إن ما تمتع به شيخ الإسلام -فيما أحسب- من إخلاص لله في نفسه، وحسن قصد في نيته، أمر يظهر لكل مطلع على محاورات الشيخ ﵀ ومناظراته، وذلك أن التوفيق العجيب الملازم لشيخ الإسلام في جميع مناظراته ومحاوراته، لا يناله أي شخص وأي أحد، وإنما هو من حظ عباد الله المخلصين، الذين علم الله
[ ١٠٠ ]
صدق نياتهم في الدفاع عن شريعته، والذود عن حياض ملته، فأحاطهم بحفظه وعنايته، وأيدهم بنصره وإعانته في الأقوال والأفعال ومختلف المقامات والأحوال، قال أبو حفص البزار: «ولما علم الله نياته ونياتهم أبى أن يُظفِرهم فيه بما راموا حتى أنه لم يحضر معه منهم أحد في عقد مجلس، إلا وصنع الله له ونصره عليهم بما يظهره على لسانه من دحض حججهم الواهية وكشف مكيدتهم الداهية للخاصة والعامة» (^١) وقال: «وما كان ذلك كذلك إلا لما عَلِمَ الله سبحانه من حسن طوية هذا الإمام، وإخلاص قصده، وبذل وسعه في طلب مرضاة ربه، ومتابعة سنة نبيه صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه» (^٢)، ولم يكن له ﵀ في مناظراته مصلحة دنيوية، ولا فائدة شخصية، بل كانت مناظراته سببًا فيما حصل له من حبس وعناء، وكرب وبلاء، وقد بين ﵀ المقصد الصحيح الذي يجب على أهل العلم أن يسلكوه في مناظراتهم، ويكون هو غايتهم ومرادهم، قال شيخ الإسلام -﵀-: «فمن كان عالمًا بالحق فمناظرته المحمودة: أن يبين لغيره الحجة التي تهديه إن كان مسترشدًا طالبًا للحق، أو يقطعه ويكف عداوته إن كان معاندًا غير متبع للحق، ويوقفه ويسلكه ويبعثه على النظر في أدلة الحق إن كان يظن أن قصده الحق» (^٣).