فلا يخفى على المسلم أهمية الإيمان بالله، فهو أول أركان الإيمان، بل هو أعظمها، فما بقية الأركان إلا تَبَع له وفرع عنه، فهو أهم ما خُلق لها الخلق، وأُرسلت به الرسل، وأُنزلت به الكتب، وأُسِّست عليه الملة؛ فالإيمان بالله هو أساس كل خير، ومصدر كل هداية، وسبب كل فلاح، ذلك لأنَّ الإنسان لما كان مخلوقًا مَربوبًا عاد في علمه وعمله إلى خالقه وبارئه؛ فبه يهتدي، وله يعمل، وإليه يصير، فلا غِنى له عنه، وانصرافه إلى غيره هو عين هلاكه وفساده، والإنسان له بالله عن كل شيء عِوض، وليس لكل شيء عن الله عوض؛ فليس للعبد صلاح ولا فلاح إلا بمعرفة ربِّه وعبادته، فإذا حصل له ذلك فهو الغاية المرادة له والتي خُلق من أجلها، فما سوى ذلك إما فضل نافع، أو فُضول غير نافعة، أو فضول ضارة، ولهذا صارت دعوة الرسل لأممهم إلى الإيمان بالله وعبادته؛ فكل رسول يبدأ دعوته بذلك كما يُعلم من تَتبع دعوات الرسل في القرآن.
وملاك السعادة والنجاة والفوز يكون بتحقيق التوحيدين اللذين عليهما يقوم الإيمان بالله تعالى، وبتحقيقهما بَعث الله ﷾ رسوله ﷺ، وإليه دَعت الرسل-صلوات الله وسلامه عليهم-من أولهم إلى آخرهم.
_________________
(١) انظر سنن الترمذي برقم (٢٥١٦)، وقال عقبه: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، والإمام أحمد في المسند وَمِنْ مُسْنَدِ بَنِي هَاشِمٍ (٢٦٦٩)، قال الشيخ الالباني في المشكاة الجزء الثالث، صفحة (١٤٥٩): صحيح.
(٢) انظر مسند الإمام أحمد مِنْ مُسْنَدِ بَنِي هَاشِمٍ برقم (٢٨٠٣)، قال الشيخ شعيب الأرنؤوط في الجزء الخامس صفحة (١٩): حديث صحيح.
[ ١ / ٢٧ ]
وأحدهما: التوحيد العِلمي الخبري الاعتقادي المتضمن إثبات صفات الكمال لله تعالى، وتنزيهه فيها عن التشبيه والتمثيل، وتنزيهه عن صفات النقص.
قال الإمامُ ابنُ القَيِّم ﵀: «ولا ريبَ أنَّ العِلم به وبأسمائه وصفاته وأفعاله أَجَلُّ العلوم وأَفضلها، ونِسبته إلى سائر العلوم كنسبة معلومه إلى سائر المعلومات، وكما أنَّ العلمَ به أَجَلُّ العلوم وأشرفُها، فهو أصلها كلها، كما أنَّ كل موجود فهو مستند في وجوده إلى الملك الحق المبين ومفتقر اليه في تحقق ذاته وأينيته، وكل علم فهو تابع للعلم به مُفتقر في تحقق ذاته إليه، فالعلم به أصل كل علم، كما أنَّه- سبحانه- ربُّ كل شيء ومليكه ومُوجده …»، إلى أن قال: «فالعِلم بذاته- سبحانه- وصفاته وأفعاله يستلزم العلم بما سواه فهو- في ذاته- ربُّ كل شيء ومليكه، والعلم به أصل كل علم ومَنشؤه؛ فمَن عَرف الله عرف ما سواه، ومَن جهل ربَّه فهو لما سواه أجهل» (^١).
والنوع الثاني: عبادته وحده لا شريك له، وتجريد محبته والإخلاص له وخوفه ورجاؤه والتوكل عليه، والرضا به ربًّا وإلهًا ووليًّا، وأن لا يَجعل له عدلًا في شيء من الأشياء.
وقد جمع ﷾ هذين النوعين في سورتي الإخلاص، وهما سورة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ المتضمنة للتوحيد العملي الإرادي.
وسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ المتضمنة للتوحيد العلمي الخبري.
فسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فيها بيانُ ما يجب لله تعالى من صفات الكمال، وبيان ما يجب تنزيهه عنه من النقائص والأمثال.
وسورة ﴿يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ فيها إيجاب عبادته وحده لا شريك له، والتبري من عبادة كل ما سواه.
ولا يتمُّ أحدُ التوحيدين إلا بالآخر، ولهذا كان النبي ﷺ يقرأ بهاتين السورتين في سُنَّة الفجر والوتر والمغرب، وقد ورد كذلك في سُنَّة المغرب القراءة بهاتين السورتين (^٢)؛ ليكون فاتحة العمل وخاتمته توحيدًا؛ إذ مبدأ النهار توحيدًا وخاتمته
_________________
(١) «مفتاح دار السعادة» (١/ ٨٦)، دار الكتب العلمية-بيروت.
(٢) قد ثبت في «صحيح مسلم» (٧٢٦) عن أبي هريرة ﵁: «أنَّ رسول الله ﷺ قَرَأَ فِي رَكعَتَي الفَجرِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و﴿يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾». وأخرج الترمذي (٤٦٢) عن ابن عباس ﵄، قال: «كان النبي ﷺ يقرأ في الوتر: ب ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، و﴿؟؟؟﴾، و﴿يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ في ركعة ركعة»، وأخرجه الدارمي بنحوه (١٦٣٠)، وصححه الألباني في «صلاة التراويح» (ص ١٠٨). وأخرج النسائي (٩٢٢) عن ابن عمر ﵁ قال: «رَمَقتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عِشرين مَرَّةً يقرأ في الرَّكعَتَينِ بعد المغرب، وفي الرَّكعَتَين قبل الفجرِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، و﴿يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وقال النووي في «المجموع» (٣/ ٣٨٥): «إسناده جيد»، وصححه الشيخ أحمد شاكر في «تحقيق المسند» (٨/ ٨٩)، والألباني في «السلسلة الصحيحة» (٣٣٢٨).
[ ١ / ٢٨ ]
توحيدًا (^١).
فالتوحيد المطلوب من العبد شَطره هو توحيد الأسماء والصفات.