والمقصود بهم الهشامية (^٢) من الروافض، والكرامية (^٣)، وغيرهم.
وهؤلاء يثبتون استواء الله وارتفاعه فوق عرشه، إلا أنهم تعمقوا في الكلام على كيفية ذلك الاستواء.
فالهشامية مثلًا يقولون: إن الله تعالى مماس لعرشه لا يفضل منه شيء في العرش ولا يفضل عن العرش شيء منه (^٤).
_________________
(١) الفتوى الحموية (ص ٢٥).
(٢) هم أصحاب هشام بن عبد الحكم الرافضي من الإمامية، وتنسب إليه وإلى هشام بن سالم الجواليقي أحيانا، من الإمامية المشبهة. انظر المقالات (١/ ٣١ - ٣٤)، الملل والنحل (١/ ١٤٤ - ١٤٧).
(٣) هم أصحاب محمد بن كرام وهم طوائف يبلغ عددهم اثنتي عشرة فرقة وأصولها ستة هي: العابدية، والنونية، والزرينية، والإسحاقية، والواحدية، وأقربهم الهيصمية. انظر الملل والنحل (١/ ١٤٤ - ١٤٧).
(٤) الملل والنحل (٢/ ٢٢).
[ ٢ / ٤٧ ]
وأما الكرامية فقد تعددت أقوالهم في كيفية استوائه:
فمنهم من يقول: إنه على بعض أجزاء العرش.
ومنهم من يقول: إن العرش مكان له وإن العرش امتلأ به.
ومنهم من يقول: إنه لو خلق بإزاء العرش عروشًا موازية لعرشه لصارت العروش كلها مكانًا له لأنه أكبر منها كلها.
ومنهم من يقول: إن بينه وبين العرش من البعد والمسافة ما لو قدر مشغولا بالجواهر لاتصلت به (^١).
وقول هؤلاء المشبهة إنما هو نتيجة لازمة لأقوالهم في صفات الله وكلامهم في ذاته.
فالهشامية يقولون: "إن الله جسم ذو أبعاض له قدر من الأقدار، ولكن لا يشبه شيئًا من المخلوقات، ولا يشبهه شيء".
ونقل عنهم أنهم قالوا إنه سبعة أشبار بشبر نفسه، وإن له مكانًا مخصوصًا ووجهة مخصوصة وإنه يتحرك وحركته فعله، وليست من مكان إلى مكان وهو متناه بالذات غير متناه بالقدرة، وإنه مماس لعرشه ولا يفضل منه شيء من العرش ولا يفضل عن العرش شيء منه" (^٢).
وأما الكرامية فيقول ابن كرام: "إن معبوده مستقر على العرش استقرارًا وإنه بجهة فوقَ ذاتًا وإنه أُحدي الذات أُحدي الجوهر وإنه مماس للعرش من الصفحة العليا".
ولهم في معنى العظم خلاف فقال بعضهم: "إنه مع وحدته على جميع أجزاء العرش والعرش تحته وهو فوقه كله على الوجه الذي هو فوق جزء منه".
وقال بعضهم: "أنه يلاقى مع وحدته من جهة واحدة أكثر من واحد، وهو يلاقى جميع أجزاء العرش وهو العلي العظيم".
وقالت المهاجرية منهم: إنه لا يزيد على عرشه في جهة المماسة ولا يفضل منه شيء على العرش، وهذا يقتضي أن يكون عرضه كعرض العرش.
وصار المتأخرون منهم إلى أنه تعالى بجهة فوق وأنه محاذ للعرش" (^٣).
الرد عليهم:
هذا القول للمشبهة يتضمن حقًا وباطلًا.
_________________
(١) الملل والنحل (١/ ١٤٤ - ١٤٧).
(٢) المصدر السابق (٢/ ٢٢).
(٣) انظر كتاب التجسيم عند المسلمين (ص ٢٠٥).
[ ٢ / ٤٨ ]
فالحق فيه هو: اعترافهم بعلو الله واستوائه على عرشه وأنه بائن من خلقه والخلق بائنون عنه.
وأما الباطل فهو: كلامهم في ذات الله والتعرض لكيفية استوائه، وهو كلام باطل وفاسد ليس لهم به دليل من القرآن أو السنة، بل هو قول على الله بغير علم فالله ﷾ لم يطلعنا على كيفية ذاته فأنّى لنا أن نعلم كيفية صفاته، وأمر الكيفية هو مما استأثر الله بعلمه قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء﴾ [البقرة ٢٥٥].
ومما يدلنا على فساد هذا القول وعدم وجود دليل لأصحابه على ما يقولون هو اختلاف آرائهم وأقوالهم عند الحديث عن ذات الله وكيفية استواءه. فمن خلال عرض أقوالهم يتضح اختلافهم وتناقضهم، وما ذاك إلا لأنّهم يفترون على الله الكذب قال تعالى ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢].
والسؤال الذي ينبغي أن يوجه إلى هؤلاء المشبهة في هذا المقام هو: أين الدليل من الكتاب أو السنة على ما تزعمون؟
والجواب معروف وهو أنه لا دليل لهم على ذلك لا من القرآن ولا من السنة.
ومما ينبغي معرفته أن الكلام على كيفية ذات الله أو كيفية استوائه أو غيرها من الصفات هو أمر غير جائز عند السلف ويحرم الخوض فيه بل يبدعون السائل عن ذلك، ولذلك بدع الإمام مالك السائل الذي سأله عن كيفية استواء الباري ﷿، حيث قال له: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، والإيمان به واجب، وما أراك إلا رجل سوء، وأمر بإخراجه)، وما قاله الإمام مالك هو الذي جاءت به النصوص وهو الذي سار عليه السلف جميعًا.
ومما ينبغي معرفته أن السلف مع إثباتهم لمعنى الاستواء واعتقادهم بأن الله مستو على عرشه ومرتفع عليه، إلا أنهم يكلون علم كيفية ذلك الاستواء إلى الله ﷿ لأن أمره هو مما استأثر الله بعلمه. وفي ذلك يقول القرطبي: "ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته كما قال الإمام مالك: (الاستواء معلوم-يعني في اللغة-والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة") (^١).
وقال ابن القيم: "إن العقل قد يئس من تعرف كنه صفات الله وكيفيتها، فإنه لا
_________________
(١) تفسير القرطبي.
[ ٢ / ٤٩ ]
يعلم كيف الله إلا الله. وهذا معنى قول السلف (بلا كيف)، أي: بلا كيف يعقله البشر، فإنه من لا تعلم حقيقة ذاته وماهيته، كيف تعرف كيفية نعوته وصفاته؟ ولا يقدح ذلك في الإيمان بها، ومعرفة معانيها، فالكيفية وراء ذلك. كما أنا نعرف معاني ما أخبر الله به من حقائق ما في اليوم الآخر، ولا نعرف كيفيتها مع قرب ما بين المخلوق والمخلوق، فعجزنا من معرفة كيفية الخالق وصفاته أعظم وأعظم" (^١).
_________________
(١) مدارج السالكين (٣/ ٣٥٩).
[ ٢ / ٥٠ ]
(١٢٦) «وقال الإمام العارف معمر بن أحمد الأصبهاني-شيخ الصوفية في حدود المائة الرابعة في بلاده-قال: أحببتُ أن أُوصي أصحابي بوصية من السُّنَّة، وموعظة من الحكمة، وأجمع ما كان عليه أهل الحديث والأثر، وأهل المعرفة والتصوف من المتقدمين والمتأخرين».
معمر بن أحمد الأصبهاني شيخ الصوفية، والصوفية قد مرت بمراحل؛ فكان أولها زهد وتجرد ولزومٌ لعقيدة أهل السنة؛ ولو قرأت في «الغنية لطالبي طريق الحق ﷿» لعبد القادر الجيلاني، أو في غيرها من كتب الصوفية للمتقدمين، تجد أن كلامهم في الاعتقاد هو نفس كلام السلف من أهل السنة، ولكن بعد ذلك صار فيهم ما صار من الانحراف والبعد عن المنهج الحق؛ بسبب ما دخل عليهم من الجهل.
وترك العلم الصحيح أدى بهؤلاء وغيرهم إلى الانحراف والشطط الذي عليه البعض الآن؛ لأن الإنسان إنما يهتدي بالعلم وبالنور، الذي جعله الله ﷾ طريقًا للهداية.
أمَّا إذا ترك الإنسان العلم فهذا أضر ما يكون عليه؛ لأن ترك العلم معناه الجهل، والجهل يُصيب الإنسان في العلم والعمل؛ فأصيب الصوفية بترك العلم، وهذا شيء خطير؛ لأن منهج أهل السنة يقوم على العلم والعمل معًا.
وأهل السنة في هذا الأمر يقابلهم فئتان: أهل الكلام وأهل التصوف.
فأهل السنة منهجهم يقوم على العلم والعمل معًا، فالعلم وحده لا يكفي لكي يكون العبد من أهل السنة؛ فلا يعتقدن بعض طلبة العلم أنه بمجرد ما فهم مسائل اعتقاد أهل السنة أن هذا يكفيه ويُغنيه عن العمل! فهو بهذا يكون قد حاد عن منهج أهل السنة، وهذا للأسف أمر يقع فيه بعض طلبة العلم؛ حيث تراه عارفًا بالمسائل ومدركًا لها، ويجيب فيها الجواب الصحيح، لكن تنظر له من ناحية العمل تجد أن عنده تقصيرًا فيه.
فهذا واقع وملموس، وهذا للأسف انحراف، ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن
[ ٢ / ٥١ ]
تيمية: «من دعا إلى العلم دون العمل المأمور به كان مضلًّا، ومَن دعا إلى العمل دون العلم كان مضلًّا، وأضل منهما مَنْ سلك في العلم طريق أهل البدع؛ فيتبع أمورًا تُخالف الكتاب والسنة يظنها علومًا وهي جهالات. وكذلك مَنْ سلك في العبادة طريق أهل البدع؛ فيعمل أعمالًا تُخالف الأعمال المشروعة يظنها عبادات، وهي ضلالات. فهذا وهذا كثير في المنحرف المنتسب إلى فقه أو فقر. يجتمع فيه أنه يدعو إلى العلم دون العمل، والعمل دون العلم، ويكون ما يدعو إليه فيه بدع تخالف الشريعة.
وطريق اللّه لا تتم إلا بعلم وعمل، يكون كلاهما موافقًا الشريعة.
فالسالك طريق الفقر والتصوف والزهد والعبادة إن لم يَسلك بعلم يُوافق الشريعة، وإلَّا كان ضالًّا عن الطريق، وكان ما يُفسده أكثر مما يصلحه. والسالك من الفقه والعلم والنظر والكلام إن لم يُتابع الشريعة ويَعمل بعلمه وإلَّا كان فاجرًا ضالًّا عن الطريق. فهذا هو الأصل الذي يجب اعتماده على كل مسلم» (^١).
فمن كان عنده علم بدون عمل ففيه شَبَهٌ بأهل الكلام؛ لأنهم اهتموا بالعلم وامتدحوه وأهملوا العمل، وجاء الصوفية في المقابل؛ فاهتموا بالعمل وامتدحوا وأهملوا العلم.
فهذه القسمة مهمة لطالب العلم جدًّا؛ لأنها أشبه بجناحي الطائر، فإذا أردت أن تكون سُنِّيًا سلفيًّا فلا غنى لك عن هذين الجناحين: (العلم والعمل).
ولذلك حمل الإمام أحمد رحمه الله تعالى على الحارث المحاسبي؛ حيث وجده مهتمًّا بالكلام في محاسبة النفس وأخذها بالشدة وسلوك طريق التقشف التي لم يَرد بها الشرع مُتَقَلِّلًا من شأن العلم النافع (الكتاب والسنة).
ومنهج أهل السنة يرفض ذلك رفضًا تامًّا، فأهل السنة يقولون: لا بد من العلم والعمل معًا، وينبغي أن يكون كلٌّ من العلم والعمل مبنيًّا على الكتاب والسنة، فينبغي أخذ العلم من الكتاب والسنة، وينبغي كذلك أخذ العمل من الكتاب والسنة.
فأهل الكلام اهتموا بالعلم فقط، وأهملوا العمل، ولذلك إذا قرأت في كتبهم تجد التركيز على القضايا العلمية (النظرية)، ولا تجد فيها ذكرًا لجانب العمل.
ولذلك تلمس الآن في واقعهم: أنَّ الأشعرية منهم بحاجة ماسة إلى العمل؛
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (١١/ ١١، ١٢).
[ ٢ / ٥٢ ]
فيلجأون إلى الصوفية؛ فيضمون إلى باطلهم باطلًا آخر؛ لأن علمهم لم ينبنِ على الكتاب والسنة.
وهذا أوقعهم في تخبط شديد، حتى إن الشيطان دخل عليهم من هذا الباب، وخيَّل لهم أنهم يرون الله، وأنه يُكشف لهم الحجاب، وغير ذلك من أباطيلهم وترهاتهم.
ولذلك نحذر طلبة العلم-الذين يحرصون على اتباع منهج السلف-من إهمال جانب العمل، ونعم، نرى في الكثير من طلبة العلم حرصًا على طلب العلم وتحصيله وجمعه، ولكنهم في العمل على حال بعض أهل الكلام، وبالتالي نذكرهم بقول شيخ الإسلام: «إن مَنْ كان فيه ترك للعمل ففيه شبه بأهل الكلام» (^١). وليس هذا من منهج أهل السنة، وإنما منهج أهل السنة هو (العلم والعمل) معًا؛ لأن العلم حجة على صاحبه إذا لم يَعمل به.
وقد ثبت في الحديث الصَّحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنَّ أول الناس يُقضى يوم القيامة عليه رجلٌ استشهد فأُتيَ به فعرَّفه نعمَه فعَرَفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كَذَبت، ولكنك قاتلت لأن يُقال: هو جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسُحبَ على وجهه حتى ألقي في النار. ورجلٌ تعلَّم العلم وعلَّمه وقرأ القرآن فَأُتِي به فعرَّفه نعمَه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تَعَلَّمت العلم وعَلَّمْتُه وقرأت فيك القرآن. قال: كذبت، ولكنك تعلمت ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل. ثم أمر به فسُحبَ على وجهه حتى ألقي في النار. ورجلٌ وَسَّع الله عليه وأعطاه من أصناف المال فَأُتِي به فعَرَّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تُحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك. قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسُحبَ على وجهه ثم ألقي في النار» (^٢).
فإذا كان هدفك من تحصيل العلم أن تَجعله مجرد أداة تتحصل بها على متاع الدنيا؛ كمنصب أو منزلة أو مال دون أن تعمل بما علمت، فلا بد أن هناك خللًا في النية وبعدًا عن منهج أهل السنة والجماعة.
فالصوفية في بدايتها كانت زُهدًا وتجردًا، ولكن بسبب الميل إلى جانب العمل
_________________
(١) انظر كتاب درء تعارض العقل والنقل الجزء الثامن صفحة (٧٠).
(٢) رواه مسلم (١٩٠٥).
[ ٢ / ٥٣ ]
والتقليل من جانب العلم، نتج عن ذلك ظهور فئة منهم عندهم جهل، ثم تبع ذلك انحراف عن معتقد أهل السنة، إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم، فترى المتصوفة ليسوا من أهل علم، ولا عندهم حرص عليه.
وتجد أن ما عندهم من أذكار وأوراد يقدمونها على كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ، وترى من حرصهم على التربية أنهم يهملون جانب العلم تمامًا، فبالتالي نتج عن ذلك التخبط الذي وقعوا فيه.
[ ٢ / ٥٤ ]
«قال فيها: وإن الله استوى على عرشه بلا كيف، ولا تَشبيه، ولا تأويل، والاستواء معقول، والكيف فيه مجهول، وأنه ﷿ مُستو على عرشه بائن من خلقه، والخلق منه بائنون، بلا حلول، ولا ممازجة، ولا اختلاط، ولا ملاصقة؛ لأنه المنفرد البائن من الخلق، الواحد الغني عن الخلق». (^١)
فهذا الأصبهاني من شيوخ الصوفية في حدود المائة الرابعة أوصى أصحابه بهذه الوصية، ومن هذه الوصية إثبات عقيدة أهل السنة والجماعة في مسائل الاستواء على العرش.
فهذه أمور واضحة قرر فيها عقيدة أهل السنة والجماعة في مسألة العلو والاستواء وقد سبق تقريرها في بداية الشرح.
_________________
(١) انظر: «الحجة في بيان المحجة» (١/ ٢٤٨).
[ ٢ / ٥٥ ]
«وإنَّ الله ﷿ سميع، بصير، عليم، خبير، يتكلم، ويرضى، ويسخط، ويضحك، ويعجب، ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكًا (^١)، وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف شاء: «فيقول: هل مِنْ داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل مِنْ تائب فأتوب عليه؟ حتى يطلع الفجر» (^٢).
ونزول الربِّ إلى السماء بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل؛ فمن أنكر النزول أو تأول فهو مبتدع ضال، وسائر الصفوة من العارفين على هذا» (^٣).
ثم بعد ذلك ذكر جملة من الصفات منها السمع، والبصر، والعلم، والخبرة، والكلام، والرضى، والسخط، والضحك، والعجب، والتجلي، والنزول، وقرَّر عقيدة أهل السنة في هذه المسائل.
والأصبهاني ليس وحده في هذا، حتى عبد القادر الجيلاني في كتابه «الغنية»، يقرر-أيضًا-هذه العقيدة، وسينقل عنه شيخ الإسلام بعد ذلك، وهكذا-أيضًا-وأبو إسماعيل الهروي صاحب «منازل السائرين» يقرِّر هذه العقيدة.
فقديمًا كانت مسائل الاعتقاد واضحة عند الصوفية المتقدمين، وكانوا على الطريق المستقيم فيها، وإن وجد بعض الخلل في النواحي الأخرى، لكن كانت أمور الاعتقاد العلمية صافيةً إلى أن اختلط الحابل بالنابل، وأصبحت الآن الصوفية شريكة الأشعرية أو شريكة الماتريدية، وأصبح لا يستغني أحدهما عن الآخر، وقامت مدارس ومعاهد تقرر معتقد الأشعرية؛ وترى أحدهم يقول: أنا أشعري العقيدة نقشبندي الطريقة، أو رفاعي الطريقة، أو أحمدي الطريقة، أو شاذلي الطريقة، إلى غير ذلك من الطرق التي لا حَصر لها ولا عدد.
وهذا يؤكد البعد عن الكتاب والسنة؛ مصداقًا لقوله ﷾: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].
_________________
(١) «الحجة في بيان المحجة» (١/ ٢٤٩).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (٦/ ٢٥٦، ٢٥٧)، و«مجموع الفتاوى» (٥/ ١٩١)، و«اجتماع الجيوش» لابن القيم (ص ٢٧٦)، و«العلو» للذهبي (ص ١٧٧).
[ ٢ / ٥٦ ]
(١٢٧) «وقال الشيخ الإمام أبو بكر؛ أحمد بن محمد بن هارون الخَلَّال في كتاب «السنة»: حدثنا أبو بكر الأثرم، حدثنا إبراهيم بن الحارث-يعني العبادي-حدثنا الليث بن يحيى، قال: سمعت إبراهيم بن الأشعث، قال أبو بكر-وهو صاحب الفُضَيْل-قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: «ليس لنا أن نتوهم في الله كيف هو؛ لأن الله تعالى وصف نفسه فأبلغ، فقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١ - ٤]، فلا صفة أبلغ مما وصف به نفسه.
وكل هذا النزول، والضحك، وهذه المباهاة (^١)، وهذا الاطلاع (^٢)، كما يشاء أن ينزل، وكما يشاء أن يباهي، وكما يشاء أن يضحك، وكما يشاء أن يَطَّلع؛ فليس لنا أن نتوهَّم كيف وكيف. فإذا قال الجهمي: أنا أكفر بربٍّ يزول عن مكانه. فقل: بل أؤمن بربٍّ يَفعل ما يشاء».
ونقل هذا عن الفضيل جماعة، منهم البخاري في «خلق أفعال العباد» (^٣).
ونقله شيخ الإسلام (^٤) بإسناده في كتابه «الفاروق» فقال: حدثني يحيي بن عمار، ثنا أبي، ثنا يوسف بن يعقوب، ثنا حَرَميّ بن علي البخاري، وهانئ بن النضر، عن الفضيل».
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) كما في حديث عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ: «ما مِنْ يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنَّه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة؛ فيقول: ماذا أراد هؤلاء؟». رواه مسلم (١٣٤٨).
(٢) كما في حديث حاطب بن أبي بلتعة ﵁، وفيه: فقال عمر بن الخطاب ﵁: «دعني يا رسول الله، أضرب عنقه-أي: حاطب-فقال رسول الله ﷺ: «إنَّه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله ﷿ اطَّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم». رواه البخاري (٤٨٩٠)، ومسلم (٢٤٩٤).
(٣) وقد نقل البخاري الجزء الأخير من ذلك من قوله: «فإذا قال لك الجهمي …»، ورواه عنه معلقًا. انظر: «خلق أفعال العباد» (ص ٣٦). ورواه اللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» (٢/ ٤٥٢)، وأبو إسماعيل الصابوني في «عقيدة السلف» (ص ٥٠).
(٤) أي: أبو إسماعيل الهروي.
[ ٢ / ٥٧ ]
هذا نقلٌ عن الفضيل بن عياض في مسألة الكيفية، وقد علمنا أن من معتقد أهل السنة والجماعة عدمَ الخوض في الكيفية، وقد قَعَّد الإمام قاعدةً في هذا فقال: «ليس لنا أن نتوهم في الله كيف هو؛ لأن الله تعالى وصف نفسه فأبلغ، فقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١ - ٤]، فلا صفة أبلغ مما وصف به نفسه».
فلا يجوز للإنسان أن يخوض في الكيفية؛ لا بفكره ولا بخواطره ولا بلسانه، ولا حتى بمجرد السؤال عن ذلك؛ باعتبار أن هذا الأمر أمرٌ قد غَيَّبه الله ﷾ عن عباده، وقد قال جل وعلا: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، والله ﷿ لم يُطْلِعِ الخلقَ على كيفية ذاته؛ قال ﷻ: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]، وقال ﷿: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
فلذلك مِنْ وصية الفضيل بن عياض هنا أن قال: «ليس لنا أن نتوهم في الله كيف هو» (^١)، أي: أنه ليس لواحد منا أن يَخوض في هذه المسألة بفكره أو برأيه، فينبغي على الإنسان أن يُوصد هذا الباب؛ لأن أيَّ كلام فيه يُعَدُّ من التقوُّل على الله ﷿ بغير علم، وقد قال ﷿: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣].
فلا يجوز التقوُّل على الله ﷿ بغير علم، وهذه قاعدة من قواعد أهل السنة والجماعة: أنه ليس لقائل ولا لطالب علم ولا لخائض في هذه المسائل: أن يتحدث عن أمر الكيف، وإذا خطر للإنسان خاطر في ذلك، فعليه أن يَرُدَّ هذا الخاطر إلى النصوص، وأن يقف عند الحد الذي أوقفنا الله ﷿ عنده.
والمؤمن يَمتثل قول الله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، فأمرٌ لا عِلم لك به، لا يجوز لك أن تَدخل فيه بأي حال من الأحوال.
وعلَّل الفضيل بن عياض ذلك فقال: «لأنَّ الله تعالى وصف نفسه فأبلغ فقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤: ١]».
_________________
(١) وانظر: «مجموع الفتاوى» (٥/ ٦٢).
[ ٢ / ٥٨ ]
والشاهد من هذه السورة: قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، فمعلوم أن الشيء إنما تُعْلَم كيفيته من وجوه:
الأول: برؤيته ومشاهدته، فالإنسان متى ما شاهد الشيء ورآه استطاع أن يصفه، وهذا كما نعلم جميعًا أنه في حق الله تعالى مُمتنع، وحديث النبي ﷺ واضح في ذلك حيث قال للصحابة رضوان الله عليهم: «تَعَلَّمُوا؛ أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ ﷿ حَتَّى يَمُوتَ» (^١)، فإذًا فباب رؤية الله تعالى والاطلاع على كيفية ذاته-مَوصود إلى قيام الساعة.
الثاني: وجود النظير المماثل أو المساوي للشيء؛ فأنت إذا رأيت شخصًا، ثم رأيت من يشبهه قلت: هما في الهيئة والشكل سواء، ولذلك قال الله ﷾: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، ومعنى الكفو أو الكفؤ على القراءة الأخرى المتواترة: هو المَثيل والشبيه والنظير. فإذًا ليس هناك مثيلٌ لله حتى نقيس الله ﷾ عليه.
فإذًا لم يبقَ لنا أيُّ طريق لمعرفة الكيفية، فهذا باب موصود، وبالتالي لا يجوز الخوض فيه بأيِّ حال من الأحوال، وهذه من الأسس الثابتة في منهج أهل السنة والجماعة.
ثم قال بعد ذلك: «وكل هذا النزول والضحك وهذه المباهاة وهذا الاطلاع، كما يشاء أن ينزل، وكما يشاء أن يباهي، وكما يشاء أن يضحك، وكما يشاء أن يَطَّلع»، فليس لنا أن نتوهم كيف وكيف، كيف يضحك؟ كيف ينزل؟ كيف استوى؟ كيف يباهي؟ كل هذه أمور غيبية بالنسبة لنا، فينبغي على طالب العلم ألا يتجرَّأ في هذا الباب وألا يخوض فيه ولو بمجرد التعبير.
فَمِنْ معتقد أهل السنة: أن الإنسان إذا أثبت صفةً من الصفات، فقال مثلًا: ينزل ربنا ﵎ للسماء الدنيا، أن يقول في ذلك: كما يليق بجلاله وكماله، والله أعلم بكيفية نزوله، وهكذا، والله يضحك ﷾ كما يليق بجلاله وكماله ﷾، والله أعلم بكيفية ذلك.
ففي كل هذه الصفات يجب على الإنسان أن يقف فيها على النص، ومعلوم أن العبد إذا تمسك بذلك فقد تميَّز عن طوائف التعطيل وطوائف التشبيه؛ لأن طوائف
_________________
(١) انظر: «صحيح مسلم»، كتاب (الْفِتَن وَأَشْرَاطِ السَّاعَةِ)، بَاب (ذِكْرِ ابْنِ صَيَّادٍ)، برقم (٢٩٣٠)، والترمذي (٢٢٣٥).
[ ٢ / ٥٩ ]
التعطيل يقولون مثلًا: لا نعقل من الضحك إلا تكشير الأنياب. وهذا سوء تعبير؛ لأن الذي أخبر بالضحك هو النبي ﷺ. وضحك الله هو كما يليق بجلاله وكماله ﷿.
فبالتالي لا ينبغي للإنسان أن يخوض في شأن هيئة هذا الضحك، أو كيفيته، وفي الوقت ذاته لا يجوز له أن يُؤَوِّل أو يُحَرِّف هذه النصوص؛ لأنها نصوص واضحة في إثبات تلك الصفات، ولا تقبل تلك التأويلات بأيِّ حال من الأحوال.
ثم يقول الفضيل: «فإذا قال الجهمي: أنا أكفر بربٍّ يزول عن مكانه. فقل: بل أومن برب يفعل ما يشاء» (^١). فهكذا جواب أهل السنة؛ أنهم يتمسكون بهذه النصوص ويعتصمون بها ويثبتونها لله ﷿؛ لأن الله ﷿ قد أخبر بها، وكذلك رسوله ﷺ قد أخبر بها.
ولذلك لما قال بعض هؤلاء: إذا أثبت جهة العلو يَنبغي أن تثبت جهة السفل؛ لأن مَنْ له فوق له تحت (^٢)!
وهذه شُبهة من شبهات الجهمية؛ قالوا: إذا أثبت لله ﷿ جهة العلو فيجب أن تثبت له جهة السُّفل، أو تثبت له التحتية كما أثبتَّ له الفوقية والعُلُوَّ.
فما كان جواب أهل السنة إلا أن قالوا: لو أثبتَ الله لنفسه التحت، لأثبتناه له كذلك، لكننا لم نثبت العلوَّ له من تلقاء أنفسنا، وإنما الله هو الذي أثبته لنفسه ﷿؛ لذلك فنحن نُثبت له ما أثبته لنفسه ابتداء.
فانظر إلى جواب أهل السنة الذي يلجم كلَّ معارض في هذا، فالله ﷿-هو الذي أثبت لنفسه جهة العلوِّ، وهو الذي أثبت لنفسه الاستواء على العرش، فهذا أمر لم يَصدر من البشر ولم يصدر منا في حقه ﷾!
فعندما قال الجهمي: أنا أكفر بربٍّ يزول عن مكان، كان جواب السنِّي: بل أؤمن برب يفعل ما يشاء.
فالمؤمن يُسَلِّم بخبر الله ﷿ ويؤمن به ولا يُكذبه، بخلاف أهل التعطيل الذين أنكروا ذلك وحاولوا جاهدين أن يَنفوا تلك الصفات بأنواع وطرق من التأويلات قد ذكرناها سابقًا.
فمثلًا لو جئت للجهمية أو المعتزلة، وكذا غالب الأشاعرة والماتريدية، لوجدتهم
_________________
(١) انظر: «خلق أفعال العباد» للبخاري (ص ٣٣).
(٢) انظر: «بيان تلبيس الجهمية» (٥/ ٣١٩).
[ ٢ / ٦٠ ]
-مثلًا-ينكرون الاستواء، ويُؤوِّلونه بالاستيلاء، ويؤوِّلون اليد بالنعمة، أو القوة، أو القدرة، وهكذا.
وقدماء الأشاعرة والكلابية كانوا يُفَوِّضون، وهكذا تبعهم بعض المتأخرين فسكتوا عن هذه الصفات، وقالوا: الله أعلم بمراده منها، وإن كانوا في نفس الأمر لا يُثبتونها، لكنهم لا يحدِّدون معنًى لتلك الصفات.
وتارةً يقولون: هي صفات ذات لا صفات فعل.
وبخاصةً في صفات الأفعال ينكرون كونها صفة فِعل، على قول بعضهم: إن الحوادث لا تَحل بذات الله تعالى، فبالتالي لا يُثبتون أيَّ صفة من صفات الأفعال.
وتارةً يقولون: هذه الصفات إنما هي فِعل يفعله الله في الشيء، فمثلًا قالوا في الاستواء: الاستواء هو فِعل يفعله الله في العرش (^١)؛ فينفون كون الاستواء صفةً لله تعالى.
فطرقهم في التأويل متعددة، ولذلك ينبغي على طالب العلم أن يحذر من ذلك كله، وأن يُثبت الصفة كما أثبتها الله ﷿ لنفسه وكما أثبتها له رسوله ﷺ، ويؤمن بمعناها، ويَكِلُ أمر الكيف إلى الله ﷿، مع اعتقاده في نفس الأمر أن الله تعالى ليس كمثله شيء؛ بمعنى: أن لله ﷿ خصائص في ذلك الأمر لا يعلمها البشر.
_________________
(١) انظر: «شرح حديث النزول» لابن تيمية (ص ٥٨).
[ ٢ / ٦١ ]
(١٢٨) «وقال عمرو بن المكي في كتابه الذي سَمَّاه: «التعرف بأحوال العباد والمتعبدين»، قال: «ما يجيء به الشيطان للتائبين»، وذكر أنه يُوقعهم في القنوط، ثم في الغرور وطول الأمل، ثم في التوحيد».
نقل المصنف كلام الهروي في كتابه «الفاروق»: الذي سَمَّاه «التعرف بأحوال العباد والمتعبدين»، وذكر «ما يجيء به الشيطان للتائبين»، يقصد وسائل الشيطان في هذا الباب، ومعلوم أن الشيطان يسعى لإغواء بني آدم.
فالشيطان يأتي لبني آدم من بابين هما:
باب الشهوات.
وباب الشبهات.
فإن وجد في العبد ميلًا للشهوات جاءه من باب الشهوات، وإن وجد فيه صلابةً وقوة دين دخل عليه من باب الشُّبهات.
فعلى الإنسان أن يحذر من ذلك، فلا يظنن أنه بمجرد نجاته من الشهوات المحرمة وبُعْدِهِ عنها أنه قد سلم ونجا! لا، فإن الشيطان سيدخل عليه من الباب الآخر؛ باب الشبهات.
ومن الشبهات التي يلقيها الشيطان على ابن آدم: القنوط، أي: يُيَئِّسُ الإنسان من رحمة الله ﷿، ويجعله يظن أنه هالك، وأنه لا سبيل إلى نجاته لما وقع فيه من مُحرمات؛ فيأتيه الشيطان من هذا الباب.
أو يأتيه من باب الغرور وطول الأمل، فيجعله يسوِّف الساعة وراء الساعة، واليوم وراء اليوم، والشهر وراء الشهر؛ وتمضي الأيام وهو في غرور وطول أمل.
فالشيطان يأتي للإنسان من هذا الباب، وله طرق متعددة.
ومما لا شك فيه أن الجهل من أخطر ما يكون على المسلم، لذا فإن الشيطان إذا وجد في الإنسان جهلًا أوقعه في أحد أمرين خطيرين: إمَّا التساهل والانحلال، وإمَّا الغلو والتشدد.
[ ٢ / ٦٢ ]
وهذا كثير في الناس اليوم، إمَّا أن تراه متساهلًا غير ملتزم بأمور الدين، فقد يكون مضيعًا لفرائص الإسلام، واقعًا في الشهوات المحرمة، مبتعدًا عن هدي الإسلام في هيئته ولباسه وكلامه وحياته كلها.
وإما أن تراه غاليًا متشددًا في الدين على جهل.
فيدخل الشيطان على الإنسان من هذا الباب، لما يَرى عنده من قلة علمٍ، فيبدأ بعد ذلك يزين له الآراء والأحكام والأقوال المتشددة، حتى يوقعه في غلُوٍّ يُخرجه عن هذا الدين، والنبي ﷺ حَذَّرنا من الغلُوِّ في الدين؛ فقال: «إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ» (^١)، وقال هذا عند لقط الحصى من المزدلفة، فنهى عن الغلُوِّ في قدر الحصى، فما بالنا في سائر أمور الدين؟
وبَيَّن النبي ﷺ حال الخوارج، فقال: «تُحَقِّرُونَ صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَأَعْمَالَكُمْ مَعَ أَعْمَالِهِمْ» (^٢).
إذًا هم أهل دين والتزام، حتى إن أحدهم من كثرة تعبُّده وصلاته وصيامه يفوق الصحابة في ذلك، ويحقرون صلاتهم إلى صلاتهم، ومع ذلك يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية.
وفي كتاب «إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان» لابن القيم، بيان لمسالك ودروب الشيطان التي يَسلكها مع بني آدم فيجدر الاطلاع عليه.
وينبغي على الإنسان أن يحذر هذه الأبواب، وأن يُغلقها جميعًا، ولا يظن أنها باب أو بابان أو ثلاثة، بل هي أبواب كثيرة، والنجاة من ذلك كله أن يعتصم الإنسان بالعلم الصحيح والعمل الصحيح؛ لأن الشهوات تأتي في ناحية الإرادة والعمل؛ والشبهات تأتي في ناحية التفكير والنظر، فإذا سلِم الإنسان في فكره ونظره لا يسلَم حتى يكون على علم، وإذا سلِم في إرادته لا يسلَم حتى يكون على عمل صحيح، فبالتالي يغلق أبواب الشر كلها على الشيطان.
_________________
(١) انظر «سنن ابن ماجه» برقم (٣٠٢٩)، والنسائي (٣٠٥٧)، وأحمد في «المسند»، (ومِنْ مُسْنَدِ بَنِي هَاشِمٍ) (١٨٥١)، وقال الألباني في «التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان» (٦/ ٧٠): «صحيح».
(٢) انظر: «صحيح البخاري»، كِتَاب (اسْتِتَابَةِ المُرْتَدِّينَ وَالمُعَانِدِينَ وَقِتَالِهِمْ)، بَاب (قَتْلِ الخَوَارِجِ وَالمُلْحِدِينَ بَعْدَ إِقَامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ)، برقم (٦٩٣١)، ومسلم كِتَاب (الزَّكَاةِ)، بَاب (ذِكْرِ الْخَوَارِجِ وَصِفَاتِهِمْ) (١٠٦٤)، وأبو داود (٤٧٦٤)، وابن ماجه (١٦٩)، والنسائي (٢٥٧٨)، ومالك (١٠)، وأحمد في «المسند»، (مُسْنَد الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ) (١١٢٨٥).
[ ٢ / ٦٣ ]
فإذا بنى الإنسان فكره ونظره على علم صحيح، مَيَّز فيه بين ما هو من دين الله تعالى وما ليس من دينه ﷿. وهذا كله إنما يتأتى من العلم المبنيِّ على الكتاب والسنة، ولذلك لا تَستغرب عندما يبوِّب البخاري بابًا بعنوان: «باب العلم قبل القول والعمل»؛ لأن العلم يَحرس الإنسان ويحميه وينجيه بإذن الله-﷿-من المهالك.
فالإنسان بحاجة إلى ما يُصحِّح به نظره وفكره، حتى تستقيم لديه الموازين؛ فيَعرف ما ينفعه وما يضره، وهذا إنما يتأتى بالعلم؛ لأن هذا العلم مِنْ أول ما يغرس في هذا الإنسان معرفة الله ﷿، ولذلك الجهل إنما يؤدي إلى الجهل بالله ﷿، وتذكر قول الله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]، وتأمل قوله تعالى: ﴿فأنساهم أنفسهم﴾؛ بمعنى: أن يصل الإنسان إلى حالٍ لا يَعرف فيه ما يصلحه وينفعه.
وانظروا إلى أولئك الذين نراهم في هذه الدنيا وقد أصبحوا في عداد البهائم وصاروا لا يعرفون الله ﷿، وترى مِنْ أحوالهم ما الله به عليم، من ضياع لأنفسهم في أمور الآخرة، بل حتى في أمور الدنيا.
فانظر-مثلًا-إلى الأماكن التي يجتمع فيها هؤلاء؛ فترى الواحد منهم يتعاطى السم الزعاف، ويُهلك صحته التي وهبها الله ﷿ له، وتراه غارقًا في لهوه وتجري به الأيام حتى ينتهي عمره، ثم بعد ذلك يلقى مصيره عند الله ﷿.
وانظر في المقابل إلى الذين عرفوا الله ﷿، وتعلموا العلم؛ فأصبح هذا العِلم يَقيهم مصارع السوء، وأصبح حصنًا لهم يَرجعون إليه في نظرهم وفكرهم وموازينهم، وفي جميع أمورهم الدينية والدنيوية؛ فأنقذهم الله ﷿ به.
فالشاهد: أن الشيطان يأتي للإنسان من هذين البابين: (باب الشهوات، وباب الشبهات)، خاصَّةً إذا كان عند الإنسان دين؛ لأن صاحب الشهوة قد صار في حزب الشيطان وسلك طرقه، فيكون الشيطان قد انتهى من شأنه، ولا حاجة للشيطان أن يشغله بشيء آخر، وإنما يسعى الشيطان سعيًا حثيثًا إلى مَنْ هو على طريق الهداية.
وقد أخذ عدو الله عهدًا على نفسه؛ ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣: ٨٢].
فمن كان من عباد الله المخلصين نجا من هذا العدوِّ اللعين؛ الذي يتربَّص بالإنسان إلى آخر لحظات حياته.
هذا وليعلم مع ذلك أن كيد الشيطان؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ
[ ٢ / ٦٤ ]
ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦]، فلا يظنن أحد أنه لا سبيل إلى دفعه أو رده.
والنبي ﷺ يقول عن الشيطان: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى رَدَّ كَيْدَهُ إِلَى الْوَسْوَسَةِ» (^١)؛ فلا يملك إلا الوسوسة؛ بأن يلقي في نفس الإنسان الهمزات السيئة لفعل المعاصي والشبهات.
وإذا تحصن العبد بالعلم الصحيح وبالعمل الصحيح فهيهات للشيطان أن يجد منفذًا إليه، فينجو بذلك من وساوسه وهمزاته وخطواته.
_________________
(١) انظر: «سنن أبي داود»، برقم (٥١١٢)، وأحمد في «المسند»، (ومِن مُسْنَدِ بَنِي هَاشِمٍ) (٢٠٩٧)، وقال الألباني في «التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان» (٩/ ٣٦): «حسن صحيح».
[ ٢ / ٦٥ ]
«فقال: «من أعظم ما يُوسوس في التوحيد بالتشكيك، أو في صفات الرب بالتمثيل والتشبيه، أو بالجحد لها والتعطيل». فقال بعد ذكر حديث الوسوسة».
الشيطان جاء لكثير من المتصوفة وخيَّل لهم وأوهمهم أنه هو الله، ولذلك نذكر قصة النبي ﷺ مع ابن صَيَّاد، حيث قَالَ له النَّبِيُّ ﷺ: «ماذا ترى؟». قال: أَرَى عَرْشًا فَوْقَ الْمَاءِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «تَرَى عَرْشَ إِبْلِيسَ فَوْقَ الْبَحْرِ» (^١).
هذا في قصة ابن صياد، وابن صياد كان يُظن أنه هو الدجال، وهو من يهود المدينة؛ فرآه النبي ﷺ واجتمع به، وكان بينه وبين النبي ﷺ حوارًا، فقال له النبيُّ: «إِنِّي قَدْ خَبَّأْتُ لَكَ خِبْئًا فَمَا هُوَ؟». قَالَ: الدُّخُّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اخْسَأْ؛ فَإِنَّكَ لَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ» (^٢)، وكذلك قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ماذا ترى؟ قال: «أَرَى عَرْشًا فَوْقَ الْمَاءِ»، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «تَرَى عَرْشَ إِبْلِيسَ فَوْقَ الْبَحْرِ».
فبعض المتصوفة إنما انحرفوا وصاروا إلى ما صاروا إليه؛ لما تركوا العِلم؛ فكثر فيهم الجهل، إلى أن أوهمهم الشيطان أنه يكشف لهم الحجاب، وأنهم يرون الله ﷿.
فهذا هو المقصود بالتشكُّل: أن الشيطان يَتشكل لهؤلاء، ويوهمهم أنهم يرون الله ﷿، وهم في الحقيقة إنَّما يرون شيطانًا.
ومن مداخل الشيطان على هؤلاء: إيهامهم بالتشبيه والتمثيل، والخوض في الكيفية، أو بالجحد لها والتعطيل: «فقال بعد ذِكر حديث الوسوسة»، وحديث الوسوسة معروف، وهو أن الصحابة رضوان الله عليهم قالوا للنبي ﷺ: «إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ. فقال النبي ﷺ: «أَوَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟». قَالُوا:
_________________
(١) انظر: «صحيح مسلم»، كتاب (الْفِتَن وَأَشْرَاطِ السَّاعَةِ)، بَاب (ذِكْرِ ابْنِ صَيَّادٍ)، برقم (٢٩٢٥)، والترمذي (٢٢٤٧)، وأحمد في «المسند»؛ (مُسْنَد الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ) (١١٩٢٦).
(٢) انظر: «صحيح مسلم»، كتاب (الْفِتَن وَأَشْرَاطِ السَّاعَةِ)، بَاب (ذِكْر ابْنِ صَيَّادٍ)، برقم (٢٩٢٤)، وأحمد في «المسند»؛ (مُسْنَد الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ) (٣٦١٠)
[ ٢ / ٦٦ ]
نَعَمْ. قَالَ: «ذَلِكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ» (^١).
فالذي وجدوه هو ضيق الصدر وتعاظم واستكبار هذا الأمر؛ لأنهم قالوا: «إن أحدنا ليجد في نفسه ما لِأَن يَخر من السماء إلى الأرض أحب إليه من أن يتكلم به»؛ فقال النبي ﷺ: «ذَلِكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ».
فضيق الصدر دليل على قوة الإيمان، ودليل على أن هذا خاطر يَمر من خواطر الشيطان؛ وعلاجه: أن يقطعه، وأن يستعيذ الإنسان من الشيطان الرجيم، والله تعالى يقول: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٠].
فالشيطان دائم الوسوسة لابن آدم، فعليه أن يعود إلى حِصن الإيمان، وإلى العقيدة الصحيحة ليستمسك بها ويلجأ إليها؛ فهي النجاة والمخرج من هذه الوساوس.
وفي الحديث الآخر يقول النبي ﷺ: «يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ» (^٢)، أي: لينتهِ عن التفكير في هذه الخطرات الشيطانية، وليستعذ بالله ﷿ من هذا الخاطر ولا يسترسل في التفكير فيه.
_________________
(١) انظر: «صحيح مسلم» كِتَاب (الإِيمَان)، بَاب (بَيَان الْوَسْوَسَةِ فِي الْإِيمَانِ وَمَا يَقُولُهُ مَنْ وَجَدَهَا)، برقم (١٣٢)، وأبو داود (٥١١١)، وأحمد في «المسند»، (مُسْنَد الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ) (٩٦٩٤).
(٢) انظر: «صحيح البخاري»، كِتَاب (بَدْء الخَلْقِ)، بَاب (صِفَة إِبْلِيسَ وَجُنُودِهِ)، برقم (٣٢٧٦)، ومسلم، كِتَاب (الإِيمَان)، بَاب (بَيَان الْوَسْوَسَةِ فِي الْإِيمَانِ وَمَا يَقُولُهُ مَنْ وَجَدَهَا) (١٣٤)، وأبو داود (٤٧٢١)، وأحمد في «المسند»؛ مُسْنَد (الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ) (٨٣٧٦).
[ ٢ / ٦٧ ]
«واعلم-رحمك الله-أن كُلَّ ما توهمه قلبك، أو سَنَح في مجاري فكرك، أو خطر في معارضات قلبك من حُسن أو بهاء، أو ضياء أو إشراق أو جمال، أو شبح (^١) مائل، أو شخص متمثل فالله تعالى بغير ذلك».
أحيانًا تأتي للإنسان خواطر وسوانح وأفكار وأوهام في ذات الله، والله ﷿ منزَّه عن ذلك.
قال: «من حُسن، أو بهاء، أو ضياء، أو إشراق، أو جمال، أو شبح مائل أو شخص متمثل فالله تعالى بغير ذلك». يعني: ثِق ثقةً تامَّةً أن هذا الذي رأيت، أو هذا الذي خَطر في بالك، أو هذا الذي توهمته ليس هو الله ﷿؛ لأن بعض الصوفية إنما زلَّت أقدامهم وضلَّت أفهامهم لدخول هذا الأمر عليهم، فلذلك هم يقولون: حدثني قلبي عن ربي، أو جئت من الحضرة الإلهية، وذهبت إلى الحضرة الإلهية، ويقولون: أنتم تأخذون عن الله بواسطة، ونحن نأخذ بلا واسطة، وغير ذلك من كلامهم الذي استزلَّهم الشيطان به؛ فأخرجهم به إلى البدع والضلالات في دين الله ﷿، وكل ذلك سببه الجهل؛ فلما جهلوا أمر دينهم خَيَّل لهم الشيطان ما خيَّل، وأوقعهم فيما أوقعهم فيه.
_________________
(١) الشبح: الممدود؛ كالظل.
[ ٢ / ٦٨ ]
«بل هو تعالى أعظم وأجل وأكبر، ألا تسمع إلى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، أي: لا شبيه ولا نظير ولا مساوي ولا مِثل، أَوَلَمْ تعلم أنه تعالى لما تجلَّى للجبل تدكدك لعظم هيبته وشامخ سلطانه (^١)، فكما لا يتجلى لشيء إلا اندكَّ، كذلك لا يتوهمه أحد إلا هلك، فردَّ بما بَيَّن الله في كتابه من نفيه عن نفسه التشبيه والمِثل والنظير والكفؤ.
فإن اعتصمت به وامتنعت منه أتاك مِنْ قِبَل التعطيل لصفات الرب تعالى وتقدس في كتابه وسنة رسوله محمد ﷺ، فقال لك: «إذا كان موصوفًا بكذا أو وصفته، أوجب له التشبيه فأكذبه».
تذكر قول النبي ﷺ في هذا: «حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» (^٢)، إذًا يفنى هذا الوجود كله لو كشف الحجاب، ثم يأتي أحدهم ويزعم أنه رأى الله ﷿. فكل هذا لا يخرج عن كونه أوهام وضلالات.
ثم قال: «فكما لا يتجلى لشيء إلا اندكَّ، كذلك لا يَتوهمه إلا هلك؛ فرُدَّ بما بَيَّن الله ﷿ في كتابه من نفسه عن نفسه»، يعني: ادفع التشبيه والتمثيل.
فينبغي أن تردَّ بالكتاب وبالسنة هذه الأوهام، التي قد تُوقع في التكييف أو التشبيه أو التمثيل، فإن اعتصمت بها وامتنعت منها جاءك الشيطان من باب آخر، وهو باب التعطيل؛ لأن مقصد الشيطان أن يَصرف الإنسان عن الله ﷿؛ لأن العلم بالله ﷿ يتم بمعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله.
_________________
(١) قال الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣].
(٢) انظر: «صحيح مسلم»، كِتَاب (الْإِيمَان)، بَاب (فِي قَوْلِهِ ﵇: «إِنَّ اللهُ لَا يَنَامُ»، وَفِي قَوْلِهِ: «حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ»، برقم (١٧٩)، وابن ماجه (١٩٥)، وأحمد في «المسند»؛ أَوَّل (مُسْنَد الْكُوفِيِّين) (١٩٥٨٧).
[ ٢ / ٦٩ ]
والله-﷿-ما تعرف إلينا بذاته، وإنما تعرف إلينا بأسمائه وصفاته وأفعاله، فإذا أتاك الشيطان مِنْ قبل التعطيل لصفات الرب تعالى وتقدَّس التي في كتابه وفي سنة رسوله ﷺ؛ فقال لك: إذا كانت له يد، فنحن لا نعقل من اليد إلا هذه الجارحة؛ لأن الله ﷿ يستحيل أن يخاطبنا إلا بما نعقل (^١).
وهذا شبهة فاسدة؛ لأنه لا يلزم أن يكون كل ما أخبرنا الله ﷿ معلومًا لنا، فهذه الجنَّة وما فيها مع أنها مخلوقة، لكننا لا نعلم كيفية ما فيها؛ قال الله تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]، وكما قال النبي ﷺ: «فِيهَا مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» (^٢).
وكل منا يحمل روحًا في جسده، ومع ذلك لا نعقل كنهها وكيفيتها.
فليس من شرط الإيمان بالشيء: أن تُعقل كيفيته.
فهذه شُبَه باطلة كاسدة فاسدة، لا تأتي إلا من جاهل.
_________________
(١) انظر: «التسعينية» (٣/ ٧٤٣).
(٢) انظر: «صحيح البخاري»، كِتَاب (بَدْءِ الخَلْقِ)، بَابُ (مَا جَاءَ فِي صِفَةِ الجَنَّةِ وَأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ)، برقم (٣٢٤٤)، ومسلم، كتاب (الْجَنَّةِ وَصِفَةِ نَعِيمِهَا وَأَهْلِهَا) (٢٨٢٤)، والترمذي (٣١٩٧)، وابن ماجه (٤٣٢٨)، وأحمد في «المسند»؛ (مُسْنَد الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ) (١٠٥٧٧)، والدارمي (٢٨٧٠).
[ ٢ / ٧٠ ]
«لأنه اللعين إنما يريد أن يَستزلك ويُغويك ويدخلك في صفات الملحدين الزائغين الجاحدين لصفة الرب تعالى.
واعلم-رحمك الله تعالى-أن الله تعالى واحد لا كالآحاد، فرد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد».
الاعتصام بهذه النصوص هو الذي يجعل الإنسان في جُنَّة وفي حصن من التكييف؛ لما يعلم أن الله تعالى لا يُماثله أحد، ولما يعلم أن الله تعالى لم يكن له كفوًا أحد، وأن الله تعالى ليس له مثيل، وليس له سَمِيّ؛ قال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، وقال جل وعلا: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤]، وقال ﷿: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [الروم: ٢٧]، فكل هذه النصوص تؤكد أنه لا سبيل إلى معرفة كيفية ذات الله ﷾.
[ ٢ / ٧١ ]
«إلى أن قال: «خلصت له الأسماء السَّنِيَّة (^١) فكانت واقعة في قديم الأزل بصدق الحقائق، لم يستحدث تعالى صفةً كان منها خليًّا، أو اسمًا كان منه بريًّا ﵎».
أي أن الله ﷿ متصف بهذه الصفات أزلًا؛ فهي صفات ثابتة له ﷾ أزلًا، فبالتالي لا يجوز القول بأنها حوادث أو غير ذلك، ولا يجوز فَصْلُها عن ذات الله ﷿.
الخلاف في هذه المسألة على أربعة أقوال:
١ - قول المعتزلة ومن وافقهم: أن الله لا يقوم به صفة ولا أمر يتعلق بمشيئته واختياره وهو قولهم: (لا تحله الأعراض ولا الحوادث).
٢ - قول الكلابية ومن وافقهم: التفريق بين الصفات والأفعال الاختيارية فأثبتوا الصفات، ومنعوا أن يقوم به أمر يتعلق بمشيئته وقدرته لا فعل ولا غير فعل.
٣ - قول الكرامية ومن وافقهم: يثبتون الصفات ويثبتون أن الله تقوم به الأمور التي تتعلق بمشيئته وقدرته، ولكن ذلك حادث بعد أن لم يكن، وأنه يصير موصوفا بما يحدث بقدرته ومشيئته بعد أن لم يكن كذلك، وقالوا لا يجوز أن تتعاقب عليه الحوادث، ففرقوا في الحوادث بين تجددها ولزومها فقالوا بنفي لزومها دون حدوثها. ٤ - قول أهل السنة والجماعة: أثبتوا الصفات والأفعال الاختيارية وأن الله متصف بذلك أزلًا، وأن الصفات الناشئة عن الأفعال موصوف بها في القدم، وإن كانت المفعولات محدثة. وهذا هو الصحيح (^٢).
_________________
(١) من السناء، وهو الجلال والجمال.
(٢) مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢٠، ٥٢٥، ١٤٩.
[ ٢ / ٧٢ ]
«فكان هاديًا سيهدي، وخالقًا سيخلق، ورازقًا سيرزق، وغافرًا سيغفر، وفاعلًا سيفعل».
أي أن الله متصف بهذه الصفات أزلًا، فلا يقول قائل مثلًا: إن الله تعالى لم يكن خالقًا حتى خلق الخلق، أو لم يكن رازقًا حتى رزق العباد، بل هذه صفات الله ﷿ هو متصِّف بها أزلًا.
فلا يجوز القول بأن هذه الصفات حدثت بعد أن لم تكن موجودةً في ذات الله ﷾، وهذا رد على الذين يقولون: إنَّه يلزم من وصف الله ﷿ بالصفات حلول الحوادث في ذاته ﷾!
فنقول: إن هذه الصفات ما دامت قائمةً بذات الله ﷾، فإن هذا الأمر يدل على أن الله ﷾ متصِّف بها أزلًا.
[ ٢ / ٧٣ ]
«ولم يَحدث له الاستواء إلا وقد كان في صفة أنه سيكون ذلك الفعل فهو يُسمى به في جملة فعله».
أي: وإن كان الاستواء صفة فِعل، وإن كان الضحك والنزول صفة فعل، لكن الله ﷿ في الأزل عالم بأن هذا الأمر سيكون منه ﷾، فلذلك هذه الصفات تُثْبَت له جميعًا.
وفي هذا ردٌّ على الأشاعرة الذين يقولون: إن إثبات الصفات الفعلية يَلزم منه حلول الحوادث في ذات الله ﷾.
وهذا لازم فاسد؛ لأن هناك فرقًا بين ما يكون للمخلوق وبين ما يكون للخالق ﷾؛ فالله ﷾ متصِّف بهذه الصفات أزلًا، فلا يجوز القول بأنها مَجاز في حقه، أو أنه ﷾ يَلزم من وصفه بتلك الصفات أن تَحل الحوادث بذاته ﷾.
[ ٢ / ٧٣ ]
كذلك قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]، بمعنى: أنه سيجيئ، فلم يَستحدث الاسم بالمجيء، وتخلف الفعل لوقت المجيء، فهو جاء سيجيئ، ويكون المجيء منه موجودًا بصفة لا تلحقه الكيفية ولا التشبيه؛ لأن ذلك فعل الربوبية، فتحسر العقول وتنقطع النفس عند إرادة الدخول في تحصيل كيفية المعبود، فلا تذهب في أحد الجانبين لا معطلًا، ولا مُشبهًا، وارضَ لله بما رضي به لنفسه، وَقِفْ عند خبره لنفسه مسلمًا، مُستسلمًا، مصدقًا؛ بلا مباحثة التنفير ولا مناسبة التنقير».
ثم ذكر المجيء، وذكر قول الله ﵎: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]، بمعنى: أنه سيجيئ، فلم يستحدث الاسم بالمجيء، وتخلف الفعل لوقت المجيء، فهو جاء سيجيئ، ويكون المجيء منه موجودًا بصفة لا تَلحقه الكيفية ولا التشبيه؛ فالله أعلم بكيفية مجيئه، ف «جاء» بمعنى: أنه سيجيئ، قال الله ﷾: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر ٢٢]، فبالتالي نؤمن به ونَكِلُ حقيقة علم ذلك إلى الله ﷿؛ لأن ذلك فعل الربوبية، فيَستحسر العقل وتنقطع النفس عند إرادة الدخول في تحصيل كيفية المعبود، فلا تذهب في أحد الجانبين؛ لا في جانب التعطيل ولا في جانب التشبيه، وارضَ لله بما رضي به لنفسه، وقِف عند خبره لنفسه مُسَلِّمًا، مستسلمًا، مصدقًا؛ بلا مباحثة التنفير ولا مناسبة التنقير.
يعني: لا تفعل فِعل المعطلة الذين نَفَّروا الناس بألفاظهم التي ألصقوها بهذه الصفات، فقالوا: أجزاء وجوارح وأبعاض وحَيز ومكان، وغير ذلك من العبارات المنفِّرة، ولا كذلك تُنَقِّب وتبحث عن كيف نَزَلَ؟ وكيف استوى؟ وكيف ضحك؟ وكيف؟ وكيف؟ فهذا لا سبيل إليه.
[ ٢ / ٧٤ ]
«إلى أن قال: «فهو-﵎-القائل: ﴿أَنَا اللَّهُ﴾، لا الشجرة (^١)».
هذا رَدٌّ على المعتزلة وعلى الأشاعرة الذين يُنكرون أنَّ الله ﷾ كلَّم موسى حقيقةً.
ومعلوم أن الجهمية والمعتزلة يُنكرون صفة الكلام؛ أما الأشاعرة والماتريدية والكلابية فيقولون: كلام الله: معنى نفسي قائم بالذات (^٢)، فعلى زعمهم يُثبتون أصل الكلام، ولكنهم ينفون أن الله ﷾ تكلم بهذه الكلام حقيقة، ويقولون: إنه معنى نفسي قائم بالذات، والله-﷾-جعل القرآن إمَّا عبارة أو حكاية، فالكلابية يقولون: حكاية. والأشاعرة والماتريدية يقولون: عبارة. بمعنى أن هذه الألفاظ ألفاظ جبريل ﵇ عبَّر بها عن مراد الله، وأن الله تعالى لم يَتكلم بها حقيقة.
ولا شك أن هذا الزعم خلاف ما جاءت به النصوص، ويكفينا في هذا قول الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، فالله ﷾ كَلَّم موسى ﵇، والأحاديث في الكلام كثيرة، والقرآن كلام الله ﷿.
_________________
(١) أي: في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٣٠]. وهذا ردٌّ على الجهمية ومتأخري المعتزلة القائلين: إنَّ ابتداء الكلام كان من الشجرة. وهذا وجه من وجوه فساد شبهتهم؛ حيث إن قولهم هذا يَلزم منه أن الشجرة هي القائلة: يا موسى، إني أنا الله رب العالمين! انظر: «مجموع الفتاوي» (٦/ ١٥٣)، و«شرح الطحاوية» (١/ ١٨٢)، و«النونية لابن القيم مع شرحها لهراس» (١/ ١١٤).
(٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (١٢/ ٣٩٢).
[ ٢ / ٧٥ ]
«الجائي قبل أن يكون جائيًا (^١) لا أمره، المتجلي لأوليائه في الميعاد؛ فتبيَضُّ به وجوههم، وتَفْلُج (^٢) به على الجاحدين حُجَّتهم، المستوي على عرشه بعظمة جلاله فوق كل مكان ﵎، الذى كَلَّم موسى تكليمًا، وأراه مِنْ آياته، فسمع موسى كلام الله؛ لأنه قَرَّبَه نَجِيًّا، تقدس أن يكون كلامه مخلوقًا أو مُحدثًا أو مَربوبًا، والوارث لخلقه (^٣)، السميع لأصواتهم، الناظر بعينه إلى أجسامهم، يداه مبسوطتان، وهما غير نِعمته، خلق آدم ونفخ فيه من روحه- وهو أمره- تعالى وتقدس أن يَحل بجسم، أو يُمازج بجسم أو يلاصق به تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا، الشائي له المشيئة، العالِم له العلم، الباسط يديه بالرحمة، النازل كل ليلة إلى سماء الدنيا؛ ليتقرب إليه خلقه بالعبادة، وليرغبوا إليه بالوسيلة (^٤)، القريب في قُربه من حبل الوريد، البعيد في علوه من كل مكان بعيد، ولا يُشبه بالناس».
إلى أن قال: «﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، القائل: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [الملك: ١٧: ١٦]؛ تعالى وتقدس أن يكون في الأرض كما هو في السماء؛ جَلَّ عن ذلك علوًّا كبيرًا» (^٥).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) أي: يُوصف بالمجيء على الوجه اللائق به، وإن لم يقع منه هذا الفعل، لتحقق وقوعه منه، كما قال تعالي: ﴿وجاء ربك والملك صفًّا صفًّا﴾، وهذا سيكون يوم القيامة، ونظائر هذا كثيرة؛ كقوله تعالى: ﴿أتى أمر الله فلا تستعجلوه﴾ [النحل: ١]. وأيضًا فكما أنَّه يُوصف بأنه غفور وإن لم يغفر، ورحيم وإن لم يرحم …، فكذلك يُوصف بالمجيء وإن لم يحصل منه هذا الفعل؛ لقدرته على ذلك كله وتحقق وقوعه.
(٢) تَظهر وتَقوم.
(٣) قال الله تعالي: ﴿إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون﴾ [مريم: ٤٠]، وقال جل وعلا: ﴿وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلًا وكنا نحن الوارثين﴾ [القصص: ٥٨]. ومعني كونه ﷻ: وارثًا لخلقه: أنه كتب على الخلق جميعًا الفناء والهلاك، ولا يبقى إلا هو سبحانه، فهو وحده الوارث لجميع الخلق.
(٤) أي: بالتقرب إليه؛ قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧].
(٥) روى أبو نُعيم في «الحلية» (١٠/ ٢٩١، ٢٩٢) بعض كلامه هذا، والبغدادي في «تاريخه» (١٢/ ٢٢٣/ ٢٢٤)، والسُّلمي في «طبقات الصوفية» (ص ٢٠٢).
[ ٢ / ٧٦ ]
يعني: كذلك لا ننفي ولا نُؤوِّل المجيء بمجيء الأمر.
فإذًا كل هذا في إثبات حقائق الصفات، وأنها ثابتة لله حقيقة ردًّا على المعتزلة الذين يقولون: سميع بلا سمع، عليم بلا علم، قدير بلا قدرة، خالق بلا خلق. إلى آخر ما قالوه في نفي الصفات.
فهنا أثبت عمرو بن عثمان المكي هذه الصفات، وبَيَّن أنها ثابتة لله ﷿ حقيقة، كما يشاء ﷾، وكما أخبر الله ﷾ في كتابه وكما جاء على لسان رسوله ﷺ.
فينبغي على طالب العلم أن يَعتصم بهذه النصوص، وأن يُؤمن ويصدق بها، وأن يُغلق بابين من الشَّرِّ هما: (باب التعطيل، وباب التشبيه)؛ ليَسْلَم بذلك وينجو، ويبقى له باب معرفة الله تعالى صافيًا سليمًا نقيًّا من هذه الشوائب التي حاول هؤلاء إفساده بها، وذلك بإنكارهم لصفات الله ﷿، أو بتأويلها.
فحافظ عليها-أيها السني-حتى تحَفظ بابَ العلم بالله ﷿، وبالتالي يَسْلَم لك اعتقادك.
وقد أشار هنا إلى جملة من الصفات كالمجيء، والتجلي، والاستواء، والكلام، والقرب، ووراثة الخلق، والسمع، والبصر، واليدان، والخلق، والمشيئة، والبسط.
وأشار إلى أتصاف الله بهذه الصفات هو اتصاف حقيقي كما يليق بجلاله ﷾، وأنه لا تعارض بين نصوص العلو والقرب، وأن علوه سبحانه صفة ذاتية لا تنفك عن الذات.
[ ٢ / ٧٧ ]
(١٢٩) «وقال الإمام أبو عبد الله؛ الحارث بن إسماعيل بن أسد المحاسبي في كتابه المسمى: «فَهْم القرآن».
هذا كلام الإمام المحاسبي ﵀، والمحاسبي وإن كان قد أُخِذَ عليه بعضُ الأمور في جوانب العقيدة؛ لأنه كان موافقًا لابن كلاب في مسألة نفي صفات الأفعال الاختيارية، وكذلك في أمورٍ انتقدها عليه الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى وأَمَرَ بهجره، ولكن المعلوم أنه قد يكون عند الإنسان شيء من الخطأ وشيء من الصواب؛ فيُقبل منه ما كان من الصواب والحق لموافقته للحق، ويُردُّ عليه ما كان من باطل لمخالفته للحق.
وكما هو معلوم أنَّ الحق لا يقوم بالرجال، بل الرجال يقومون بالحق، فمن كتاب الحارث المحاسبي المسمى «فهم القرآن»؛ تكلم عن مسألة: أن النسخ لا يجوز في باب الأخبار، ومعلوم أن النصوص دائرة بين الأخبار والأوامر، فالنسخ إنما يقع في جانب الأمر ولا يقع في جانب الخبر.
[ ٢ / ٧٨ ]