إن من أبرز الصفات التي تحلى بها الشيخ الهمام شيخ الإسلام: حلمه وعفوه
_________________
(١) القوراء: الواسعة. انظر: القاموس المحيط (ص: ٤٦٧).
(٢) الأعلام العلية (ص: ٤٦).
(٣) مسالك الأبصار ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص: ٣٢٣).
(٤) المصدر السابق (ص: ٣١٧).
(٥) نقله عنه ابن رجب في الذيل على طبقات الحنابلة ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص: ٤٧٣).
[ ٦١ ]
وصفحه وصبره على مخالفيه؛ ومن كان له أدنى اطلاع على حياة الشيخ أدرك مدى اتصاف شيخ الإسلام بهذا الخلق النبيل وتحليه به، فقد كان كريم النفس عظيم الصفح؛ يُقرِب مَن يقصيه، ويُكرِم من يؤذيه، ويعتذر لمن جنى عليه، وللشيخ -﵀- حكايات عديدة ومواقف كثيرة يظهر فيها جليًا عفوه وصفحه وسماحته وكرم نفسه وصفاء سريرته، واكتفي هنا بذكر أهم وأبرز ما وقفت عليه منها:
الموقف الأول: بعد أن ارتفع نجم شيخ الإسلام في البلاد الشامية، وأظهر الله على يديه الحق والدين، وقمع به كثير من أهل الضلال والمنحرفين، ولم يستطع أهل الباطل مناظرته ومجاراته، وامتحن سنة خمس وسبعمائة بأمر السلطان في عقيدته الواسطية، وناظره فيها القضاة والعلماء بالقصر، وقرأوها في ثلاثة مجالس، وحاقَقُوه وبحثوا معه، ولم يستطيعوا أن يثبتوا على الشيخ مأخذًا أو مطعنًا وانتصر له السلطان، وحُكم بسلامة وصحة معتقده، قال ابن رجب -﵀-: «ثم إن المصريين دبروا الحيلة في أمر الشيخ، ورأوا أنه لا يمكن البحث معه، ولكن يعقد له مجلس، ويدعى عليه، وتقام عليه الشهادات. وكان القائمون في ذلك منهم: بيبرس الجاشنكير (^١)، الذي تسلطن بعد ذلك، ونصر المنبجي (^٢)، وابن مخلوف قاضي المالكية (^٣)، فطلب الشيخ على البريد إلى القاهرة، وعقد له
_________________
(١) هو ركن الدين بيبرس الجاشنكير المنصوري، الملك المظفر: من سلاطين المماليك بمصر والشام، صار من كبار الأمراء في دولة الأشرف خليل بن قلاوون، وتقلبت به الأحوال (ت: ٧٠٩ هـ). انظر: النجوم الزاهرة (٨/ ٢٣٢)، الدرر الكامنة (٢/ ٣٦).
(٢) هو أبو الفتح نصر بن سليمان المنبجي، أحد الصوفية المعظمين لابن عربي، أنشأ له زاوية خارج باب النصر وصار يتعبد فيها ويتردد عليه فيها الأكابر، ولشيخ الإسلام رسالة في الرد عليه في مسألة الاتحاد، (ت: ٧١٩ هـ). انظر: الدرر الكامنة (٦/ ١٥٨)، الخطط المقريزية (٢/ ٤٣٢).
(٣) هو زين الدين علي بن مخلوف بن ناهض بن مسلم النويري المالكي قاضي القضاة، ولي قضاء الديار المصرية ثلاثا وثلاثين سنة، وذكر مترجموه أنه كان محمود السيرة، ولكن قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٣/ ٢٣٥): «ذاك رجل كذاب فاجر قليل العلم والدين» (ت: ٧١٨ هـ). انظر: الوافي بالوفيات (٢٢/ ١١٨) الدرر الكامنة (٣/ ٢٠٢).
[ ٦٢ ]
ثاني يوم وصوله - وهو ثاني عشرين رمضان سنة خمس وسبعمائة - مجلس بالقلعة، وادعي عليه عند ابن مخلوف قاضي المالكية، أنه يقول: إن الله تكلم بالقرآن بحرف وصوت، وأنه على العرش بذاته، وأنه يشار إليه بالإشارة الحسية.
وقال المدعي: أطلب تعزيزه على ذلك، التعزيز البليغ - يشير إلى القتل على مذهب مالك- فقال القاضي: ما تقول يا فقيه؟ فحمد الله وأثنى عليه، فقيل له: أسرع ما جئت لتخطب، فقال: أأمنع من الثناء على الله تعالى؟ فقال القاضي: أجب، فقد حمدت الله تعالى. فسكت الشيخ، فقال: أجب. فقال الشيخ له: من هو الحاكم في؟ فأشاروا: القاضي هو الحاكم، فقال الشيخ لابن مخلوف: أنت خصمي، كيف تحكم فيَّ؟ وغضب، ومراده: أني وإياك متنازعان في هذه المسائل، فكيف يحكم أحد الخصمين على الآخر فيها، فأقيم الشيخ ومعه أخواه، ثم رد الشيخ، وقال: رضيت أن تحكم في، فلم يمكن من الجلوس» وأُمر به أن يحبس ويسجن، قال ابن رجب: «ويقال إن أخاه الشيخ شرف الدين ابتهل، ودعا الله عليهم في حال خروجهم، فمنعه الشيخ، وقال له: بل قل: اللهم هب لهم نورًا يهتدون به إلى الحق» (^١). وهذا مصداق ما ذكره ابن القيم ﵀ عنه حيث قال: «وما رأيته يدعو على أحد منهم قط، وكان يدعو لهم» (^٢).
الموقف الثاني: عاد السلطان الناصر محمد بن قلاوون (^٣) واسترد الملك الذي انتزع منه، والشيخ منفي بالإسكندرية بأمر الدولة وإنما أرادوا أَنْ يسيّروه إِلى الإِسكندرية كهيئة المنفيّ، لعل أحدًا من أهلها يتجاسر عليه فيقتله غِيلة فيستريحوا
_________________
(١) الذيل على طبقات الحنابلة ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (٤٧٥).
(٢) مدارج السالكين (٢/ ٣٢٨ - ٣٢٩).
(٣) هو أبو الفتح محمد بن قلاوون بن عبد الله الصالحي من كبار ملوك الدولة القلاوونية، ولي سلطنة مصر والشام سنة ٦٩٣ هـ وهو صبي، وخلع منها لحداثته سنه، فأرسل إلى الكرك، وأعيد للسلطنة بمصر وبقي كالمحجور عليه، ثم استتب له الأمر مؤخرًا، وكان وقورا مهيبا، (ت: ٧٤١ هـ). انظر: فوات الوفيات (٢/ ٢٦٣)، الدرر الكامنة (٤/ ١٤٤).
[ ٦٣ ]
منه، قال الشيخ علم الدين البرزالي (^١): «ولما دخل السلطان إلى مصر يوم عيد الفطر، لم يكن له دأب إلا طلب الشيخ تقي الدين ابن تيمية من الإسكندرية معززا مكرمًا مبجلًا، فوجه إليه في ثاني يوم من شوال بعد وصوله بيوم أو يومين، فقدم الشيخ تقي الدين على السلطان في يوم ثامن الشهر، وخرج مع الشيخ خلق من الإسكندرية يودعونه، واجتمع بالسلطان يوم الجمعة فأكرمه وتلقاه ومشى إليه في مجلس حافل، فيه قضاة المصريين والشاميين، وأصلح بينه وبينهم، ونزل الشيخ إلى القاهرة وسكن بالقرب من مشهد الحسين، والناس يترددون إليه، والأمراء والجند وجماعة كثيرة من الفقهاء والقضاة منهم من يعتذر إليه ويتنصل مما وقع منه، فقال أنا قد حاللت كل من آذاني» (^٢).
الموقف الثالث: من أعظم ما يبين هذا الخلق العظيم الذي كان يتحلى به الشيخ ﵀ موقفه العظيم مع القضاة الذين آذوه وحاربوه بشتى الوسائل ومختلف السبل، وانتهزوا فرصة غياب الناصر بن قلاوون فألّبوا وحرضوا عليه الأمراء، ونشروا حوله الأكاذيب والافتراءات، وسجن بسببهم المرات العديدة، وأبعد عن أهله ووطنه، وبيته ومسكنه، ثم لما تمكن الناصر بن قلاوون وعاد لكرسيه ومنصبه، وأصبحت الكفة لشيخ الإسلام وتمكن من الإيقاع بهم لو أراد، وخيره السلطان في ذلك، وحرضه على الفتيا بقتلهم أو تعزيرهم، أبى ﵀ إلا العفو عنهم والصفح قال الشيخ علم الدين البرازلي: «وسمعت الشيخ تقي الدين يذكر ما كان بينه وبين السلطان من الكلام لما انفردا في ذلك الشباك الذي جلسا فيه، وأن السلطان استفتى الشيخ في قتل بعض القضاة بسبب ما كانوا تكلموا فيه، وأخرج له فتاوى بعضهم بعزله من الملك ومبايعة الجاشنكير، وأنهم قاموا عليك وآذوك أنت
_________________
(١) هو أبو محمد القاسم بن محمد بن يوسف ابن العدل بهاء الدين ابن الحافظ زكي الدين البرزالي الإشبيلي ثم الدمشقي الشافعي، الْحَافِظ الكبير المؤرخ، له كتاب "تاريخ البرزالي" و"الوفيات" و"المعجم الكبير" (ت: ٧٣٩ هـ). انظر: الرد الوافر (ص:١١٩) وفوات الوفيات (٣/ ١٩٦).
(٢) البداية والنهاية (١٤/ ٥٤) وانظر: الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص: ٤٢٩).
[ ٦٤ ]
أيضًا، وأخذ يحثه بذلك على أن يفتيه في قتل بعضهم، وإنما كان حنقه عليهم بسبب ما كانوا سعوا فيه من عزله ومبايعة الجاشنكير، ففهم الشيخ مراد السلطان فأخذ في تعظيم القضاة والعلماء، وينكر أن ينال أحدًا منهم سوء، وقال له: إذا قتلت هؤلاء لا تجد بعدهم مثلهم، فقال له: إنهم قد آذوك وأرادوا قتلك مرارًا. فقال الشيخ: من آذاني فهو في حل، ومن آذى الله ورسوله فالله ينتقم منه، وأنا لا أنتصر لنفسي، وما زال به حتى حلم عنهم وصفح. قال: وكان قاضي المالكية ابن مخلوف يقول: ما رأينا مثل ابن تيمية حرضنا عليه فلم نقدر عليه، وقدر علينا فصفح عنا وحاجج عنا» (^١). وقال ابن عبد الهادي: «فكان القاضي زين الدين ابن مخلوف قاضي المالكية يقول بعد ذلك: (ما رأينا أتقى من ابن تيمية لم نبق ممكنًا في السعي فيه، ولما قدر علينا عفا عنا» (^٢).
وانظر إلى شهامته ومروءة نفسه وصفاء سريرته في قوله بعد الفتنة التي كانت بينه وبين القاضي ابن مخلوف المالكي، وبعد كل ما صنعه فيه: «وأنا والله من أعظم الناس معاونة على إطفاء كل شر فيها وفي غيرها وإقامة كل خير، وابن مخلوف لو عمل مهما عمل والله ما أقدر على خير إلا وأعمله معه، ولا أعين عليه عدوه قط. ولا حول ولا قوة إلا بالله. هذه نيتي وعزمي، مع علمي بجميع الأمور. فإني أعلم أن الشيطان ينزغ بين المؤمنين ولن أكون عونًا للشيطان على إخواني المسلمين» (^٣).
الموقف الرابع: موقفه عندما قام جماعة من مقلدة أهل البدع بضربه وإيذائه في الجامع، قال ابن عبد الهادي -﵀-: «فلما كان في رابع شهر رجب من سنة إحدى عشرة وسبعمائة جاء رجل فيما بلغني إلى أخيه الشيخ شرف الدين وهو في مسكنه بالقاهرة فقال له: إن جماعة بجامع مصر قد تعصبوا على الشيخ وتفردوا به وضربوه.
_________________
(١) المصدر السابق (ص: ٤٣١).
(٢) العقود الدرية (ص: ٢٢٩).
(٣) مجموع الفتاوى (٣/ ٢٧١).
[ ٦٥ ]
فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل. وكان بعض أصحاب الشيخ جالسًا عند شرف الدين قال: فقمت من عنده وجئت إلى مصر فوجدت خلقا كثيرا من الحسينية وغيرها رجالًا وفرسانًا يسألون عن الشيخ؟ فجئت فوجدته بمسجد الفخر كاتب المماليك على البحر واجتمع عنده جماعة وتتابع الناس. وقال له بعضهم: يا سيدي قد جاء خلق من الحسينية ولو أمرتهم أن يهدموا مصر كلها لفعلوا!
فقال لهم الشيخ: لأي شيء؟
قال: لأجلك.
فقال لهم: هذا ما يحق.
فقالوا: نحن نذهب إلى بيوت هؤلاء الذين آذوك فنقتلهم ونخرب دورهم فإنهم شوشوا على الخلق وأثاروا هذه الفتنة على الناس.
فقال لهم: هذا ما يحل.
قالوا: فهذا الذي قد فعلوه معك يحل؟! هذا شيء لا نصبر عليه ولا بد أن نروح إليهم ونقاتلهم على ما فعلوا.
والشيخ ينهاهم ويزجرهم. فلما أكثروا في القول قال لهم: إما أن يكون الحق لي أو لكم أو لله فإن كان الحق لي فهم في حل منه وإن كان لكم فإن لم تسمعوا مني ولا تستفتوني فافعلوا ما شئتم وإن كان الحق لله فالله يأخذ حقه إن شاء كما يشاء.
قالوا: فهذا الذي فعلوه معك هو حلال لهم؟!
قال: هذا الذي فعلوه قد يكونون مثابين عليه مأجورين فيه!!
قالوا: فتكون أنت على الباطل وهم على الحق؟! فإذا كنت تقول إنهم مأجورين فاسمع منهم ووافقهم على قولهم!
فقال لهم: ما الأمر كما تزعمون فإنهم قد يكونون مجتهدين مخطئين ففعلوا ذلك باجتهادهم والمجتهد المخطئ له أجر» (^١).
_________________
(١) العقود الدرية (ص: ٣٠١ - ٣٠٣).
[ ٦٦ ]
الموقف الخامس: قال ابن القيم -﵀- في الدرجة الثانية من درجات الفتوة (^١): «الدرجة الثانية أن تقرب من يقصيك. وتكرم من يؤذيك. وتعتذر إلى من يجني عليك، سماحة لا كظمًا، ومودة لا مصابرة … وما رأيت أحدًا قط أجمع لهذه الخصال من شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- وكان بعض أصحابه الأكابر يقول: (وددت أني لأصحابي مثله لأعدائه وخصومه)، وما رأيته يدعو على أحد منهم قط، وكان يدعو لهم.
وجئت يومًا مبشرًا له بموت أكبر أعدائه، وأشدهم عداوة وأذى له، فنهرني وتنكر لي واسترجع، ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزاهم، وقال: إني لكم مكانه، ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه، ونحو هذا من الكلام، فسروا به ودعوا له، وعظموا هذه الحال منه، فرحمه الله ورضي عنه» (^٢).
الموقف الخامس: واستمرت هذه السجية ملازمة لشيخ الإسلام حتى حَضرهُ الموت وهو مسجون مظلوم في سجن القلعة قد مُنع عنه كل شيء حتى الدواة والقلم، وفي تلك اللحظات جاءه شمس الدين الوزير بدمشق إذ ذاك، فاستأذن في الدخول عليه لعيادته، فأذن الشيخ له في ذلك، فلما جلس عنده أخذ يعتذر له عن نفسه، ويلتمس منه أن يحله مما عساه أن يكون قد وقع منه في حقه من تقصير أو غيره، فأجابه الشيخ ﵁: «بأني قد أحللتك وجميع من عاداني، وهو لا يعلم أني على الحق، وقال -ما معناه-: إني قد أحللت السلطان الملك الناصر من حبسه إياي؛ لكونه فعل ذلك مقلدًا غيره، معذورًا، ولم يفعله لحظ نفسه، بل لما
_________________
(١) الفتوة: مصطلح أطلقته الصوفية على مقام يتصف فيه صاحبه بالعدالة التي هي جماع الفضائل الخلقية ويتنزه عن الرذائل النفسية، والألواث الطبيعية، ويرجع إلى صفاء الفطرة. انظر: معجم اصطلاحات الصوفية لعبد الرزاق كشاني (ص:٢٦١)، والمعجم الصوفي للدكتورة سعاد الحكيم (ص:٨٧١).
(٢) مدارج السالكين (٢/ ٣٢٨ - ٣٢٩).
[ ٦٧ ]
بَلغهُ مما ظنهُ حقًا من مبلغه، والله يعلم أنه بخلافه، وقد أحللت كل واحد مما كان بيني وبينه، إلا من كان عدوًا لله ورسوله» (^١).
وأختم بما ذكره ﵀ في رسالة عظيمة أرسلها لبعضهم من مصر إلى دمشق وقد أوذي في الله أيما إيذاء، كان مما قال فيها: «فلا أحب أن يُنتصر من أحدٍ بسببِ كذِبهِ علي أو ظلمه وعدوانه فإني قد أحللت كل مسلم وأنا أحب الخير لكل المسلمين وأريد بكل مؤمن من الخير ما أحبه لنفسي والذين كذبوا وظلموا فهم في حل من جهتي، وأما ما يتعلق بحقوق الله فإن تابوا تاب الله عليهم وإلا فحكم الله نافذ فيهم» (^٢).