كان شيخ الإسلام حريصًا أشد الحرص على بيان الحق للناس، وكشف ما
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٧/ ١٥٩).
(٢) انظر: بغية المرتاد (ص:٤٧٦).
(٣) شرح الأصبهانية (ص:٤٧).
[ ١١٥ ]
علق بأذهانهم من آراء فاسدة، بُنيت على شُبهٍ باطلة وأدلة واهية مخالفة للثوابت الشرعية والنصوص القطعية من الكتاب والسنة، ولذلك فقد يتنزل شيخ الإسلام مع مناظره شيئا ما ليكون أدعى لقبوله الحق وإن كان شيخ الإسلام على يقين تام ببطلان قوله وفساد معتقده قال ﵀: «فإنا في هذا المقام نتكلم معهم بطريق التنزل إليهم، كما نتنزل إلى اليهودي والنصراني في مناظرته، وإن كنا عالمين ببطلان ما يقوله، اتباعًا لقوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥]، وقوله: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت:٤٦]. وإلا فعلمنا ببطلان ما يعارضون به القرآن والرسول، ويصدون به أهل الإيمان عن سواء السبيل، وإن جعلوه من المعقول بالبرهان، أعظم من أن يبسط في هذا المكان» (^١).
وفي مناظرته مع بعض النصارى قال: «ولهذا كنت أتنزل مع علماء النصارى إلى أن أطالبهم بالفرق بين المسيح وغيره من جهة الإلهية» (^٢).
ومن هذا الباب ما فعله شيخ الإسلام في مناظرته الرفاعية، فبعد أن بين حيلتهم في دخول النار، تنزل معهم وجاراهم في مخاريقهم فتحداهم في دخول النار بعد الاغتسال بالخل والماء الحار، وقال: «أنا أخاطب كل أحمدي من مشرق الأرض إلى مغربها أي شيء فعلوه في النار فأنا أصنع مثل ما تصنعون، ومن احترق فهو مغلوب» (^٣) أو قال: «فعليه لعنة الله» (^٤).
ولما استعظم الأمير ذلك وقال: أتفعل ذلك؟ فقال له شيخ الإسلام مبينًا سبب إقدامه على مثل هذا الفعل: «نعم قد استخرت الله في ذلك، وأُلقي في قلبي أن أفعله، ونحن لا نرى هذا وأمثاله ابتداء؛ فإن خوارق العادات إنما تكون لأمة محمد -ﷺ- المتبعين له باطنًا وظاهرًا لحجة أو حاجة، فالحجة لإقامة دين الله،
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل (١/ ١٨٨)
(٢) مجموع الفتاوى (١٥/ ٢٢٨)، وانظر: الرد على البكري (ص:٣٢٧).
(٣) المصدر السابق (١١/ ٤٦٥).
(٤) المصدر السابق (١١/ ٤٦٥).
[ ١١٦ ]
والحاجة لما لا بد منه من النصر والرزق الذي به يقوم دين الله، وهؤلاء إذا أظهروا ما يسمونه إشاراتهم وبراهينهم التي يزعمون أنها تبطل دين الله وشرعه وجب علينا أن ننصر الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم، ونقوم في نصر دين الله وشريعته بما نقدر عليه من أرواحنا وجسومنا وأموالنا فلنا حينئذ أن نعارض ما يظهرونه من هذه المخاريق بما يؤيدنا الله به من الآيات» (^١)، وقال: «وليعلم أن هذا مثل معارضة موسى للسحرة لما أظهروا سحرهم أيد الله موسى بالعصا التي ابتلعت سحرهم» (^٢).
والتنزل للخصوم في المناظرات من تمام الإنصاف، وفيه دعوة لطيفة لأهل الانحراف.
فكم مُبْطل وافاه يَبْغِي جداله … فأنصفه فِي الْبَحْث من غير عدوانِ
ويكشف عَنهُ شُبْهَة بعد شُبْهَة … إِلَى أَن يبين الْحق أحسن تبيانِ
فَيُصْبِح عَن تِلْكَ الْمقَالة معرضًا … وَلَو كَانَ من أَحْبَار سوء وَرُهْبَانِ (^٣)