أي حبر مضى وأي إمام … فجعت فيه ملة الإسلام
كل من في دمشق ناح عليه … ببكاء من شدة الآلام
فجع الناس فيه في الشرق والغر … ب وأضحوا بالحزن كالأيتام
لو يفيد الفداء بالروح كنا … قد فديناه من هجوم الحمام (^٣)
هذه الأبيات عبر بها الشيخ علاء الدين علي بن غانم -﵀- عما خيم من الحزن على جميع محبي الشيخ ﵀، فقد فقدوا إمامًا عظيما، وشيخًا كبيرًا، يندر في الزمان مثله، فحُق لعيونهم أن تدمع، ولقلوبهم أن تألم وتتوجع.
لِفقدِ مثلِك يا مَن ما له مثل … تأسى المحاريب والآياتُ والسورُ (^٤)
ومن المواقف المؤثرة المحزنة التي تحكي مكانة شيخ الإسلام في القلوب ومدى تأثر الناس بحزنه موقف الشيخ عبدالله بن حامد ﵀، الذي بذل ماله ووقته ونفسه من أجل السفر لرؤية الشيخ ولقاءه، ثم فوجئ في أثناء الطريق بخبر وفاة الشيخ ﵀، فبعث برسالة مؤثرة لتلاميذه يحكي في ضمنها مدى الحزن الذي غمره بوفاة الشيخ ﵀، وكان مما قال فيها: «ولما حججت سنة ثمان
_________________
(١) الأعلام العلية (ص: ٨٣).
(٢) الذيل على طبقات الحنابلة ضمن الجامع لسيرته (ص: ٤٨٧).
(٣) أعيان العصر وأَعْوَان النَّصْر ضمن الجامع لسيرته (ص: ٣٦٢).
(٤) مسَالِكُ الأَبْصَار في مَمَالِكِ الأَمْصَار ضمن الجامع لسيرته (ص: ٣٢٧).
[ ٩٣ ]
وعشرين وسبعمائة صممت العزم على السفر إلى دمشق لأتوصل إلى ملاقاته، ببذل مهما أمكن من النفس والمال للتفريج عنه، فوافاني خبر وفاته -رحمه الله تعالى- مع الرجوع إلى العراق، قبيل وصولي الكوفة، فوجدت عليه مالا يجده الأخ على شقيقه -استغفر الله- بل ولا الوالد الثاكل على ولده، وما دخل في قلبي من الحزن لموت أحد من الولد والأقارب والإخوان كما وجدته عليه -رحمه الله تعالى- ولا تخيلته قط في نفسي ولا تمثلته في قلبي؛ إلا ويتجدد لي حزنٌ قديمهُ كأنه مُحدث، ووالله ما كتبتها إلا وأدمعي تتساقط عند ذكره أسفًا على فراقه وعدم ملاقاته، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» (^١).
وبهذا تم المقصود من ترجمته أسال الله أن يجمعنا وإياه في مستقر رحمته.
* * *
_________________
(١) رسالة ابن حامد إلى ابن رشيق ضمن الجامع لسيرته (٢٤٣ - ٢٤٤).
[ ٩٤ ]