كان شيخ الإسلام ﵀ ذا فطنة كبيرة وخبرة عالية، بأغراض الخصوم ومقاصدهم، بحيث يفهم مراد الخصم قبل أن يصرح به، ويستعد للإجابة على استشكال الخصم قبل أن يورده عليه، ومن ذلك أن بعض مناظريه في العقيدة الواسطية طلب إعادة قراءة الأحاديث المذكورة في العقيدة مرة أخرى؛ فتفطن شيخ الإسلام لمراده من ذلك قبل أن يتفوه به فقال: «كأنك قد استعددت للطعن
_________________
(١) الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص:١٤٦).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٢٨/ ٤٤٩).
(٣) بيت من ضمن قصيدة في رثاء شيخ الإسلام للشيخ قاسم بن عبد الرحمن المقرئ. العقود الدرية (ص: ٤٥٨).
[ ١٠٩ ]
في حديث الأوعال» (^١)، ثم أجاب عن حديث الأوعال وبين صحته.
ولما تحداهم أن يأتوا بشيء عن السلف يخالف ما ذكره في العقيدة، أحضر بعض أكابرهم في المجلس الثاني (كتاب الأسماء والصفات) للبيهقي -رحمه الله تعالى- فقال: «هذا فيه تأويل الوجه عن السلف، قال شيخ الإسلام: «فوقع في قلبي ما أَعَد، فقلت: لعلك تعني قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥]، فقال: نعم» (^٢)، ثم بين الشيخ له وللحاضرين أنه لا حجة في ذلك، وأن ما ورد في تفسير الآية عن مجاهد والشافعي ليس فيه شيء من تأويل الآية، ولا صرفها عن ظاهرها الذي تقتضيه.
ولما سأل بعضهم عما ينسب للإمام أحمد من القول بقدم مداد المصاحف وأصوات القارئين، وظنوا أن هذا هو مذهب الشيخ، فأرادوا أن يجعلوه بين أمرين: إما الإقرار بهذا فيظهر للناس شناعة قوله، وإما الرجوع لقولهم فيحصل مقصودهم، تفطن شيخ الإسلام لهذا فأجابهم بنقيض ما أرادوه، قال ﵀: «وكانت هذه المسألة: قد أرسل بها طائفة من المعاندين المتجهمة ممن كان بعضهم حاضرًا في المجلس، فلما وصل إليهم الجواب أسكتهم، وكانوا قد ظنوا أني إن أجبت بما في ظنهم أن أهل السنة تقوله، حصل مقصودهم من الشناعة، وإن أجبت بما يقولونه هم، حصل مقصودهم من الموافقة، فلما أجيبوا بالفرقان الذي عليه أهل السنة، وليس هو ما يقولونه هم، ولا ما ينقلونه عن أهل السنة -إذ قد يقوله بعض الجهال- بُهتوا لذلك» (^٣).