من تمام عدل شيخ الإسلام مع مخالفيه مراعاته لأحوالهم من علم وجهل وتأويل، فكان لا يحكم على شخص بعينه بحكم إلا بعد قيام الحجة وتوافر الشروط وانتفاء الموانع قال ﵀: «كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاة، والذين نفوا أن الله تعالى فوق العرش، لما وقعت محنتهم، أنا لو وافقتكم كنت كافرًا؛ لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون؛ لأنكم جهال …» (^٣).
وفي المناظرة الواسطية لما اعترض الخصوم بأن من خالف شيئًا من عقيدة الفرقة الناجية يلزم هلاكه. أجاب عنهم قائلًا: «وليس كل من خالف في شيء من هذا الاعتقاد يجب أن يكون هالكا؛ فإن المنازع قد يكون مجتهدا مخطئا يغفر الله خطأه وقد لا يكون بلغه في ذلك من العلم ما تقوم به عليه الحجة، وقد يكون له من الحسنات ما يمحو الله به سيئاته، وإذا كانت ألفاظ الوعيد المتناولة له لا يجب أن يدخل فيها المتأول والقانت وذو الحسنات الماحية والمغفور له وغير ذلك فهذا أولى، بل موجب هذا الكلام أن من اعتقد ذلك نجا في هذا الاعتقاد، ومن اعتقد
_________________
(١) جامع المسائل (٨/ ٢٣٧).
(٢) تنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطل (١/ ٢١٠).
(٣) الرد على البكري (٢/ ٤٩٤).
[ ١٢٧ ]
ضده فقد يكون ناجيا، وقد لا يكون ناجيا، كما يقال: (من صمت نجا)» (^١).
وقال ﵀: «وكنت دائما أذكر الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال: (إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني، ثم ذروني في اليم فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا من العالمين، ففعلوا به ذلك فقال الله له: ما حملك على ما فعلت. قال خشيتك: فغفر له) (^٢)، فهذا رجل شك في قدرة الله وفي إعادته إذا ذري، بل اعتقد أنه لا يعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلًا لا يعلم ذلك وكان مؤمنًا يخاف الله أن يعاقبه فغفر له بذلك. والمتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول أولى بالمغفرة من مثل هذا» (^٣).
ولما علم ما عليه كثير من معظمي مذهب الاتحادية ومشايخهم من جهل وقلة فهم وبصيرة، حرص على بيان الحق لهم بالعلم والحجة وبكل رفق وعناية، معتذرا لهم بجهلهم بحقيقة هؤلاء ومذهبهم (^٤).