ذكر ابنُ القيِّم أقسامَ التَّقدير الخمسة، وأَوْضَحَها بأدلَّتِها، وهي باختصار:
التقدير الأول: تقدير المَقادير قبل خَلق السَّماوات والأرض، وهو التقدير العام الشَّامل لكل شيءٍ في اللوح المحفوظ، وقد سبق ذِكر بعض الأدلة عليه.
التقدير الثاني: تقدير الرَّبِّ-﵎-شقاوة العِباد وسَعادتهم وأرزاقهم وآجالهم وأعمالهم قبل خَلْقِهم، وهو تقديرٌ ثَان بعد التقدير الأَوَّل، فعن عِمران بن حُصين قال: «قيل: يا رسول الله، عُلِمَ أهلُ الجَنَّة من أهل النَّار؟ فقال: «نَعَمْ». قيل: فَفِيم يعملُ العاملون؟ قال: «كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ له» (^٢).
التقدير الثالث: المُتَعَلِّق بالجنين وهو في بطن أُمِّه، وهو تقدير شقاوته وسعادته ورزقه وأجله وعمله؛ فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: حَدَّثنا رسولُ الله ﷺ وهو الصَّادقُ المَصدوقُ: «إنَّ أحدَكم ليُجمع خَلْقُه في بَطن أُمِّه أربعين يومًا، ثُمَّ يكون في ذلك علقةً مثل ذلك، ثُمَّ يكون في ذلك مُضغةً مثل ذلك، ثُمَّ يُرسل اللهُ إليه المَلك؛ فيَنفخ فيه الرُّوح، ويُؤمر بأربع كلماتٍ؛ بكتبِ رزقِه وأجلِه وعملِه وشقي أو سعيد، فوالذي لا إلهَ غيرُه، إنَّ أحدَكم ليعمل بعمل أهل
_________________
(١) أخرجه أحمد في «المسند» (١/ ٢٩٣) (٢٦٦٩)، والترمذي (٢٥١٦)، وصححه الألباني في «مشكاة المصابيح» (٥٣٠٢).
(٢) أخرجه البخاري (٧٥٥١) ومسلم (٢٦٤٩) واللفظ له.
[ ٢ / ١٨٥ ]
الجنة حتَّى ما يكون بينه وبينها إلَّا ذراع فيَسبق عليه الكتابُ فيَعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإنَّ أحدَكم لَيعمل بعمل أهلِ النَّار حتى ما يكون بينه وبينها إلَّا ذِرَاع فيَسبق عليه الكتابُ فيَعمل بعمل أهلِ الجَنَّة فيَدخلها» (^١).
التقدير الرابع: التقدير في ليلة القَدْر؛ قال الله تعالى: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [الدخان: ١ - ٥].
قال أبو عبد الرَّحمن السُّلَمِيُّ: «يُقَدِّر أمرَ السَّنَة كلها في ليلة القَدْر»، وهذا هو الصَّحيح: أنَّ القَدْر مَصدر قَدَرَ الشيء يَقْدُرُهُ قَدْرًا، فهي ليلة الحُكم والتقدير.
التقدير الخامس: التقدير اليَومي؛ قال تَعَالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩].
قال مجاهدٌ والكلبيُّ وعُبيد بن عمير وأبو ميسرة وعطاء ومقاتل: «مِنْ شأنِه: أن يُحيي ويُميت، ويَرزق ويَمنع، ويَنصر، ويُعزُّ ويُذلُّ، ويَفك عانيًا، ويَشفي مريضًا، ويجيب داعيًا، ويُعطي سائلًا، ويَتوب على قومٍ، ويكشف كربًا، ويَغفر ذنبًا، ويضع أقوامًا، ويَرفع آخرين. دخل كلامُ بعضهم في بعض …».
إلى أن قال ابن القَيِّم ﵀: «فهذا تقديرٌ يوميٌّ، والذي قبله تقديرٌ حَوْلِيٌّ، والذي قبلَه تقديرٌ عُمري عند تَعَلُّق النَّفس به، والذي قبله كذلك عند أَوَّل تخليقه، وكونه مضغة، والذي قبله تقديرٌ سَابق على وجوده، لكن بعد خلق السماوات والأرض، والذي قبله تقديرٌ سابقٌ على خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكل واحد من هذه التقادير كالتفصيل من التقدير السابق، وفي ذلك الدليل على عِلم الرَّبِّ وقُدرته وحكمته، وزيادة التعريف لملائكته وعباده المؤمنين بنفسِه وأسمائه» (^٢).
وقولُ شيخِ الإسلامِ ﵀ هنا: «فهذا التقديرُ-أي: تقدير العِلم والكتابة-قد كان يُنكره غُلَاة القدرية قديمًا، ويقولون: إنَّ الأمرَ أُنف؛ أي: أنَّ اللهَ لا يَعلم أفعالَ العباد إلا بعد وجودها.
قال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: «واعلم أنَّ مَذهبَ أهلِ الحَقِّ إثباتُ القَدَر، ومعناه: أنَّ الله-﵎-قَدَّر الأشياء في القِدَم، وعَلِمَ-سبحانه-أنَّها ستقع في أوقاتٍ معلومة عنده ﷿، وعلى صفاتٍ مخصوصة؛ فهي تقع على حسب ما قَدَّرها ﷿، وأنكرت القدرية هذا، وزعمت أنه ﷿ لم يُقَدِّرها، ولم يتقدم علمُه ﷿ بها، وأنَّها مُستأنفة
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٢٠٨) ومسلم (٢٦٤٣).
(٢) «شفاء العليل» (ص ٣١ - ٤٩).
[ ٢ / ١٨٦ ]
العلم، أي: إنَّما يَعلمها-سبحانه-بعد وقوعِها، وكذبوا على الله ﷾ وجَلَّ عن أقوالهم الباطلة علوًّا كبيرًا.
وسُمِّيت هذه الفرقةُ قدريَّة؛ لإنكارهم القَدَر؛ قال أصحابُ المَقالات من المُتَكَلِّمين: وقد انقرضت القدريةُ القائلون بهذا القول الشَّنيع الباطل، ولم يَبق أحدٌ من أهل القِبلة عليه، وصارت القدريةُ في الأزمان المتأخرة تَعتقد إثبات القَدَر، لكن يقولون: الخير من الله، والشَّرُّ مِنْ غيره» (^١).
وأمَّا الدرجة الثانية: فهي مَشيئته النافذة وقدرته الشاملة، وهو الإيمان بأنَّ ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
هذه الدرجة الثانية وهي كذلك قد تَضَمَّنت مَرتبتين من مراتب القَدَر، وهما: (المشيئة والخَلْق).
أمَّا المَشيئة، فقد قال ابنُ القيِّم ﵀: «المرتبة الثالثة من مراتب القضاء والقدر، وهي مرتبة المَشيئة:
وهذه المرتبةُ قد دلَّ عليها إجماعُ الرُّسل مِنْ أَوَّلهم إلى آخرهم، وجميع الكُتُب المُنزلة من عند اللهِ، والفِطرة التي فَطَرَ اللهُ عليها خلقه، وأدلة العقول والبيان، وليس في الوجود مُوجب ومُقتض إلا مشيئة الله وحده؛ فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، هذا عمومُ التوحيد الذي لا يقوم إلا به.
والمسلمون مِنْ أَوَّلِهم إلى آخرهم مُجمعون على أنَّه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا يقع في مُلكه إلا ما يريد حتى وإن كان مخالفًا لأمره الشرعي، فهو ﷾ أراد أن يَمتحن عباده، فجعل لهم إرادة وقدرة؛ ليبلوهم أيهم أحسن عملًا؛ فمن آمن واستقام فاز، ومن كفر وعاند فقد خسر خسرانًا مبينًا؛ فتُجزى كل نفس بما عملت، فالعِبَادُ فاعلون حقيقة، واللهُ خالقُ أفعالِهم، وللعباد قُدرة على أعمالِهم، ولهم إرادة، واللهُ خالقُهم وخَالق قُدرتهم وإرادتهم، كما قال تَعَالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩، ٢٨]، وقد يريد العبدُ الشَّرَّ، ولكن الله لا يُمكنه منه؛ فكلُّ شيء داخل تحت إرادته ومَشيئته، ولا يَخرجُ العباد أبدًا في كل أمورهم عن تلك الإرادة والمشيئة؛ قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وقال
_________________
(١) «شرح النووي على مسلم» (١/ ١٥٤).
[ ٢ / ١٨٧ ]
سبحانه: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٤٠]، وقال جل وعلا: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢]» (^١).
وجاء في حديث حذيفة بن أسيد في شأن الجَنِين: «فَيَقضي ربُّك ما يشاءُ، ويَكتبُ المَلَكُ» (^٢).
وعن أبي موسى الأشعري؟، عن النَّبي ﷺ: «اشْفَعُوا تُؤجروا، ويَقضي الله على لسان نَبِيِّه ما يشاء» (^٣).
أنواع الإرادة:
لله-جل وعلا-إرادتان: كونية قدرية، ودينية شرعية.
قال ابنُ القيم ﵀: «وها هنا أمرٌ يَجب التَّنبيه عليه، وبمعرفته تزول إشكالات كثيرة تَعرض لمن لم يُحِط به عِلْمًا، وهو أن الله-سبحانه-له الخلقُ والأمرُ، وأمرُه-سبحانه-نوعان: أمر كَوني قَدَرِي، وأمر دِيني شَرعي.
فمشيئته-سبحانه-مُتعلقة بخلقه وأمره الكوني، وكذلك تتعلق بما يحب وبما يكره، كله داخل تحت مشيئته، كما خلق إبليس وهو يُبغضه، وخَلَقَ الشياطين والكفار والأعيان والأفعال المسخوطة له وهو يُبغضها، فمشيئته-سبحانه-شاملة لذلك كله.
وأمَّا محبته ورضاه فمُتعلقة بأمره الدِّيني وشَرعه الذي شَرَعَه على أَلْسِنة رُسلِه، فما وُجد منه تَعَلَّقَت به المحبةُ والمشيئةُ جميعًا فهو محبوبٌ للرَّبِّ، واقعٌ بمشيئته؛ كطاعات الملائكة والأنبياء والمؤمنين، وما لم يُوجد منه تَعَلَّقت به محبته وأمرُه الدِّيني، ولم تتعلق به مشيئته، وما وُجد من الكفر والفسوق والمعاصي تَعَلَّقت به مشيئتُه، ولم تتعلق به محَبَّتُه، ولا رِضاه ولا أمره الدِّيني، وما لم يُوجد منها لم تتعلق به مشيئته ولا محبته، فلفظ المشيئة كونيٌّ، ولفظ المَحَبَّة دينيٌّ شرعيٌّ، ولفظ الإرادة ينقسم إلى إرادة كونية؛ فتكون هي المشيئة، وإرادة دينية؛ فتكون هي المحبة.
وإذا عرفت هذا فقوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧]، وقوله: ﴿لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، وقوله: ﴿وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] لا يناقض نصوص القدر والمَشيئة العامة الدَّالة على وقوع ذلك بمشيئته وقضائه وقدره؛
_________________
(١) انظر: «شفاء العليل» (ص ٩٣) بتصرف واختصار.
(٢) أخرجه مسلم (٢٦٤٥).
(٣) أخرجه البخاري (١٤٣٢).
[ ٢ / ١٨٨ ]
فإنَّ المَحَبَّةَ غيرُ المَشيئة، والأمرَ غيرُ الخلقِ، ونظير هذا: الأمر؛ فإنه نوعان: أمر تكوين، وأمر تشريع، والثاني قد يُعصى ويُخالف بخلاف الأول».
إلى أن قال ﵀: «فسبحانه أن يكون في مَملكته ما لا يشاءُ أو أن يشاء شيئًا فلا يكون، وإن كان فيها ما لا يُحِبُّه ولا يَرضاه، وإن كان يحبُّ الشيءَ فلا يكون لِعَدم مشيئته له، ولو شاءه لَوُجِد» (^١).
فالعبودية لله نوعان:
الأَوَّل: عبوديَّة عامَّة، وهي عبودية القهر والملك لجميع الخلق، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣].
الثاني: عبودية خاصَّة، وهي عبودية الشرع من الإيمان والطاعة؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣].
وتَختلف الإرادتان في مُوجبهما، وفي مُتَعَلقهما:
ففي المُتعلق: الإرادة الكونية تتعلق فيما وَقَعَ سواء أَحَبَّه أم كَرِهَه.
والإرادةُ الشرعيَّةُ تتعلق فيما أَحَبَّه سواء وَقَعَ أم لم يقع.
وفي موجبهما: الإرادة الكونية يتعين فيها وقوع المُراد، والإرادة الشرعية لا يتعين فيها وقوع المراد، وعلى هذا يكون قول المؤلف: «ولا يكون في مُلْكِه ما لا يُريد»: يعني به: الإرادة الكونية.
ثم قال: «وأنه-سبحانه-على كلِّ شيء قدير مِنْ المَوجودات والمعدومات؛ فمَا مِنْ مخلوقٍ في الأرض ولا في السَّماء إلا الله خالقه سبحانه، لا خالقَ غيرُه، ولا رَبَّ سِواه».
فهنا يردُّ شيخ الإسلام على القدرية القائلين: إنَّ العبدَ مُستقلٌّ بعمله، وأنَّ اللهَ ليس بقادرٍ على فعله.
أي: أنَّه ما من شيءٍ موجود أو معدوم إلا واللهُ قادرٌ عليه، قال تَعَالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦]، وقال تَعَالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٤٤].
_________________
(١) «شفاء العليل» (ص ١٠٥، ١٠٦).
[ ٢ / ١٨٩ ]
وكلمة «مخلوق» نكرةٌ في سياق النفي تُفيد العموم؛ فما مِنْ شيء صغر أم كبر إلا والله-سبحانه-وحده المُنفرد بخلقه، قال ﷻ: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، ومِن ذلك أنَّه خَلَقَ العِباد وصفاتهم وأعمالهم؛ قال تَعَالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦].
ثم قال: «ومع ذلك فقد أَمَرَ العِباد بطاعته وطاعة رسوله، ونَهاهم عن مَعصيته، وهو-سبحانه-يُحِبُّ المُتَّقِين والمُحسنين والمُقسطين».
فلا تعارضَ بين ما أراده ﷾ كونًا وقدرًا وبين ما أراده دينًا وشرعًا.
فما أراده ﷾ كونًا وقدرًا قد يحبه ويرضاه وقد لا يحبه ولا يرضاه، وما أراده دينًا وشرعًا فهذا متعلق بمحبته؛ لأنه-سبحانه-أَمَرَ عبادَه بطاعته، ونَهاهم عن معصيته.
وعليه، فلا تَعارض بين تقديرِه للمعاصي وبُغضِه لها.
وليس لأحدٍ أن يَحْتَجَّ بالقدر على ارتكاب المنهيات وترك الأوامر.
قال شيخ الإسلام ﵀: «وليس لأحدٍ أن يَحتج بالقَدَر على الذَّنب باتِّفاق المُسلمين وسائر أهل المِلل وسائر العُقلاء، فإنَّ هذا لو كان مقبولًا لأمكن كلُّ أحدٍ أن يفعل ما يَخطر له مِنْ قَتْل النُّفوس، وأَخْذ الأموال، وسائر أنواع الفساد في الأرض، ويَحتج بالقدر، ونَفْس المُحتج بالقَدَر إذا اعتُدي عليه، واحْتَجَّ بالقدر المُعتدي لم يَقبل منه، بل يَتناقض، وتناقض القول يَدُلُّ على فسادِه، فالاحتجاجُ بالقدر معلومُ الفَساد في بداءة العقول» (^١).
وقال: «وأما القدر، فإنه لا يَحتج به أحدٌ إلا عند اتِّباع هَوَاه، فإذا فَعَلَ فِعْلًا مُحَرَّمًا بمجرد هواه وذوقه وَوَجْدِه من غير أن يكون له علم بحسن الفعل ومصلحته استند إلى القَدَر، كما قال المشركون: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وقال تَعَالى: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٨ - ١٤٩].
فبين أنَّهم ليس عندهم علمٌ بما كانوا عليه من الدِّين، وإنما يتبعون الظنَّ».
إلى أن قال: «والعبدُ مَأمور أن يَصبر على المَقدور ويطيع المأمور، وإذا أذنب استغفر، كما قال تَعَالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر: ٥٥]،
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٨/ ١٧٩).
[ ٢ / ١٩٠ ]
وقال تَعَالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١].
قال طائفة من السَّلف: هو الرَّجل تُصِيبُه المُصيبة فيَعلم أنها من الله فَيَرْضَى ويُسَلِّم.
فَمَنْ احتجَّ بالقَدَر على ترك المأمور وجَزِع مِنْ حُصول ما يكرهه من المَقدور فقد عَكَس الإيمان والدِّينَ، وصار من حِزب المُلحدين المنافقين، وهذا حالُ المُحتجين بالقَدَر» (^١).
ثم قال المصنف: «وهذه الدرجةُ من القَدَر يُكَذِّب بها عامَّةُ القَدرية الَّذين سَمَّاهم النَّبيُّ ﷺ مجوسَ هذه الأُمَّة».
أي: هذه الدَّرَجَةُ مِنَ القَدَر (درجةُ المَشِيئَةِ والخَلْق) يُكَذِّبُ بها عَامَّةُ القَدَرِيَّة النُّفَاة الذين يقولون: إن العبد يخلق فِعْلَ نَفْسِه بدون مشيئةِ الله وإرادتِه.
وقد سَمَّاهُم النَّبي ﷺ مَجُوسَ هذه الأُمَّة؛ لمشابهتهم للمجوس الذين يُثْبِتُون خالقَين، هما: النُّور، والظُّلمة، فالنور عندهم خَلَقَ الخَيْرَ، والظلمة خلقتِ الشَّرَّ، فصاروا بذلك ثَنَوِيَّةً، وهؤلاء القدرية جعلوا خالقًا مع الله، فزعموا أن العبادَ يَخْلُقُونَ أَفْعَالهم بدون إرادةِ الله ومشيئته.
ثم قال ﵀: «ويَغْلُو فيها قومٌ مِنْ أهلِ الإِثْبَاتِ، حتى سَلَبُوا العبدَ قُدْرَتَهُ واخْتِيَارَهُ»، والمراد بهم: الجبريَّةُ الذين جاوزوا الحدَّ في الإثباتِ، حتى جعلوا الفاعلَ حَقِيقَةً لفعل العبد خيرِه وشرِّه هو اللهُ، وزعموا أنَّ الفِعْلَ إنما نُسِبَ إلى العبد مَجازًا، وهو في الحقيقة مجبورٌ عليه؛ وليس له اختيار، كالرِّيشة في مهبِّ الرِّيح تحركها كيفما شاءت.
وهؤلاء هم الجهمية؛ أتباع جَهم بن صفوان، والمصنف لم يُسَمِّ الجهمية وحدهم؛ لأن الأشعرية كذلك معهم؛ لأن قول الأشعرية بالكسب في حقيقة الأمر هو نفس القول بالجَبْر.
ثم قال ﵀: «ويُخْرِجُونَ عن أفعالِ اللهِ وأحكامِه حِكَمَهَا ومَصَالِحَها»؛ فعندما يُسلب العبد من قدرته وإرادته فهذا يعني أنه خُلق بلا حكمة ولا مصلحة، وهو كقول المشركين: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وهذه ليست حجة؛ لأن الله جل وعلا قد جعل لهم إرادة وقدرة، فلا يجوز الاحتجاج
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٢/ ٣٢٤ - ٣٢٦).
[ ٢ / ١٩١ ]
بالقدر على المعاصي والقاعدة عند أهل السنة في ذلك: (الاحتجاج بالقدر على المصائب لا على المعائب)، أي: يُحتجُّ بالقدر على المصائب التي تُصيب الإنسان؛ لأنه مأمور أن يقول عند نزول القضاء: قدر الله وما شاء فعل؛ قال ﷺ: «وإن أصابَك شيءٌ فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قُلْ: قَدر الله وما شاء فعلَ؛ فإنَّ لو تفتح عمل الشيطان» (^١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ويُذكر أنَّ رجلًا سرق فقال لعمر: سَرقتُ بقضاءِ الله وقَدَرِه! فقال له: وأنا أقطعُ يدَك بقضاء الله وقَدَره» (^٢).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٦٦٤) من حديث أبي هريرة؟.
(٢) «منهاج السنة النبوية» (٣/ ٢٣٤).
[ ٢ / ١٩٢ ]
«ثم ذكر الخلاف في أهل الكبائر ومَسألة (الأسماء والأحكام)، وقال: قولنا: فيهم: إنهم مؤمنون على الإطلاق، وأمرهم إلى الله تعالى؛ إن شاء عَذَّبهم، وإن شاء عفا عنهم».
قال شيخُ الإسلام ابن تيمِيَّة ﵀: «وهم-أهل السُّنَّة-في باب الأسماء والأحكام والوَعْد والوَعِيد وسَطٌ بين الوَعِيدية الذين يَجعلون أهلَ الكبائر من المسلمين مُخلَّدين في النار، ويُخرجونهم من الإيمان بالكُليَّة، ويُكذِّبون بشفاعة النَّبي ﷺ.
وبين المُرْجِئة الذين يقولون: إيمان الفُسَّاق مثل إيمان الأنبياء، والأعمال الصَّالحات ليست من الدِّين والإيمان، ويُكذِّبون بالوعيد والعِقاب بالكُليَّة.
فيُؤمِن أهل السُّنَّة والجَمَاعَة بأن فُسَّاق المسلمين معهم بعضُ الإيمان وأصلُه، وليس معهم جميعُ الإيمان الواجِب الذي يَستوجبون به الجنة، وأنهم لا يُخلَّدون في النار؛ بل يَخرج منها من كان في قلبه مِثقالُ حبَّة من إيمان أو مِثْقال خَرْدَلة من إيمان، وأن النَّبي ﷺ ادَّخَر شفاعَتهُ لأهل الكبائِر من أمَّته» (^١).
فأهلُ السُّنَّة والجماعة لا يُوجِبون العذابَ في حقِّ كلِّ مَنْ أتى كبيرةً، ولا يَشهدون لمُسلم بعَيْنِه بالنار لأَجْلِ كبيرةٍ واحدة عَمِلَها، بل يجوزُ عندهم أن صاحِبَ الكبيرة يُدخِلُه اللهُ الجنةَ بلا عذابٍ؛ إما لحَسناتٍ تَمْحُو كبيرتَه منه أو من غيره، وإما لمَصائِبَ كفَّرَتْها عنه، وإما لدُعاءٍ مُستَجاب منه أو من غيره فيه، وإما لغير ذلك (^٢).
فهم بذلك قد توسطوا بين المفرطين من المرجئة الذين قالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وبين الوعيدية (الخوارج والمعتزلة)؛ فالخوارج يقولون: هو كافر في الدنيا، والمعتزلة يقولون: هو في منزلة بين المنزلتين، ويتفقون على أنه في الآخرة خالد مخلد في النار.
_________________
(١) «مَجموع الفَتاوى» (٣/ ٣٧٤ - ٣٧٥).
(٢) انظر «مَجموع الفَتاوى» (١٢/ ٤٧٩ - ٤٨٣).
[ ٢ / ١٩٣ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأهلُ السُّنَّةِ نَقاوةُ المسلمين، فهم خير الناس للناس» (^١)، وأسعدُ النَّاسِ بالحقِّ وأرحمهم بالخلق؛ فإنَّهم لم يُكَفِّروا أهلَ القِبْلَةِ بارتكابِ الكبائرِ، وإنَّما قالوا: مرتكب الكبيرة مؤمنٌ ناقصُ الإيمانِ، فهوَ مؤمنٌ بإيمانِهِ وفاسقٌ بمعصيتِهِ؛ فلم يُعطوهُ الإيمانَ المطلقَ، ولم يسلبوهُ مطلقَ الإيمانِ، ولم يَحكموا على الفاسقِ بأنَّهُ مُخَلَّدٌ في النارِ يومَ القيامةِ، بل قالوا: إنَّ مُرتكبي الكبائرِ من أهلِ القِبْلَةِ في مشيئةِ اللهِ يومَ القيامةِ؛ إن شاءَ عَفَا عنهم وأدخلَهُم الجنَّةَ بلا عذابٍ، وإن شاءَ عذَّبَهُم على قَدْرِ ذنوبِهِم، ثمَّ أدخلهمُ الجنَّةَ؛ كما قالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
قال الإمام القرطبي ﵀: «قال علماؤنا ﵏: الناس في الآخرة ثلاث طبقات: متقون لا كبائر لهم. ومخلطون وهم الذين يوافون بالفواحش والكبائر. والثالث: الكفار.
فأمَّا المتقون: فإن حسناتهم تُوضع في الكفة النيرة، وصغائرهم-إن كانت لهم الكفة الأخرى-فلا يجعل الله لتلك الصغائر وزنًا، وتثقل الكفة النيرة حتى لا تَبرح، وترتفع المظلمة ارتفاع الفارغ الخالي.
وأمَّا المخلطون فحسناتهم توضع في الكفة النيرة، وسيئاتهم في الكفة المظلمة، فيكون لكبائرهم ثقل، فإن كانت الحسنات أثقل ولو بصؤابة دخل الجنة، وإن كانت السيئات أثقل ولو بصؤابة دخل النار إلا أن يغفر الله، وإن تساويا كان من أصحاب الأعراف على ما يأتي، هذا إن كانت للكبائر فيما بينه وبين الله، وأما إن كانت عليه تبعات وكانت له حسنات كثيرة فإنه ينقص من ثواب حسناته بقدر جزاء السيئات؛ لكثرة ما عليه من التبعات؛ فيُحمل عليه مِنْ أوزار مَنْ ظلمه، ثم يُعَذَّب على الجميع. هذا ما تقتضيه الأخبارُ» (^٢).
_________________
(١) من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية عن أهل السنة، كما في «منهاج السنة» (٥/ ١٥٨).
(٢) «التذكرة» للقرطبي (ص ٣٦٠).
[ ٢ / ١٩٤ ]