لقد كان شيخ الإسلام أُعجوبة أهل زمانه في سرعة حفظه وفرط ذكائه، وسيلان ذهنه، وسرعة إدراكه، وشدة استحضاره، وقد عد الحافظ أبو المظفر السُّرّمَرِّي (^٤) قوة حفظ شيخ الإسلام من عجائب ذلك الزمان، حيث قال ﵀ في المجلس السابع والستين من أماليه في الذكر والحفظ: «ومن عجائب ما وقع في الحفظ في أهل زماننا: شيخ الاسلام أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية؛ فإنه كان يمر بالكتاب فيطالعه مرة فينتقش في ذهنه، فيذاكر به وينقله في مصنفاته بلفظه ومعناه» (^٥).
_________________
(١) هو أبو الصفاء خليل بن أيبك بن عبد الله الأديب صلاح الدين الصفدي، برع في الأدب والبلاغة وله كتب في التأريخ منها "الوافي بالوفيات" و"أعيان العصر" ولقي شيخ الإسلام وأخذ عنه (ت:٧٦٤ هـ). انظر: الدرر الكامنة (٢/ ٢٠٧)، البدر الطالع (١/ ٢٢٠).
(٢) لم أقف على شيء من ترجمته إلا ما ذكره الصفدي هنا من أنه كان من كبار كتاب الحساب.
(٣) الوافي بالوفيات ضمن الجامع لسيرته (ص: ٣٧٢).
(٤) هو أبو المظفر يوسف بن محمد بن مسعود بن محمد العبادي ثم العقيلي السرمري نزيل دمشق الحنبلي، له مصنفات كثيرة منها: "الحمية الإسلامية في الانتصار لمذهب ابن تيمية"، "عقود اللآلي في الأمالي"= =وغيرها، (ت: ٧٧٦ هـ). انظر: الدرر الكامنة (٦/ ٢٤٧) شذرات الذهب (٦/ ٢٤٩).
(٥) الرد الوافر (ص: ١٣٣).
[ ٥٦ ]
ولا أدل على عظمة حفظه، وقوة ذاكرته من مصنفاته العظيمة ومؤلفاته الجليلة، التي لم يعتمد في تصنيف معظمها -إن لم تكن كلها- إلا على حفظه وذاكرته، وهذه حقيقة تبهر العقول وتدهش الأذهان، قال ابن عبدالهادي (^١) -﵀-: «وله من المؤلفات والفتاوى والقواعد والأجوبة والرسائل والتعاليق ما لا ينحصر ولا ينضبط، ولا أعلم أحدًا من المتقدمين ولا من المتأخرين جمع مثل ما جمع، ولا صنف نحو ما صنف، ولا قريبا من ذلك؛ مع أن تصانيفه كان يكتبها من حفظه، وكتب كثيرًا منها في الحبس وليس عنده ما يحتاج إليه، ويراجعه من الكتب» (^٢).