بين شيخ الإسلام أنه يجوز للمناظر أن يخاطب أهل الاصطلاح باصطلاحهم إذا كانت هناك حاجة تدعو لذلك وكانت المعاني التي تدل عليها تلك
_________________
(١) رسالة عبد الله بن تيمية لأخيه زين الدين عن حاصل المناظرة في الواسطية، ضمن مجموع الفتاوى (٣/ ٢٠٩)، وانظر: حكاية المناظرة في الواسطية ضمن جامع المسائل (٨/ ١٩٠ - ١٩٢).
(٢) مجموع الفتاوى (٣/ ٢٣٢)
(٣) المصدر السابق (٤/ ١٠٩).
(٤) الجواب الصحيح (٣/ ٧٢).
(٥) نجم الدين بن إسحاق بن أبي بكر بن ألمي التركي المتوفى (٧٢٠ هـ) وله قصيدة في الثناء على شيخ الإسلام ﵀ ومنها هذا البيت. انظر: العقود الدرية (٤٥٢ - ٤٥٧)
(٦) العقود الدرية (٤٥٢).
[ ١٣٠ ]
المصطلحات معان صحيحة. قال شيخ الإسلام -﵀-: «وأما مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم ولغتهم فليس بمكروه إذا احتيج إلى ذلك وكانت المعاني صحيحة كمخاطبة العجم من الروم والفرس والترك بلغتهم وعُرفهم فإنَّ هذا جائزٌ حسن للحاجة، وإنما كرهه الأئمة إذا لم يحتاجوا إليه» (^١)، وقد استخدم شيخ الإسلام هذه الطريقة في مخاطبته مع الفلاسفة وغيرهم من أصحاب المصطلحات الحادثة، كما تجد ذلك مبثوثًا في مناظراته، وبين شيخ الإسلام أهمية ذلك عند الحاجة فقال: «ولا ريب أن الألفاظ في المخاطبات تكون بحسب الحاجات كالسلاح في المحاربات. فإذا كان عدو المسلمين -في تحصنهم وتسلحهم-على صفة غير الصفة التي كانت عليها فارس والروم: كان جهادهم بحسب ما توجبه الشريعة التي مبناها على تحري ما هو لله أطوع وللعبد أنفع وهو الأصلح في الدنيا والآخرة. وقد يكون الخبير بحروبهم أقدر على حربهم ممن ليس كذلك لا لفضل قوته وشجاعته ولكن لمجانسته لهم كما يكون الأعجمي المتشبه بالعرب - وهم خيار العجم - أعلم بمخاطبة قومه الأعاجم من العربي وكما كون العربي المتشبه بالعجم - وهم أدنى العرب - أعلم بمخاطبة العرب من العجمي» (^٢).
أثر منهج شيخ الإسلام في نتائج المناظرات:
لقد كان لمنهج شيخ الإسلام الذي اتبعه في محاورة ومناظرة مخالفيه وخصومه، عظيم الأثر في نتائج مناظراته، فالمتأمل في مناظرات شيخ الإسلام يجد لمناظراته كبير النفع والفائدة لمن ناظرهم، ولغيرهم ممن حضر هذه المناظرة أو قرأها أو نُقلت إليه وسمعها، فلم تكن مناظراته كحال كثير من المناظرات السقيمة التي تنتهي للسفسطة والجدل العقيم، ويخرج منها أطرافها بدون أي ثمرة
_________________
(١) الفتاوى الكبرى (١/ ١٣٦).
(٢) مجموع الفتاوى (٤/ ١٠٧).
[ ١٣١ ]
أو نفع أو فائدة، بل كانت أكثر محاورات شيخ الإسلام لخصومه تنتهي بظهور الحق بأنصع صوره للموافق والمخالف والرائي والسامع، ولذلك فقد انتهت كثير من مناظراته برجوع خصومه عن مقالتهم وتوبتهم من باطلهم واعترافهم بالحق الذي بينه شيخ الإسلام وقرره، فإن لم يرجع الخصم عن مقالته ويعلن انصياعه للحق وقبوله، فإنه لا يجد محيصًا من الانقطاع أمام شيخ الإسلام، بحيث يظهر للناس المحق من المبطل وداعية الهدى من داعية الضلال، ويظهر ضعف الشبه الشيطانية، أما الحجج والأدلة الربانية.
وسأستعرض شيئًا مما يبرهن على ما ذكرته، ويؤيد ما قلته وسطرته، من وقائع أبرز المناظرات ونتائجها، وخاتمتها ونهايتها:
-ففي مناظرته مع بعض النصارى بين له شيخ الإسلام ولمن كان معه اللوازم الفاسدة التي تلزم من مقالتهم واعتقادهم «فاعترف هو وغيره بلزوم ذلك» (^١).
-وفي مناظرته مع ثلاثة من رهبان الصعيد انتهت المناظرة باعترافهم وقولهم: «الدين الذي ذكرته خير من الدين الذي نحن وهؤلاء عليه» (^٢).
-وفي مناظرته الأخرى مع أحد معظمي الرهبان، اعترف بعد سماعه حجة شيخ الإسلام، أن ما يقومون به شرك "حتى إن قسيسًا كان حاضرًا في هذه المسألة، فلما سمعها قال: نعم على هذا التقدير نحن مشركون" (^٣).
-وفي مناظرته مع المنجمين، انتهت باعتراف رئيسهم بما قرره شيخ الإسلام من كذبهم وتخرصهم "فقال رئيسهم: والله إنا نكذب مائة كذبة حتى نصدق في كلمة" (^٤).
-وفي مناظرته مع أحد حذاق الاتحادية، أفحمه شيخ الإسلام بقوة حجته
_________________
(١) الجواب الصحيح (٣/ ٣٢٩).
(٢) مجموع الفتاوى (١/ ١٧٠ - ١٧١)، انظر: الجامع لسيرته (ص:٨٩ - ٩٠)، (ص: ١٤٣).
(٣) مجموع الفتاوى (٢٧/ص ٤٦١).
(٤) مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٧٢)، الفتاوى الكبرى (١/ ٦٢).
[ ١٣٢ ]
حتى بُهِتَ ولم يجد جوابا فنازع في المسلمات، حتى ضحك منه الشيخ وظهر للناس فساد كلامه (^١).
-وفي مناظرته مع بعض معظمي الاتحادية والغالين في مشايخهم، بين له شيخ الإسلام حقيقة أقوالهم ومذهبهم "حتى رَجَعَ عن تعظيم هؤلاء، وكَفَر بما يقوله ابن العربي من الكفريات، وقال: ما كُنّا نَعرِف حقيقةَ حالِ هؤلاء، ولا نعرف أن كلامَهم مشتمل على هذا كله! " (^٢).
-وفي مناظرته مع جمع من الرفاعية انتهت المناظرة بتوبة جماعة منهم (^٣).
-وفي المناظرة الكبرى للرفاعية عند قصر الإمارة، انتهت المناظرة بظهور شيخ الإسلام عليهم، وطلبهم الصلح والتوبة مما مضى، وإلزام السلطان لهم باتباع الكتاب والسنة وعدم الخروج عنهما (^٤).
-وفي مناظرته مع أحد مشايخ الرفاعية عندما أراد إظهار قدرته على دخول النار، قال له الشيخ: «أنا ما أكلفك ذلك ولكن دعني أضع هذه الطوافة في ذقنك. فجزع ذلك الفقير وأبلس» (^٥).
-وانتهى المجلس الأول من المناظرة الواسطية وقد أظهر الله من قيام الحجة وبيان المحجة: ما أعز الله به السنة والجماعة، وأرغم به أهل البدعة والضلالة (^٦).
-وانتهت مجالس المناظرة الواسطية باعتراف الحاضرين جميعا بصحة ما جاء في العقيدة (^٧).
_________________
(١) الصفدية (١/ ٢٩٦ - ٢٩٧).
(٢) جامع المسائل (٤/ ٣٩٤).
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (١١/ ٤٧٧).
(٤) انظر: المصدر السابق (١١/ ٤٧٤، ٤٧٥).
(٥) الوافي بالوفيات ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (٣٧١).
(٦) انظر: مجموع الفتاوى (٣/ ١٨٠).
(٧) انظر: العقود الدرية (ص:٢١٢).
[ ١٣٣ ]
-وفي المناظرة المدنية، تبين للرجل ما كان عليه من باطل واقتنع بما قرره شيخ الإسلام من الحق فـ «أظهر الرجل التوبة وتبين له الحق» (^١).
-وفي مناظرته مع بعض منكري العلو، تاب الرجل واستغفر الله، ورجع إلى قول المسلمين المستقر في فطرهم (^٢).
فهذه أبرز المناظرات وأشهرها، وهذه نتائجها وثمرتها، وهي تبرز بوضوح عظيم أثر منهج شيخ الإسلام الذي اتبعه في نتائج هذه المناظرات، وضرورة التزام كل داعية يواجه أهل الباطل ويناظرهم ويخاصمهم ويجادلهم بمثل هذا المنهج العظيم، والمسلك القويم، الذي يثمر أفضل النتائج وأنفعها، وخير الثمار وأينعها.
* * *
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٦/ ٣٧٢).
(٢) درء التعارض (٦/ ٣٤٤).
[ ١٣٤ ]
الباب الأول