كان -﵀- شجاعًا ثابت الجأش قوالًا بالحق، آمرًا بالمعروف ناهيا عن المنكر. لا يخشى في الله لومة لائم ولا عذل عاذل، وسر ذلك كله ما اجتمع في قلبه من تعظيم الله وتبجيله وإجلاله، وما مُلئ به فؤاده من اليقين بالله والثقة به، وتجد أثر ذلك واضحًا في أقواله وتقريراته ومن ذلك قوله -﵀-: «ولن يخاف الرجل من غير الله إلا لمرض في قلبه» (^٤).
وقد كان تعلقه بالله ﷿ كبيرا، وتوكله عليه توكلًا عظيما، فليس لأحد من الخلق عليه منه، ولا فضل ولا نعمة فيخاف من ذهابها، ويخشى من زوالها، وقد
_________________
(١) فصل في تكسير الأحجار الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص: ١٤٨).
(٢) هو إبراهيمُ بنُ أحمدَ الغيانيُّ، انظر ترجمته حاشية (ص:٣٥٠) من هذه الرسالة.
(٣) فصل في تكسير الأحجار لإبراهيم الغياني ضمن الجامع لسيرته (ص: ١٥٠).
(٤) مجموع الفتاوى (٣/ ٢٥٩).
[ ٧٠ ]
صرح -﵀- بذلك فقال: «وليس لي ما أخاف الناسَ عليه: لا مدرسة، ولا إقطاع، ولا مال، ولا رئاسة، ولا شيء من الأشياء» (^١).
يغار على الْإِسْلَام من كل بِدعَة … وَمَا زَالَ مِنْهَا هادما كل بُنيان
وَفِي الله لم تَأْخُذهُ لومة لائم … وَلم يخْش مخلوقا من الْإِنْس والجان (^٢)
وقد وصف غير واحد ممن عاصره وترجم له شجاعته وإقدامه ومن ذلك قول الذهبي -﵀-: «وأما شجاعته وجهاده وإقدامه فأمر يتجاوز الوصف ويفوق النعت» (^٣)، وقال ﵀: «وإليه كان المنتهى في فرط الشجاعة» (^٤)، وقال ابن الوردي (^٥) -﵀-: «بشجاعته تضرب الأمثال وببعضها يتشبه أكابر الأبطال» (^٦)، وقال عنه أيضًا: «أطلق عبارات أحجم عنها الأولون والآخرون وهابوا وجسر هو عليها، حتى قام عليه خلق من علماء مصر والشام قيامًا لا مزيد عليه بدَّعوه وناظروه وكابروه، وهو ثابت لا يداهن ولا يحابي، بل يقول الحق المر الذي أدى إليه اجتهاده، وحدة ذهنه وسعة دائرته في السنن والأقوال، وجرى بينه وبينهم حملات حربية ووقعات شامية ومصرية» (^٧).
ومن المواقف المشهودة في ذلك موقفه في صد هجمة التتار عندما انزعج الناس وطاشت عقولهم وفر منهم من فر وجزع منهم من جزع، وشيخ الإسلام
_________________
(١) المصدر السابق (٢٨/ ٤٤٩).
(٢) بيتان من قصيدة لشهاب الدين إبراهيم بن شهاب الدين ابن كوشب الحنفي (ت: ٧٣٥ هـ)، نقلها ابن عبد الهادي في العقود الدرية (ص:٤٩١).
(٣) العقود الدرية (ص: ٣٩).
(٤) ذيل تاريخ الإسلام ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص: ٢٧١).
(٥) عمر بن مظفر بن عمر بن محمد بن أبي الفوارس المعري زين الدين ابن الوردي، الفقيه الشافعي، الأديب الشاعر، من مصنفاته: "تتمة المختصر في أخبار البشر" و"خريدة العجائب" (ت:٧٤٩ هـ). انظر: الدرر الكامنة (١/ ٤٠٩)، البدر الطالع (١/ ٤٩١).
(٦) تتمة المختصر في أخبار البشر ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص: ٣٣٤).
(٧) المصدر السابق (ص: ٣٣٤).
[ ٧١ ]
على ثبات عظيم يحث الناس على القتال ويحضهم عليه، ويثبت العسكر والأمراء على القتال ويقوي جأشهم ويرفع من عزيمتهم، وذهب إلى السلطان في بلاد مصر فاجتمع به وبالوزير وأعيان الدولة وحرضهم على القتال وحثهم عليه، بل وجزم لهم بالنصر حتى جرَّدت العساكر إلى الشام لحمايته من بطش التتار، وشهد القتال بنفسه وأظهر فيه من الشجاعة أمرًا عجبًا، ومن البسالة شيئا مذهلا (^١)، قال ابن عبد الهادي -﵀-: «ولقد أخبرني حاجب من الحجاب الشاميين أمير من أمرائهم ذو دين متين وصدق لهجة معروف في الدولة قال: قال لي الشيخ يوم اللقاء ونحن بمَرْجُ الصُّفَّر (^٢) وقد تراءى الجمعان: يا فلان أوقفني موقف الموت قال فسقته إلى مقابلة العدو وهم منحدرون كالسيل تلوح أسلحتهم من تحت الغبار المنعقد عليهم.
ثم قلت له: يا سيدي هذا موقف الموت وهذا العدو قد أقبل تحت هذه الغبرة المنعقدة فدونك وما تريد.
قال فرفع طرفه إلى السماء وأشخص بصره وحرك شفتيه طويلا ثم انبعث وأقدم على القتال وأما أنا فخُيل إلي أنه دعا عليهم وأن دعاءه استجيب منه في تلك الساعة
قال: ثم حال القتال بيننا والالتحام وما عدت رأيته حتى فتح الله ونصر وانحاز التتار إلى جبل صغير عصموا نفوسهم به من سيوف المسلمين تلك الساعة وكان آخر النهار
قال: وإذا أنا بالشيخ وأخيه يصيحان بأعلى صوتيهما تحريضا على القتال وتخويفا للناس من الفرار.
فقلت يا سيدي: لك البشارة بالنصر فإنه قد فتح الله ونصر وهاهم التتار
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص: ٤١١ - ٤١٦).
(٢) مرج الصفر: سهل واسع من سهول دمشق جرت فيه معارك حاسمة. انظر: معجم البلدان (٥/ ١٠١). المعالم الأثيرة (ص:٢٤٨).
[ ٧٢ ]
محصورون بهذا السفح، وفي غد إن شاء الله تعالى يؤخذون عن آخرهم.
قال فحمد الله تعالى وأثنى عليه بما هو أهله، ودعا لي في ذلك الموطن دعاء وجدت بركته في ذلك الوقت وبعده» (^١).
ومن مواقفه في ذلك موقفه العظيم مع سلطان التتر السلطان محمود غازان (^٢)، قال العلامة أحمد بن يحيى العمري: «ولما قدم غازان دمشق خرج إليه ابن تيمية في جماعة من صلحاء الدماشقة، منهم القدوة الشيخ محمد بن قوام، فلما دخلوا على غازان كان مما قال ابن تيمية للترجمان: قل للقان: أنت تزعم أنك مسلم ومعك قاض وإمام وشيخ مؤذنون على ما بلغنا، فغزوتنا، وأبوك وجدّك هولاكو كانا كافرين وما عملًا الذي عملت، عاهدا فوفيا، وأنت عاهدت فغدرت، وقلت فما وفيت، وجرت له مع غازان وقطلوشاه وبولاي أمور ونوب، قام فيها كلها لله، وقال الحق ولم يخش إلا الله» (^٣).
وقال القاضي شهاب الدين أحمد بن يحيى العمري: «جلس الشيخ إلى السلطان محمود غازان حيث تجم الأسد في آجامها، وتسقط القلوب دواخل أجسامها، وتجد النار فتورًا في ضرمها، والسيوف فرقًا في قرمها، خوفًا من ذلك السبع المغتال، والنمرود المختال، والأجل الذي لا يدفع بحيلة محتال، فجلس إليه وأومأ بيده إلى صدره، وواجهه ودرأ في نحره، وطلب منه الدعاء، فرفع يديه ودعا دعاء منصف أكثره عليه، وغازان يؤمن على دعائه» (^٤).
_________________
(١) العقود الدرية (ص:١٩٣ - ١٩٤).
(٢) هو محمود غازان بن أرغون، من سلالة ملكية تنتهي إلى جنكيز خان، كان من أبرز الملوك في دولته وأقواهم، كان له خبرة بسياسة الأمور وتدبير الملك، وكان قد التحق في أفعاله بجده الأكبر هولاكو، ويعتبر عهده فترة تحول المغول من حياة البدو إلى الاستقرار (ت: ٧٠٣ هـ). انظر: فوات الوفيات (٤/ ٩٧)، الدرر الكامنة (٣/ ٢٩٢).
(٣) مسالك الأبصار ضمن الجامع لسيرته (٣٢٠).
(٤) تتمة المختصر ضمن الجامع لسيرته (ص: ٣٣٤).
[ ٧٣ ]
ومن شجاعته في قول الحق ولو في وجه السلاطين والأمراء ما حكاه البزار ﵀ من موقفه مع الملك الناصر بن قلاوون، حيث قال: «أخبرني من لا اتهمه أن الشيخ -﵁- حين وُشي به إلى السلطان المعظم الملك الناصر محمد، أحضره بين يديه، قال: فكان من جملة كلامه: إنني أُخبرت أنك قد أطاعك الناس، وأن في نفسك أخذ الملك؟
فلم يكترث به، بل قال له بنفس مطمئنة، وقلب ثابت، وصوت عالٍ سمعه كثير ممن حضر: (أنا أفعل ذلك، والله إن ملكك وملك المغل لا يساوي عندي فلسين)، فتبسم السلطان لذلك، وأجابه في مقابلته بما أوقع الله له في قلبه من الهيبة العظيمة، إنك والله لصادق، وإن الذي وشيء بك إليَّ كاذب، واستقر له في قلبه من المحبة الدينية ما لولاه لكان قد فتك به منذ دهر طويل من كثرة ما يلقى إليه في حقه من الأقاويل الزور والبهتان؛ ممن ظاهر حاله للطغام العدالة وباطنه مشحون بالفسق والجهالة» (^١).