كثير من المناظرين قد يخطئ في نسبة الأقوال لأصحابها، وإرجاع المقالات لأربابها، وذلك ناشئُ غالبًا عن قلة علم بالفرق والمقالات، وأحيانًا عن بغي وظلم للآخرين، ولما كان شيخ الإسلام ذا اطلاع واسع على أقوال الفرق والمذاهب، وذا صدق وإخلاص وعدل وإنصاف مع الموافق والمخالف، فقد كان دقيق النقل للأقوال متحريًا في نسبتها للطوائف والرجال.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٣/ ٨٤).
(٢) المصدر السابق (٣/ ١٦٣).
(٣) المصدر السابق (٢/ ١٣٨).
[ ١٠٥ ]
ففي مناظرته لأحد مُعظِّمي الرازي ومبجليه، بَيَّنَ خطأ ما نسبه الرازي لبعض الفرق: من القول بجواز أن يتكلم الله بكلام لا يعني به شيئًا، ولما حاول هذا المتعصب الدفاع عن الرازي ونسب هذا القول للكرامية، بين شيخ الإسلام خطأه أيضًا، وقال: «هذا لم يقله لا كرامي ولا غير كرامي، ولا أحد من أهل المذاهب الأربعة ولا غيرهم» (^١)، وهذا الجزم إنما نشأ عن تمام العلم بمقالات الفرق وآراءها.
وبين في مناظرته لابن المرحل بطلان ما حكاه ونسبه لمذهب أهل السنة من أن الشكر لا يكون إلا بالاعتقاد دون القول والعمل (^٢).
ولما نسب ابن المرحل إلى الحنابلة مخالفة الحسن البصري في كافر النعمة، بين له شيخ الإسلام بطلان هذا، وقال: «أصحابي لم يخالفوا الحسن في هذا فعمن تنقل من أصحابي هذا؟» (^٣)، ثم عاد ابن المرحل فنسب هذا إلى أصحابه من الشافعية، فبين له شيخ الإسلام أن أصحابه أيضًا لم يخالفوا في هذا، فكان أعلم بمذهبه منه.
ولما أحضر مخالفوه في المجلس الثاني للواسطية عالمهم الكبير صفي الدين الهندي ليناظر الشيخ، كان مما قرره أن أول مسألة اختلف فيها المسلمون هي مسألة الكلام، ونسب ذلك إلى الشهرستاني في كتابه الملل والنحل، فغضب شيخ الإسلام وبين له أن قوله خطأٌ وكذِبٌ مخالفٌ للإجماع، وأن الشهرستاني لم يذكر هذا على النحو الذي يريده، بل على خلاف ما يريد تقريره، فظهر عجز هذا الشيخ وإفلاسه أمام علم الشيخ ودرايته (^٤).
وحين نسب بعضهم في المناظرة الواسطية إلى الإمام أحمد القول بأن صوت القارئين ومداد المصاحف قديم أزلي، بين شيخ الإسلام أن هذا كذب مفترى، لم
_________________
(١) الصفدية (١/ ٢٨٨).
(٢) العقود الدرية (ص: ١١٥)، مجموع الفتاوى (١١/ ١٣٨).
(٣) المصدر السابق.
(٤) انظر: مجموع الفتاوى (٣/ ١٨٣).
[ ١٠٦ ]
يقله أحمد ولا أحد من علماء المسلمين، لا من أصحاب أحمد ولا غيرهم، ولا يقوله عاقل (^١).
ومواقفه التي تبرز هذا الجانب من مناظراته كثيرة مشهودة لا يسع المقام لاستيعابها.
٨) الأمانة العلمية في الطرح:
وهذه النقطة هي في الحقيقة تبع لما قبلها، وما تحريه في النقل ودقته في حكاية الأقوال إلا نموذج من نماذج الأمانة العلمية التي كان يتصف ويتحلى بها -﵀- ومما يوضح ذلك أكثر ما نص عليه ﵀ في رده على النصارى، حيث قال: «وأنا أذكر ما ذكروه بألفاظهم بأعيانها، فصلًا فصلًا، وأُتبع كل فصل بما يناسبه من الجواب فرعًا وأصلًا وعقدًا وحلًا» (^٢) ويرى ﵀ أنه يجب على الناقل لأقوال مخالفيه أن ينقلها بنصها وعينها دون تصرف أو رواية بالمعنى أو اختصار أو تلخيص؛ لما يقع في ذلك من الخلل والخطأ والزلل، قال شيخ الإسلام ﵀: «ونحن في جميع ما نورده نحكي ألفاظ المحتجين بعينها، فإن التصرف في ذلك قد يدخله خروج عن الصدق والعدل، إما عمدًا وإما خطأ» (^٣).