قرر أهل العلم أن المسائل التي يقع الخلاف فيها ليست على درجة واحدة.
القسم الأول: فثمة مسائل لا يسوغ الخلاف فيها لصراحة أدلتها واتفاق السلف عليها وتسمى المسائل الخلافية، وهذا النوع من المخالفة ينكر فيه القول، ويضلل فيه المخالف، وقد يبدع حسب ضوابط شرعية، وقواعد مرعية.
والقسم الآخر: هي المسائل التي يسوغ الخلاف فيها لتعارض أدلتها فيما يظهر للمجتهد أو لوقوع الخلاف فيها بين السلف الصالح وتسمى المسائل الاجتهادية.
والأصل في مسائل المعتقد أنها من قبيل المسائل الخلافية بخلاف المسائل الفقهية العملية، فالأصل أنها من المسائل الاجتهادية.
قال ابن تيمية: (قولهم: ومسائل الخلاف لا إنكار فيها ليس بصحيح، فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول بالحكم أو العمل:
أما الأول: فإن كان القول يخالف سنة أو إجماعًا قديمًا وجب إنكاره وفاقًا، وإن
_________________
(١) المجموع للنووي (٨/ ٢٠٣)، الأذكار له (ص ١٦٠)، الاعتصام (١/ ١٣٥)، وأخرجه مسندًا بنحوه ابن عساكر في تبيين كذب المفتري (ص ٣٣١)، وعزاه النووي في (التبيان ص ١١٥) للحاكم.
(٢) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد (١٧/ ٤٢٩).
(٣) أخرجه اللالكائي (رقم ١٩).
(٤) المعجم لابن الأعرابي (٤٣١)
[ ٢ / ١٥٢ ]
لم يكن كذلك فإنه ينكر بمعنى بيان ضعفه عند من يقول: المصيب واحد وهم عامة السلف والفقهاء، وأما العمل إذا كان على خلاف سنة أو إجماع وجب إنكاره أيضا بحسب درجات الإنكار كما ذكرنا من حديث شارب النبيذ المختلف فيه وكما ينقض حكم الحاكم إذا خالف سنة وإن كان قد اتبع بعض العلماء.
(والثاني): وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع وللاجتهاد فيه مساغ فلا ينكر على من عمل بها مجتهدًا أو مقلدًا، وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد كما اعتقد ذلك طوائف من الناس، والصواب الذي عليه الأئمة أن مسائل الاجتهاد مالم يكن فيها دليل يوجب العمل به وجوبًا ظاهرًا مثل حديث صحيح لا معارض له من جنسه فيسوغ إذا عدم ذلك الاجتهاد لتعارض الأدلة المقاربة أو لخفاء الأدلة فيها" (^١)
وقال ابن قيم الجوزية: "وهذا يرد قول من قال: لا إنكار في المسائل المختلف فيها، وهذا خلاف إجماع الأئمة … -إلى أن قال-: وقولهم: (إن مسائل الخلاف لا إنكار فيها). ليس بصحيح؛ فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول والفتوى أو العمل،
أما الأول: فإذا كان القول يخالف سنة أو إجماعًا وجب إنكاره اتفاقًا وإن لم يكن كذلك فإن بيان ضعفه ومخالفته للدليل إنكار مثله، وأما العمل فإذا كان على خلاف سنة أو إجماع وجب إنكاره بحسب درجات الإنكار، وكيف يقول فقيه: لا إنكار في المسائل المختلف فيها، والفقهاء من سائر الطوائف قد صرحوا بنقض حكم الحاكم إذا خالف كتابًا أو سنة وإن كان قد وافق فيه بعض العلماء.
وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع وللاجتهاد فيها مساغ لم ينكر على من عمل بها مجتهدًا أو مقلدًا، وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد كما اعتقد ذلك طوائف من الناس ممن ليس لهم تحقيق في العلم". (^٢)
_________________
(١) بيان الدليل على بطلان التحليل «ص ٢١٠ - ٢١١»، ونقله ابن مفلح في الآداب الشرعية «١/ ١٩١».
(٢) إعلام الموقعين «٥/ ٢٤٢ - ٢٤٣». وبنحو قولهما قال السمعاني في «قواطع الأدلة ٥/ ٦٢»، والنووي في «شرح مسلم ٢/ ٢٣».
[ ٢ / ١٥٣ ]