تتحدد دلالة اسم "الإيمان" بحسب سياق الكلام الذي تستعمل فيه هذه اللفظة فلفظ "الإيمان" إما أن يستعمل:
أ-مطلقا: أي يذكر مطلقا عن لفظ "العمل" و"الإسلام".
٢ - أو مقيدا: فتارة يقرن بالعمل الصالح، وتارة يقرن بالإسلام.
_________________
(١) كتاب الإيمان (ص ١٦٣).
(٢) الذين خالفوا السلف في مسمى الإيمان هم: أ-المرجئة بطوائفهم الخمس: ا-الجهمية: وقالوا الإيمان هو معرفة القلب فقط: أي المعرفة الفطرية التي هي المعرفة بربوبية الله.
(٣) الأشاعرة: وقالوا الإيمان هو التصديق فقط أي التصديق بما جاء به النبي ﷺ من عند الله.
(٤) الماتريدية: وقولهم في الإيمان مثل قول الأشاعرة.
(٥) الكرامية: قالوا الإيمان قول باللسان فقط.
(٦) مرجئة الأحناف (أو مرجئة الفقهاء) قالوا: الإيمان قول باللسان وتصديق بالجنان. وهو قول الكلابية. وكل هذه الطوائف الخمسة أخرجت العمل عن الإيمان. ب-الخوارج: قالوا الإيمان قول واعتقاد وعمل ولكنهم يكفرون من أخل بشيء من هذه الثلاثة ويقولون بأنه كافر في الدنيا وفي الآخرة خالد في النار. ج-المعتزلة: وقالوا بقول الخوارج إلا أنهم يقولون إنه في الدنيا في منزلة بين منزلتين بمعنى أنه ليس بمؤمن ولا كافر، واتفقوا معهم في باقي الأمور. انظر تفاصيل هذه الأقوال: في كتاب الإيمان لابن تيمية، والجزء السابع من مجموع الفتاوى، وشرح العقيدة الطحاوية (ص ٣٧٣ - ٣٩٢) وكتاب النبوات (ص ١٩٩).
[ ٢ / ٢٠٠ ]
فإذا استعمل مطلقا: "فجميع ما يحبه الله ورسوله من أقوال العبد وأعماله الباطنة والظاهرة، يدخل في مسمى الإيمان عند عامة السلف والأئمة-من الصحابة والتابعين وتابعيهم-الذين يجعلون الإيمان قولا وعملا، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ويدخلون جميع الطاعات-فرضها ونفلها-في مسماه" (^١).
ويلاحظ هنا أن لفظ "الإيمان" على هذا الاستعمال يكون مرادفا للفظ "العبادة" والعبادة كما هو معروف هي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة.
ومن استعمال الشارع للفظ الإيمان بهذا المعنى ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: الإيمان بضع وسبعون شعبة أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" (^٢).
فالإيمان في هذا الحديث شمل جميع أمور الدين بما في ذلك أمور الإسلام. ومن هذا الاستعمال أيضا ما جاء في حديث عبد الله بن عباس ﵄: أن وفد عبد القيس لما أتوا النبي ﷺ أمرهم بأربع ونهاهم عن أربع: "أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟، قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم خمس … " الحديث (^٣).
فلفظ الإيمان استعمل في الحديث مطلقا فدخل فيه الأمور الظاهرة مع أنها من أمور الإسلام كما جاء في حديث جبريل المشهور.
وأما إذا استعمل اسم الإيمان مقيدا كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ البقرة الآية (٧٧)، وقوله ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ يونس الآية (٦٣).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٧/ ٦٤٢).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه واللفظ له: كتاب الإيمان، باب أداء الخمس من الإيمان. انظر: فتح الباري (١/ ١٢٩) ح ٥٣، وأخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان، باب الأمر بالإيمان بالله ورسوله وشرائع الدين والدعاء إليه (١/ ٣٥ - ٣٦).
(٣) أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان، باب الإيمان ما هو وبيان خصاله (١/ ٢٩). والحديث أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل بلفظ: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته، ولقائه، ورسله، وتؤمن بالبعث". انظر: فتح الباري (١/ ١١٤)، ح ٥٠.
[ ٢ / ٢٠١ ]
وقول النبي ﷺ في حديث جبريل المشهور: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره " (^١).
فهنا قد يقال: إنه متناول لذلك وإن عطف ذلك عليه من باب عطف الخاص على العام كقوله تعالى: ﴿وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ البقرة الآية (٩٨)، وقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَم﴾ الأحزاب الآية (٧).
وقد يقال إن دلالة الاسم تنوعت بالإفراد والاقتران كلفظ الفقير والمسكين، فإن أحدهما إذا أفرد تناول الآخر، وإذا جمع بينهما كانا صنفين: كما في آية الصدقة، ولا ريب أن فروع الإيمان مع أصوله كالمعطوفين، وهي مع جميعه كالبعض مع الكل" (^٢).
قلت: إن القول بأن عطف ذلك عليه من باب عطف الخاص على العام ينطبق على الآية وهي قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ البقرة الآية (٧٧)، وقوله تعالى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ يونس الآية (٦٣).
والقول بأن دلالة الاسم تنوعت بالإفراد والاقتران ينطبق على حديث جبريل حيث ذكر الإسلام والإيمان فأصبح كل واحد منهما يختص بأمور معينة فالإسلام اختص بالأمور الظاهرية، والإيمان اختص بالأمور الاعتقادية الباطنية.
"فلفظ الإسلام والإيمان إذا أفرد كل واحد من الاسمين دخل في مسمى الآخر إما تضمنا وإما لزوما، ودخوله فيه تضمنا أظهر، وكون أحدهما لا يدخل في الآخر عند الاقتران لا يدل على أنه لا يدخل فيه عند انفراد الآخر، وهذه قاعدة جليلة من أحاط بها زالت عنه إشكالات كثيرة أشكلت على كثير من الناس" (^٣).
خلاصة القول:
إن اسم الإيمان إذا أفرد: تناول جميع أمور الدين الظاهرة والباطنة كما في حديث الشعب.
وإذا اقترن اسم الإيمان مع الإسلام دل الإيمان على الأمور الباطنة ودل الإسلام
_________________
(١) أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان، باب الإيمان ما هو وبيان خصاله (١/ ٢٩). والحديث أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل بلفظ: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته، ولقائه، ورسله، وتؤمن بالبعث". انظر: فتح الباري (١/ ١١٤)، ح ٥٠.
(٢) مجموع الفتاوى ٧/ ٦٤٨.
(٣) مجموع الفتاوى (٧/ ٦٤٧ - ٦٤٨).
[ ٢ / ٢٠٢ ]
على أمور الدين الظاهرة كما في حديث جبريل.
وإذا اقترن العمل مع الإيمان: فهو من باب عطف الخاص على العام (^١) كما في قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.