تنوعت أساليب شيخ الإسلام في إفساد مقالة الخصم خلال مناظراته ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
أ -بيان فساد المقالة بفساد دليلها: ومنه بيان شيخ الإسلام في مناظرته مع الصوفية فساد اعتقادهم نفع الأحجار، بفساد دليلهم الذي اعتمدوا عليه وهو
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٣/ ١٨٨).
[ ١١٩ ]
حديث: (لو أحسن أحدكم ظنَّه بِحَجَرٍ لنفعه الله به) (^١)، حيث بين أنه كذب موضوع.
وبيانه في مناظرة أخرى كذب الحديث الذي استندوا عليه في تجويزهم دعاء القبور (إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور) (^٢).
وبيانه في مناظرته للنصارى عدم صحة احتجاجهم على ألوهية المسيح بتشبيهه بالشعاع الذي للشمس أو النور للنار، وغيرها من الأمثلة كثير (^٣).
ب -بيان فساد المقالة بفساد لازمها: ومن ذلك إلزامه للنصارى -في تشبيههم اتحاد اللاهوت بالناسوت باتحاد الروح بالبدن- أن يكون الإله قد تألم وتوجع بصلب المسيح ووجعه، كما تتألم الروح بألم البدن ووجعه (^٤).
وبيانه في مناظرته لبعض الاتحادية فساد قول من اعتقد حلول الله ﷾ بقلب الحلاج بذكر اللوازم الفاسدة المترتبة على هذا القول (^٥).
ت -بيان فساد المقالة بإظهار تناقضها واضطرابها: ومن ذلك بيانه في مناظرة الفلاسفة لفساد مقالتهم ببيان تناقضها واضطرابها، وبيانه في المناظرة الواسطية تناقض ابن الوكيل وعدم استقراره على مقالة واحدة (^٦)، وبيانه في مناظرته مع بعض منكري العلو مناقضة عقيدته لفطرته وفعله (^٧)، وقد قرر ﵀ قاعدة عامة في ذلك فقال: «وكل من نصر قولًا ضعيفًا فلا بد له من أحد أمرين: إما أن يتناقض، وإما أن يلتزم لوازم ظاهرة الفساد» (^٨).
_________________
(١) سيأتي بيان حال الحديث وكذبه أثناء الدراسة (ص:٣٦١).
(٢) ستأتي دراسته (ص: ٣٨٥).
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (٢/ ٣٤٦).
(٤) انظر: الجواب الصحيح (٣/ ٣٢٨).
(٥) انظر: مجموعة الرسائل (١/ ٣٠) منهاج السنة النبوية (٥/ ٣٧٨).
(٦) انظر: مجموع الفتاوى (٣/ ١٧٢)
(٧) انظر: درء التعارض (٦/ ٣٤٣).
(٨) نظرية العقد "العقود" (١/ ٨٥).
[ ١٢٠ ]
ث -بيان فساد المقالة بفساد ما بنيت عليه: ومن ذلك بيانه في مناظرة المنجمين فساد صناعتهم بنقض مبناها الذي بنيت عليه، وهو أن الحركات العلوية هي السبب المؤثر في الحوادث الأرضية (^١).
وبيانه في مناظرته لبعض الاتحادية فساد مقالته: أنه لا فرق بين التوحيد والالحاد، وذلك ببيان فساد ما بنيت عليه هذه المقالة، وتفرعت عنه (^٢).
وفي مناظرة نفاة الرؤية: ذكر شيخ الإسلام أن جميع شبههم مبنية على مقدمتين، ثم شرع في بيان فساد هاتين المقدمتين التي بُني عليهما هذا القول (^٣).
ج -بيان فساد المقالة بكذب أصحابها وتحايلهم: ومن ذلك كشفه لحال الأحمدية وما انطوت عليه أقوالهم وأحوالهم من الكذب والحيل والتلبيس والخداع، قال شيخ الإسلام: «وهم كذابون مبتدعون، قد أفسدوا من أمر دين المسلمين ودنياهم ما الله به عليم» (^٤)
ح -بيان فساد المقالة ببيان كذبها وعدم ثبوتها: ومن ذلك ما افتراه الرفاعية على شيخ الإسلام من أنه أمرهم بلبس الأطواق ودخول النار. قال الشيخ: «فقلت: هذا من البهتان، وها أنا ذا أصف ما كان.
قلت للأمير: نحن لا نستحل أن نأمر أحدًا بأن يدخل نارًا ولا تجوز طاعة من يأمر بدخول النار، وفي ذلك الحديث الصحيح. وهؤلاء يكذبون في ذلك» (^٥).
خ -بيان فساد المقالة بإظهار عجز صاحبها: ومن ذلك ما جاء في مناظرته مع بعض الأحمدية ممن يزعم القدرة على دخول النار وعدم الاحتراق بها، فقال له: «أنا ما أكلفك ذلك ولكن دعني أضع هذه الطوافة في ذقنك. فجزع ذلك
_________________
(١) انظر: الفتاوى الكبرى (١/ ٦٢).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٢/ ١٩٦).
(٣) انظر: بغية المرتاد (ص:٤٧٦).
(٤) مجموع الفتاوى (١١/ ٤٥٧).
(٥) المصدر السابق (١١/ ٤٥٧).
[ ١٢١ ]
الفقير وأبلس» (^١).
د -بيان فساد المقالة بفقدها الدليل الشرعي الذي تستند إليه: ومن ذلك ما فعله شيخ الإسلام ﵀ في المناظرة الواسطية من تشديد على عدم وجود مستند شرعي لدى المخالفين على بطلان شيء من اعتقاده، وقال لهم متحديًا: «وقلت مرات: قد أمهلت كل من خالفني في شيء منها ثلاث سنين، فإن جاء بحرف واحد عن أحد من القرون الثلاثة التي أثنى عليها النبي -ﷺ- حيث قال: (خير القرون القرن الذي بعثت فيه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) يخالف ما ذكرته، فأنا أرجع عن ذلك» (^٢) وأعاد هذا الكلام وكرره وأكد عليه ليبين ضعف اعتراضهم وأن مبناه على الأهواء والظنون وليس الأدلة والنصوص.