قال -﵀-: «وقلت لمن حضرني منهم وتكلم بشيء من هذا: فإذا كنتم تشبهون المخلوق بالشعاع الذي للشمس والنار، والخالق بالنار والشمس، فلا فرق في هذا بين المسيح وغيره، فإن كل ما سوى الله -على هذا- هو بمنزلة الشعاع والضوء فما الفرق بين المسيح وبين إبراهيم وموسى؟ بل ما الفرق بينه وبين سائر المخلوقات على هذا؟
_________________
(١) الحلول: عبارة عن اتحاد جسمين بحيث تكون الإشارة إلى أحدهما إشارة إلى الآخر، كحلول ماء الورد في الورد، وهو نوعان عام وخاص. فالحلول العام هو: حلول الله في الكون فيصبح الكون كله بكل جزيئاته محلًا له ﷾، وهو قول غالب متعبدة الجهمية= والحلول الخاص: يُقصد به حلول ذات الله أو صفة من صفاته في جسد إنسان معين من خلقه أو روحه أو في أي كائن آخر حيًا كان أو جمادًا، بحيث يصبح هذا الشخص المعين أو الكائن المعين محلًا للإله ومظهرًا له، وهذا الذي تقول به النصارى. فالحلول يقارب معنى الاتحاد من صيرورة الشيئين، شيئًا واحدًا، لذا يطلق على الاتحادية أهل الوحدة، بأنهم حلولية، كما يطلق على النصارى بأنهم حلولية؛ لأن بعضهم يفسر الاتحاد بالحلول، ولقرب معناهما من بعض. وبعض أهل العلم يفرق بين الحلول والاتحاد من جهتين: ١_ أن الحلول إثبات لوجودين، بخلاف الاتحاد فهو إثبات لوجود واحد. ٢_ أن الحلول يقبل الانفصال، أما الاتحاد فلا يقبل الانفصال. انظر: التعريفات للجرجاني (ص ٨٢، ٨٣)، الكليات (ص ٣٩٠)، الفرق بين الفرق (ص ٢٤١)، مجموع الفتاوى (١٠/ ٥٩).
[ ١٤٠ ]
وجعلت أردد عليه هذا الكلام؛ وكان في المجلس جماعة حتى فهمه فهما جيدًا، وتبين له وللحاضرين أن قولهم باطل لا حقيقة له، وأن ما أثبتوه للمسيح إما ممتنع في حق كل أحد، وإما مشترك بين المسيح وغيره؛ وعلى التقديرين فتخصيص المسيح بذلك باطل.
وذكرت له أنه ما من آية جاء بها المسيح إلا وقد جاء موسى بأعظم منها؛ فإن المسيح -ﷺ- وإن كان جاء بإحياء الموتى، فالموتى الذين أحياهم الله على يد موسى أكثر كالذين قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ [البقرة:٥٥] ثم بعثهم الله بعد موتهم كما قال: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة:٥٦] وكالذي ضرب ببعض البقرة وغير ذلك.
وقد جاء بإحياء الموتى غير واحد من الأنبياء، والنصارى يصدقون بذلك.
وأما جعل العصا حية: فهذا أعظم من إحياء الميت فإن الميت كانت فيه حياة فردت الحياة إلى محل كانت فيه الحياة، وأما جعل خشبة يابسة حيوانًا تبتلع العصي والحبال: فهذا أبلغ في القدرة وأندر، فإن الله يحيي الموتى ولا يجعل الخشب حيات.
وأما إنزال المائدة من السماء: فقد كان ينزل على قوم موسى كل يوم من المن (^١) والسلوى (^٢) وينبع لهم من الحجر من الماء: ما هو أعظم من ذلك، فإن الحلوى أو اللحم دائمًا هو أجل في نوعه وأعظم في قدره مما كان على المائدة؛ من الزيتون والسمك وغيرهما.
وذكرت له نحوا من ذلك؛ مما يبين أن تخصيص المسيح بالاتحاد ودعوى الإلهية ليس له وجه وأن سائر ما يذكر فيه إما أن يكون مشتركًا بينه وبين غيره من
_________________
(١) قال الربيع بن أنس: المن: شراب كان ينزل عليهم مثل العسل فيمزجونه بالماء ثم يشربونه. وقيل هو العسل نفسه. انظر: تفسير الطبري (٢/ ٩٢).
(٢) قال الطبري: السلوى: طائر يشبه السُّماني. ونقل ذلك عن ابن مسعود، والسدي وقتادة ومجاهد. انظر: تفسير الطبري (٢/ ٩٦).
[ ١٤١ ]
المخلوقات، وإما أن يكون مشتركا بينه وبين غيره من الأنبياء والرسل، مع أن بعض الرسل كإبراهيم وموسى: قد يكون أكمل في ذلك منه.
وأما خلقه من امرأة بلا رجل: فخلق حواء من رجل بلا امرأة أعجب من ذلك؛ فإنه خلق من بطن امرأة، وهذا معتاد بخلاف الخلق من ضلع رجل، فإن هذا ليس بمعتاد. فما من أمر يذكر في المسيح -ﷺ- إلا وقد شركه فيه أو فيما هو أعظم منه غيره من بني آدم، فعلم قطعا أن تخصيص المسيح باطل، وأن ما يدعونه له إن كان ممكنًا فلا اختصاص له به، وإن كان ممتنعًا فلا وجود له فيه ولا في غيره» (^١).
وقال: «ولهذا كنت أتنزل مع علماء النصارى إلى أن أطالبهم بالفرق بين المسيح وغيره من جهة الإلهية فلا يجدون فرقًا، بل أبين لهم أن ما جاء به موسى من الآيات أعظم فإن كان حجة في دعوى الإلهية؛ فموسى أحق، وأما ولادته من غير أب فهو يدل على قدرة الخالق؛ لا على أن المخلوق أفضل من غيره» (^٢).