لكل شيء إذا ما تم نقصانُ … فلا يطيب بطول العيش إنسان (^٣)
هكذا بعد حياة عامرة بالخير والدعوة والعلم والتعليم، جاء الأجل المحتوم، لشيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-، فتوفي مسجونًا مظلومًا في قلعة دمشق في ليلة العشرين من ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبع مائة، وقد كانت جنازته مشهودة؛ ضاقت بها الطريق، وانتابها الناس من كل فج عميق، وقد صور لنا شمس الدين الجزري (^٤) -﵀- شيئًا من وصف تلك الجنازة المهيبة فقال ﵀: «وصلى عليه جميع من في قلعة دمشق، ثم حمل وأخرج منها إلى جامع دمشق، ووضعت الجنازة أول الخامسة، وقد امتلأ الجامع بالناس، وغلقت جميع أسواق دمشق ولم يبق حانوت مفتوح، إلا أن يكون نصرانيا، لأن اليهود كانوا في عيد المظلة، وأما دكاكين المراوزة والحريريين والقزازين وجميع أرباب الأنوال والحاكة والصناع، وجميع أرباب الصنائع، وسكان الأحكار ظاهر دمشق، وأهل الصالحية بأجمعهم حضروا إلى الجامع المعمور لأجل الصلاة عليه، وامتلأ الجامع أكثر من يوم الجمعة، لأن أهل الصالحية من أهل الأحكار يصلون
_________________
(١) أسماء مؤلفات شيخ الإسلام لابن رشيق ضمن الجامع لسيرته (ص: ٢٨٢).
(٢) وهي مطبوعة بعنوان: "أسماء مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية" لابن رشيق.
(٣) من قصيدة لأبي البقاء الرندي في رثاء الأندلس. انظر: جواهر الأدب (٢/ ١).
(٤) هو شمس الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن إبراهيم بن عبد العزيز الجزري الدمشقيّ، مؤرخ، له مصنفات منها: التاريخ المسمى بحوادث الزمان وأنبائه، ووفيات الاكابر والأعيان (ت: ٧٣٩ هـ). انظر: أعيان العصر (٤/ ٢٢٠) الدرر الكامنة (٥/ ٢٧).
[ ٩٠ ]
يوم الجمعة في جوامعهم، وفي هذا اليوم حضروا إلى الجامع بأجمعهم، ولعل من لا له عادة بالصلاة حضر لأجل الصلاة عليه، وصلى عليه قاضي القضاة الشيخ علاء الدين القونوي الشافعي (^١) عقيب صلاة الظهر بالجامع، ثم حضروا الأمراء والحجاب والنقباء بالعصي والدبابيس حول نعشه، وحملوه الترك من الأمراء والمقدمين على رؤوسهم تبركا به (^٢)، والأجناد يضربون الناس، ولولا ذلك لما قدروا يصلوا به إلى قبره من كثرة الزحام والتبرك به. وكانت سويقة باب البريد قد أخربوها، فشق على الناس ذلك، وحملوه وخرجوا به من باب الفرج، وبعض الناس من باب الفراديس وباب النصر وباب الجابية (^٣) من كثرة الناس. وامتد العالم إلى سوق الخيل (^٤) وامتلأ، فصلى عليه أخوه زين الدين عبد الرحمن (^٥)، ثم حمل من سوق الخيل فمر به تحت القلعة المحروسة.
_________________
(١) هو علي بن إسماعيل بن يوسف القونوي علاء الدين الشافعي، له معرفة بالفقه والأصول، وكان معظمًا وذابًا عن شيخ الإسلام ابن تيمية (ت:٧٢٩ هـ). انظر: الدرر الكامنة (٤/ ٢٩)، البدر الطالع (١/ ٤١٩).
(٢) من المعلوم المتقرر أن التبرك لا يجوز شرعًا إلا بما ثبت فيه البركة من قبل الشارع، وعلى الهيئة التي جاءت في الشرع، على جهة السببية، وما فعله هؤلاء إنما هو من الأمور المبتدعة التي كانت منتشرة في عصره ﵀ والتي بذل ﵀ في إنكارها والتحذير منها الشيء الكثير، وهذا شأن كثير ممن غلا فيهم الناس وعظموهم وصرفوا لهم أنواع العبادات، وصنعوا عند قبورهم وأضرحتهم مختلف البدع والمحدثات، وهم كانوا أشد الناس أمرا بالتوحيد ونهيا عن الشرك والبدع والخرافات، وأمثلة ذلك كثيرة من الصحابة والأنبياء والأئمة والعلماء.
(٣) أسماء تاريخية لأبواب مدينة دمشق القديمة. انظر معجم دمشق التاريخي (١/ ١٩، ٢٠، ٢٦، ٢٧، ٢٩).
(٤) سوق الخيل: تسمية كانت تطلق على ساحة سوق الخيل التي تقع تحت القلعة وتخصصت بتجارة الخيول. انظر: معجم دمشق التاريخي (٢/ ٩).
(٥) هو عبد الرحمن بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني أخو شيخ الإسلام، حبس مع أخيه في الإسكندرية، وكان مؤثرا لأخيه على نفسه، يتفقده ويخدمه، ويذب عنه، وكان حسن السيرة ذا فضيلة معروفة (ت:٧٤٧ هـ). انظر: معجم الشيوخ (١/ ٣٦١)، الدرر الكامنة (٣/ ١١٨).
[ ٩١ ]
والله العظيم لقد رأيت الناس قاعدين على الطريق يمينا وشمالا، الرجال والنساء مختلطين كأنهم ينتظرون عبور السلطان، ومنهم من يبكي، ومنهم من يضج ويصيح، ومن يتأسف، ومنهم من يتفرج، فلما وصلت إلى مقبرة الصوفية (^١) رأيتها وقد امتلأت بالعالم، وقد حفروا قبره إلى جانب أخيه الشيخ شرف الدين (^٢)، وحضر أخوه زين الدين وحوله نقباء يحموه من الناس حتى شاهد القبر قبل وضع أخيه، وتأخرت الجنازة إلى قريب العصر حتى وضع في قبره وألحدوه وطم عليه ولقنوه (^٣)، وبعد ذلك انصرف الناس أولا بأول متأسفين عليه» (^٤).
وقال البزار -﵀-: «فما هو إلا أن سمع الناس بموته فلم يبق في دمشق من يستطيع المجيء للصلاة عليه وأراده إلا حضر لذلك وتفرغ له حتى غلقت الأسواق بدمشق وعطلت معايشها حينئذ وحصل للناس بمصابه أمر شغلهم عن غالب أمورهم وأسبابهم وخرج الأمراء والرؤساء والعلماء والفقهاء والأتراك والأجناد والرجال والنساء والصبيان من الخواص والعوام، قالوا ولم يتخلف أحد من غالب الناس فيما أعلم إلا ثلاثة أنفس كانوا قد اشتهروا بمعاندته، فاختفوا من الناس؛ خوفًا على أنفسهم بحيث غلب على ظنهم أنهم متى خرجوا
_________________
(١) مقبرة الصوفية أو مقابر الصوفية كانت في المنيبع قبالة باب النصر، ثم أزيلت المقبرة وبني مكانها جامعة ومشفى للمرضى، ولم يبق منها إلا قبر شيخ الإسلام ابن تيمية وابن كثير رحمهما الله، تقديرًا لمكانتهما عند الناس، إلا أن السلطات النصيرية قاتلها الله قامت مؤخرا بإزالة قبره من مكانه. انظر: معجم دمشق التاريخي (٢/ ٣١١).
(٢) هو عبد الله بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني، الشيخ الإمام الفقيه أخو شيخ الإسلام كان صاحب علم وفضل ولم يشتغل بالتصنيف (ت:٧٢٧ هـ). انظر: أعيان العصر (٢/ ٦٩٢) الدرر الكامنة (٣/ ٤٢).
(٣) السنة الثابتة أن يدعو الحاضرون للميت ويسألوا الله له التثبيت ويستغفروا له، وأما تلقينه الشهادتين فلم يثبت فيه حديث صحيح، وإن أجازه جمع من العلماء، وانظر: أحكام الجنائز (ص:١٥٥ - ١٥٦).
(٤) تاريخ حوادث الزمان وأنبائه ووفيات الأكابر والأعيان من أبنائه ضمن الجامع لسيرته (ص:١٩٨).
[ ٩٢ ]
رجمهم الناس فأهلكوهم» (^١).
هكذا كان حرص أهل بلده ومن جاورهم من البلاد القريبة على حضور جنازة الشيخ والصلاة عليه، وأما من كان خارج البلاد، فقد قال ابن رجب -﵀-: «وصلى عليه صلاة الغائب في غالب بلاد الإسلام القريبة والبعيدة، حتى في اليمن والصين، وأخبر المسافرون: أنه نودى بأقصى الصين للصلاة عليه يوم الجمعة (الصلاة على ترجمان القرآن)» (^٢).