لطالما نبه شيخ الإسلام إلى خطأ كثير من المتصدين للرد على أهل البدع ومناظرتهم، وذلك من جهة ما يقوم به بعضهم من رد الباطل بباطل مثله، ورد البدعة ببدعة، ويرى شيخ الإسلام ﵀ أن هذا الفعل هو من أعظم أسباب استطالة أهل الباطل على أهل الحق والهدى، وضرب على ذلك مثالًا بما فعله المتكلمون حين حاولوا الرد على الفلاسفة فردوا على باطلهم بباطل، قال ﵀: «والمقصود هنا أن هؤلاء المتكلمين الذين جمعوا في كلامهم بين حق وبين باطل، وقابلوا الباطل بباطل، وردوا البدعة ببدعة، لما ناظروا الفلاسفة وناظروهم، في مسألة حدوث العالم ونحوها، استطال عليهم الفلاسفة لما رأوهم قد سلكوا تلك الطريق، التي هي فاسدة عند أئمة الشرع والعقل، وقد اعترف حذاق النظار بفسادها …» (^٥)، ونبه على أن هذا الأمر كثيرا ما يقع فيه المتصدون لمناظرة أهل البدع، مع نهي السلف عنه وذمهم لأصحابه، قال ﵀: «والذين ناظروا هؤلاء من أهل الإثبات ربَّما زادوا في المناظرة نوعًا
_________________
(١) تنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطل (١/ ٦٣).
(٢) انظر: منهاج السنة النبوية (١/ ٦١).
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (٣/ ١٨٦).
(٤) منهاج السنة النبوية (١/ ٣٢٢).
(٥) درء تعارض العقل والنقل (٨/ ٢٧٩)
[ ١٢٦ ]
من الباطل، وإن كانوا في الأكثر على الحق، فكثيرًا ما يردُّ مُناظِرُ المبتدعِ باطلًا عظيمًا بباطلٍ دونَه، ولهذا كان أئمة السنة ينهون عن ذلك، ويأمرون بالاقتصاد ولزوم السنة المحضة، وأن لا يُردَّ باطلٌ بباطلٍ دونَه» (^١)، وقال ﵀ مبينًا عدم ثمرة مثل هذا النوع من المناظرة والجدال: «الجدل الباطل لا يُفلِحُ فيه مَن سَلكَه استدلالًا وسؤالًا وانفصالًا؛ فإن من استدلَّ بالباطل فهو مُبطِلٌ، ومن ردَّ الباطلَ بالباطل ولم يُبيِّن أن الدليل باطل فهو مُبطِلٌ، ومن أجابَ عن الباطل بباطلٍ ولم يُبيِّن أن السؤالَ باطل فهو مُبطِل، وكلُّ مبطلٍ فإنه يكون منقطعًا إذا بُيِّن بطلانُه والله أعلم» (^٢).