذهب (٧/ ٢٤٣).
[ ٥٧ ]
أعجب ما سمعته عنه ما حدثني به بعض أصحابه: أنه لما كان صبيًا في بداية أمره أراد والده أن يخرج بأولاده يومًا إلى البستان على سبيل التنزه، فقال له: يا أحمد تخرج مع إخوتك تستريح!
فاعتلَّ عليه، فألحَّ عليه والده، فامتنع أشد الامتناع.
فقال: أشتهي أن تعفيني من الخروج. فتركه وخرج بإخوته، فظلوا يومهم في البستان، ورجعوا آخر النهار.
فقال: يا أحمد، أوحشت إخوتك اليوم، وتكدر عليهم بسبب غيبتك عنهم، فما هذا؟!
فقال يا سيدي إنني اليوم حفظت هذا الكتاب، لكتاب معه (^١).
فقال: حفظته؟! كالمنكر المتعجب من قوله.
فقال له: استعرضه عليَّ، فاستعرضه فإذا به قد حفظه جميعه!!
فأخذه وقبّله بين عينيه، وقال: يا بني، لا تخبر أحدًا بما قد فعلت، خوفًا عليه من العين، أو كما قال» (^٢).
وقال الصفدي -﵀- حاكيًا همة شيخ الإسلام في جرد الكتب وقراءتها: «قلت: حكى لي من سمعه يقول: إني وقفت على مائة وعشرين تفسيرًا، أستحضر من الجميع الصحيح الذي فيها، أو كما قال» (^٣). وقال تلميذ شيخ الإسلام أبو عبد الله ابن رشيق -﵀- (^٤): «وقال لي مرة: ربما طالعت على الآية الواحدة
_________________
(١) الكتاب هو: (جنة الناظر وجنّة المناظر) كما ذكر ذلك الصفدي ﵀ انظر: أعيان العصر للصفدي (١/ ٢٣٦).
(٢) الرد الوافر (ص: ١٣٣)، وانظر: أعيان العصر للصفدي (١/ ٢٣٦).
(٣) الوافي بالوفيات ضمن الجامع لسيرته (ص: ٣٦٨)
(٤) هو محمد بن عبد الله بن سبط ابن رشيق المغربي المالكي، أبو عبد الله، الفقيه صاحب شيخ الإسلام ابن تيمية وكاتب مصنفاته، وأعرف الناس بخط الشيخ حتى من الشيخ نفسه (ت: ٧٤٩ هـ). انظر: البداية والنهاية (١٤/ ٢٦٤) العقود الدرية (ص:٤٣).
[ ٥٨ ]
نحو مئة تفسير» (^١). قال الذهبي -﵀: «كان آية من آيات الله تعالى في التفسير والتوسع فيه، لعله يبقى في تفسير الآية المجلس والمجلسين» (^٢). وقال أبو حفص البزار: «ولقد كان إذا قُرئ في مجلسه آيات من القرآن العظيم يشرع في تفسيرها فينقضي المجلس بجملته، والدرس برمته، وهو في تفسير بعض آية منها … يفعل ذلك بديهة» (^٣).
ولربما أملى الكتاب في قعدة واحدة قال ابن عبد الهادي: «أملى شيخنا المسألة المعروفة بالحموية سنة ثمان وتسعين في قعدة بين الظهر والعصر» (^٤)، وهكذا ألف الواسطية في قعدة بين العصر والمغرب (^٥)، وألف قاعدة في كلام الله (^٦)، كتبها في قعدة واحدة كما نص على ذلك في آخرها، وغيرها كثير من فتاواه ومصنفاته رحمه الله تعالى وغفر له.