وهؤلاء أثبتوا الصفات، ولكنهم أدخلوا في الإثبات أمورًا لا تليق لله تعالى.
_________________
(١) انظر الموطأ للإمام مالك الجزء الأول صفحة (٢٥٣).
[ ١ / ١٣ ]
وقالوا: استواءٌ كاستوائي، أو يدٌ كيدي، أو سمعٌ كسمعي، وبصرٌ كبصري، فزادوا في الإثبات إلى درجة التشبيه.
وفحوى هذه الفتوى الحموية يدور على مسألتين يريد المؤلف أن يتحدث عنهما:
الأولى: الكلام في توحيد الأسماء والصفات.
الثانية: أن الناس انقسموا في هذا الباب إلى ثلاثة أقسام.
[ ١ / ١٤ ]
(٢) " [الحمد لله رب العالمين] قولنا فيها ما قاله الله ورسوله ﷺ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وما قاله أئمة الهدى بعد هؤلاء الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، وهذا هو الواجب على جميع الخلق في هذا الباب وغيره"
المصنف يريد قبل الجواب على سؤال السائل أن يضع مقدمة على اعتبار أن الأمور التأصيلية تسبق الأمور التقريرية، فيقول: إن الذي يجب أن يقوله كل أحد والذي يقوله هو أن نأخذ بما جاء في الكتاب وما جاء في السنة وما كان عليه سلف الأمة، فيجب أن نرجع إلى كلام الله تعالى، وإلى كلام رسوله ﷺ، وإلى ما كان عليه السلف الصالح من الصحابة ومن التابعين وتابعي التابعين ومن تبعهم بإحسان.
فهذا الأمر الذي يجب أن يرجع إليه عند هذه المسألة بل وعند جميع مسائل الدين، بمعنى أنه يجب على كل مسلمٍ أن يرضى بكلام الله وكلام رسوله ﷺ وبما كان عليه الصحابة وما كان عليه التابعون وما كان عليه تابعوا التابعين.
وبحمد الله كل هذا محفوظ، فكتاب الله بين أيدينا، وسنة المصطفى ﷺ محفوظة منقولة، نعرف الصحيح منها والضعيف، فنعرف ما ثبت وما لم يثبت، وحتى ما ذكره وقاله الصحابة وما قاله التابعون أو ما قاله تابعو التابعين ومن بعدهم من أئمة الهدى، فكلام هؤلاء كله مسطر ومدون فيجب الرجوع إليه، ويجب الأخذ به.
وهذه طريقة شيخ الإسلام ابن تيمية أنه يُرجع المسائل إلى أصولها، التي هي أصول المسلمين التي هي قال الله ﷿ وقال الرسول ﷺ وما كان عليه سلف الأمة، فهذه أصول الإسلام، فلا يجوز أن تُهجر وتُترك ويستبدل بها أراء وكلام الرجال والفلسفة والمنطق فهذا أمرٌ لا يقبله المسلم أو يرتضيه في دينه، إذ كيف يرتضي قال الفضلاء، وقال الحكماء، وقال العقلاء، ومنطق اليونان وفلسفتهم بدلًا من كلام الله وكلام رسوله ﷺ وما كان عليه سلف الأمة، فهذا أمرٌ لا يقبل.
والمصنف ﵀ يريد أن يقرر الأمور التأصيلية قبل الدخول في المسائل التقريرية
[ ١ / ١٥ ]
على اعتبار أن الخلاف في هذا الباب مع المخالفين من المعطلة كان أساسًا في تحديد مصادر التلقي في هذا الباب حيث جعل المعطلة الأصل لديهم هو العقل دون الرجوع إلى الكتاب والسنة وكلام السلف الصالح، ولذلك هذه كتب أهل الكلام كالأشاعرة المتأخرين في الاعتقاد-على سبيل المثال-إذا نظر الناظر فيها في باب التوحيد وباب النبوات، لا يجد لهؤلاء تأصيلًا أو تقريرًا من الكتاب أو من السنة أو من كلام السلف الصالح في هذين البابين، فهم لا يذكرون آية أو حديثًا أو قولًا للسلف الصالح، إنما إذا تصفحت مثل هذه الكتب ستجد كلامًا مركبًا من المنطق والفلسفة وغاية أدلتهم أن يقولوا قال الفضلاء وقال الحكماء وقال العقلاء.
بل إن الأمر يصل إلى أكبر من ذلك حتى إنهم قدموا أقوال هؤلاء على كلام الله ﷿ وكلام رسوله ﷺ،
فأهل التعطيل جعلوا أقوال البشر أو ما يسمونه "العقل" وحده هو أصل علمهم، فالشبه العقلية هي الأصول الكلية الأولية عندهم، وهي التي تثبت وتنفي، ثم يعرضون الكتاب والسنة على تلك الشبه العقلية، فإن وافقتها قبلت اعتضادًا لا اعتمادًا، وإن عارضتها ردت تلك النصوص الشرعية وطرحت، وفي هذا يقول قائلهم: (كل ما ورد السمع به ينظر فإن كان العقل مجوزا له وجب التصديق به، وأما ما قضى العقل باستحالته فيجب فيه تأويل ما ورد السمع به، ولا يتصور أن يشمل السمع على قاطع مخالف للمعقول. وظواهر أحاديث التشبيه -يعني بها أحاديث الصفات-أكثرها غير صحيحة، والصحيح منها ليس بقاطع، بل هو قابل للتأويل) ١ (^١).
وقال: "كل ما دل العقل فيه على أحد الجانبين فليس للتعارض فيه مجال، إذ الأدلة العقلية يستعجل نسخها وتكاذبها، فإن ورد دليل سمعي على خلاف العقل، فإما أن لا يكون متواترًا فيعلم أنه غير صحيح، وإما أن يكون متواترًا فيكون مؤولًا ولا يكون متعارضًا" (^٢)
فهذا النقل يبين لك مدى تقديم هؤلاء لشبههم العقلية وتعصبهم لها، وكيف أنهم يجعلونها هي الأصول والسمع معروض عليها، فما أجازته عقولهم قبلوه، وما لم تجزه عقولهم شككوا فيه وانتقصوه، ومن ثم سعوا في تأويله وتحريفه، ومن يلقي
_________________
(١) الاقتصاد في الاعتقاد لأبي حامد الغزالي ص ١٣٢ - ١٣٣.
(٢) المستصفى ٢/ ١٣٧ - ١٣٨
[ ١ / ١٦ ]
نظرةً على كتب الأشاعرة مثلًا يجد أن القوم يقسمون أبواب العقيدة إلى إلهيات- ونبوَّات- وسمعيات، وهم في باب الإلهيات والنبوات لا يقبلون نصوص الكتاب والسنة، ولذلك لن تجد في هذين البابين إلا الشبه العقلية المركبة وفق القواعد المنطقية، ويا عجبا أنأخذ ديننا من كلام الله ورسوله، أم من ملاحدة اليونان وتلاميذهم!
وأما باب السمعيات-أي البعث والحشر والجنة والنار والوعد والوعيد-فهم يقبلون فيه النصوص الشرعية، وبالتالي سموا هذا الباب بالسمعيات. في مقابل باب الإلهيات والنبوات، إذ إنهم يعتمدون فيهما على العقليات، وهؤلاء شابهوا حال من قال الله تعالى فيهم: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ٢.
ومن ذلك مثلًا هناك مسألة يطرحها بعض الأشاعرة ويطرحها غيرهم فيقولون: الدلائل النقلية، ويقصدون بها الكتاب والسنة، هل تفيد اليقين؟ (^١) بمعنى هل هي قاطعة الدلالة؟
فالجواب عندهم: لا، ويبدؤون تعليلاتهم بعد ذلك بقولهم: قيل: لا،
أولًا: لتوقفه على العلم بالوضع والإرادة، أي بما أنه كلامٌ لفظي فإنه لابد عند ذلك من النظر في وضع اللغة، وأصل اللغة ومراد المتكلم.
والأول: الذي هو وضع اللغة قالوا: يثبت بنقل اللغة والنحو والصرف، يعني تعرف أن اللغة ينقلها علماء اللغة، ويتناقلها الناس، وكذلك علم النحو والصرف وأصولها، أي أصول هذه العلوم تثبت برواية الآحاد وفروعها بالأقيسة وكلاهما ظنيان.
وكل هذا كلام فلسفي لنقضٌ وهدمٌ لكلام الله ﷿ وكلام رسوله ﷺ بأرائهم وعقولهم.
والثاني: الذي هو الإرادة، أي: مراد المتكلم يتوقف على أمورٍ ذكروها وهي: عدم النقل، والاشتراك، والمجاز، والإضمار، والتقسيط، والتقديم، والتأخير، والكل لجوازه لا يجزم بانتفائه بل غايته الظن".
_________________
(١) انظر المواقف لعضد الدين الإيجي ص ٤٠
[ ١ / ١٧ ]
فهو يشكك في النصوص الشرعية، ويقول: "إن غايتها الظن"، ثم بعد ذلك يقول: "ثم بعد الأمرين"، أي الوضع والإرادة،
ثانيًا: لابد من العلم بعدم المعارض العقلي، يعني إذا جاء النص وجاء المنطق الذي وضعوه وركبوه فعارض النص، فعند ذلك تحدث مشكلة، فعلى سبيل المثال جاء نصٌ يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ويثبت الاستواء، وفي عقولهم أن الله تعالى لا يوصف بتلك الصفات، فهنا يقولون: "ما بعد الأمرين لابد من العلم بعدم المعارض العقلي، إذ لو وجد المعارض العقلي لقدم على الدليل النقلي قطعًا"، بمعنى أن المسألة ليس فيها تردد عندهم بل يجب قطعًا أن تقدم الدليل العقلي على الدليل النقلي.
وانظر وتأمل في كلامهم فيقول قائلهم هنا مبررًا ومعللًا هذا الحكم وفق أربع فرضيات هي:
الفرضية الأولى: إذ لا يمكن العمل بهما، فإذا كان النقل يقول نعم، والعقل يقول لا، فلا يمكن أن نعمل بنعم ولا في وقتٍ واحد، فتقول استوى ولم يستو،
الفرضية الثانية: ولا يمكن العمل بنقيضهما، يعني لا يمكن أن تنفي الاثنين هذا يقول نعم وهذا يقول لا تقول لا نعم ولا لا.
الفرضية الثالثة: أن تقديم النقل على العقل إبطالٌ للأصل بالفرع، عندهم أن العقل هو الأصل هو الأساس الذي يجب التحاكم إليه، فإن قضى العقل بشيء فيجب الأخذ به، فأنت لو قدمت النقل على العقل فإنك أبطلت النقل، لأن النقل عندهم: لا يثبت إلا بالعقل، فعندهم أن النقل فرع والعقل أصل وهذه قضية واسعة لا يمكن أن ندخل فيها ونتوسع فيها بعمق.
الفرضية الرابعة: أن يقدم العقل على النقل باعتباره هو الأصل على حد قولهم.
والشاهد من هذا الكلام: أن القوم قدموا عقولهم على كلام الله ﷿ وكلام رسوله ﷺ.
فانظر إلى كلام شيخ الإسلام وانظر إلى كلامهم، فكلام شيخ الإسلام يقول: "قولنا فيها ما قاله الله ورسوله ﷺ، والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، ".
وهؤلاء يقولون: يجب أن نعود في الأمر إلى ما جاءت به العقول ونترك المنقول، وأنت إذا تأملت كتب المتأخرين من الأشاعرة وأمثالهم في باب الإلهيات والنبوات لا تجد قال الله وقال رسوله.
[ ١ / ١٨ ]
فهذا أول كتاب الإرشاد للجويني، في أول مسألة يقررها يقول: "بابٌ في أحكام النظر" أي النظر في وجود الله، فأول مسألة يقررها يقول: "أول ما يجب على العاقل البالغ باستكمال سن البلوغ أو الحلم شرعًا القصد إلى النظر الصحيح المفضي إلى العلم بحدث العالم" (^١) وهذه عبارات كلامية يصعب فهمها فلو قرأت من هذا عشرات الصفحات لابد أن تكون قد درست المنطق والفلسفة لكي تستطيع أن تفهم.
لكن مراده بهذا: أنه يجب على الإنسان إذا بلغ سن البلوغ أن ينظر في وجود الله، وعندهم أن هذا النظر لابد أن يسبقه شك أولًا بوجود الله، فأين الدليل من كلام الله وكلام رسوله الذي يوجب على المسلم أن ينظر بعد بلوغه سن التكليف.
والسؤال الذي يفرض نفسه لكل من قد تجاوز سن البلوغ، هل قام بهذا الواجب الذي أوجبه الجويني، لأنه ليس في كلام الله وكلام رسوله ﷺ ما يوجب ذلك، فما يقرره ليس مبنيًا على الكتاب والسنة بل على الفلسفة والمنطق.
ولذلك لا تجد مدرسة أشعرية إلا والفلسفة والمنطق يُدرسان فيها؛ لأنهما هما السبيلان الوحيدان لفهم مثل هذه الكتب، ولا تجد اعتناءً ولا اهتمامًا بالكتاب ولا بالسنة في هذه المسائل من مسائل الدين وهذا لا يعني التعميم فالأشاعرة على سبيل المثال يأخذون في باب السمعيات كما يسمونه أي ما يتعلق باليوم الآخر وأشراط الساعة والوعد والوعيد ونحوها بكلام الله وكلام رسوله ولذلك سمو هذا الباب باب السمعيات وكذلك الشأن في الأمور العملية المتعلقة بالعبادات والمعاملات يأخذون بالكتاب والسنة دون باب الإلهيات والنبوات بحسب تقسيمهم لأبواب الاعتقاد.
والسؤال الذي يفرض نفسه هل يقبل أن نأخذ أحكام الصلاة والصيام والزكاة والحج والمعاملات وغير ذلك والآداب والأخلاق واليوم الآخر وأشراط الساعة من الكتاب والسنة وتترك أبواب الإلهيات والنبوات؟ هذا أمر غير مقبول.
لذلك شيخ الإسلام هنا يريد أن يقرر هذه المسألة، وأن الذي يجب على الإنسان أن يرجع إليه ما دام أن الاختلاف قد حصل ووقع إنما هو الرجوع للكتاب والسنة وفهم سلف الأمة، فذلك الذي يحتكم إليه في حال وقوع النزاع بين هؤلاء جميعًا.
_________________
(١) الإرشاد للجويني ص ١١
[ ١ / ١٩ ]
أفلا نرضى بكتاب الله ﷿ حكمًا ألا نرضى بكلام رسوله ﷺ حكمًا؟ وهذا أمرٌ لله تعالى أمرنا به فقال سبحانه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، وهذا أمرٌ ليس في باب العقيدة وليس في باب الأسماء والصفات فقط، بل في جميع مسائل الدين، أوليس النبي ﷺ قد أكمل هذا الدين وبلغه وتركنا كما قال النبي ﷺ: «قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ» (^١).
فإذًا لا يحتاج هذا الدين إلى من يزيد فيه ولا إلى من ينقص فيه ولا إلى من يغير أو يبدل فيه أبدًا فهو دينٌ كاملٌ لكن الخلل يأتي من الناس، إما لجهلهم أو لتركهم أو لبعدهم عن الكتاب والسنة.
فمسائل الدين، الواجب على الإنسان أن ينظر فيها بهدي كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ وكلام السلف الصالح، وينظر ماذا قالوا في هذه المسائل، فإذًا قول المصنف ﵀: "قولنا فيه ما قال الله ورسوله ﷺ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين ابتعوهم بإحسان وما قاله أئمة الهدى بعد هؤلاء الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم. "
فهذا هو ما أمرٌ الله تعالى وأخبر به، ألم يقل ﷾: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢].
ألم يقل ﷾: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾. ألم يقل عن رسوله ﷺ: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢].
ألم يقل: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢].
فنصوص الكتاب والسنة، نطقت به ودعت إليه، فعلى الإنسان أن يرجع في مسائل الدين إلى كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ.
والله ﷾ زكى الصحابة، ولذلك قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾، فانظر إلى قوله ﴿اتَّبَعُوهُمْ﴾، أي ساروا على نهجهم وهديهم، فلو كان نهجهم نهجًا منحرفًا أيقول اتبعوهم؟ أيأمر باتباعهم؟
فإذًا ما يقوله شيخ الإسلام هنا ليس رأيًا من عنده، وإنما هو أمرٌ دعت إليه النصوص.
_________________
(١) انظر سنن ابن ماجه برقم (٤٣)، والإمام أحمد في المسند (مُسْنَدُ الشَّامِيِّينَ) (١٧١٤٢)، قال الشيخ الالباني في صحيح وضعيف سنن ابن ماجه الجزء الأول، صفحة (١١٥): صحيح.
[ ١ / ٢٠ ]
والنبي ﷺ قال: «عَليْكُمْ بسُنَّتِي وسُنَّةِ الخُلَفاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِيِّنَ عَضُّوا عَلَيْهَا بالنَّواجِذِ» (^١).
وقال ﷺ: «خَيْرُ أُمَّتِي الْقَرْنُ الَّذِينَ يَلُونِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» (^٢).
فإذًا شهد لهم النبي ﷺ بالخيرية وشهد لهم بالفضل وأمر بالسير على نهجهم والتمسك بهديهم.
_________________
(١) انظر سنن أبي داود برقم (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٣)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الشَّامِيِّينَ (١٧١٤٢)، والدارمي (٩٦)، قال الشيخ الالباني في صحيح الجامع الجزء الثاني صفحة (٨٠٥): صحيح.
(٢) انظر صحيح البخاري كِتَابُ الشَّهَادَاتِ، بَابٌ: لَا يَشْهَدُ عَلَى شَهَادَةِ جَوْرٍ إِذَا أُشْهِدَ برقم (٢٦٥٢)، ومسلم كتاب فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، بَابُ فَضْلِ الصَّحَابَةِ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ (٢٥٣٣)، والترمذي (٣٨٥٩)، وابن ماجه (٢٣٦٢)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ (٣٥٩٤).
[ ١ / ٢١ ]
(٣) "فإن الله بعث محمدًا ﷺ بالهدى ودين الحق ليُخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، وشهد له بأنه بعثه داعيًا إليه بإذنه وسراجًا منيرا، وأمره أن يقول: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] ".
أي أن ما يجب اعتقاده في هذا الباب إنما هو أمرٌ دعت إليه النصوص، فأخذ يقرر هذا بالأدلة، إذ لا يعقل أن يُترك ويُهجر كلام الله وكلام رسوله ﷺ في هذه المسائل لا لشيءٍ إلا لأن عقول القوم ومنطقهم الفاسد الباطل لم يصدق بكلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ ولم يؤمن بأسماء الله وصفاته، وكما قال الشاعر:
"وكم من عائب قولًا صحيحا … وآفته من الفهم السقيم" (^١)،
والمقصود: أنه إذا كان الدليل واضحًا وجاء من كلام الله وكلام رسوله ﷺ ثم يأتي من يعيب كلام الله وكلام رسوله لا لشيء، فما ذلك إلا لأن فهمه سقيم مريض.
فالعيب إذًا في فهمه وليس في كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ، وهذا يقرر في المسلم عقيدة وهي: أن الأمر والحكم في هذا الباب هو لكلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ وكلام السلف الصالح رضوان الله عليهم.
_________________
(١) انظر كتاب الأمثال السائرة من شعر المتنبي صفحة (٣٥).
[ ١ / ٢٢ ]
(٤) "فمن المحال في العقل والدين أن يكون السراج المنير الذي أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور وأنزل معه الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وأمر الناس أن يردوا ما تنازعوا فيه من أمر دينهم إلى ما بُعث به من الكتاب والحكمة، وهو يدعو إلى الله وإلى سبيله بإذنه على بصيرة وقد أخبر الله بأنه أكمل له ولأمته دينه، وأتم عليه نعمته.
محالٌ مع هذا وغيره أن يكون قد ترك باب الإيمان بالله والعلم به ملتبسًا مشتبهًا فلم يميز بين ما يجب لله من الأسماء الحسنى والصفات العليا، وما يجوز عليه وما يمتنع عليه. ".
مقصود المصنف ﵀ أن هؤلاء لما جاءوا وألفوا مثل هذه الكتب وتحدثوا عن أسماء الله وصفاته وعن التوحيد، فدونوا وسطروا في كتبهم كلام المنطق والفلسفة وتركوا كلام الله تعالى وكلام رسولهِ ﷺ.
هل هذا سببه أن الآيات والأحاديث لم تتحدث في هذا الباب ولم تبينه؟ هل يُعقل هذا؟، فلنسأل أنفسنا هذا السؤال: هل يمكن أن يكون النبي ﷺ ترك هذا الباب ولا دليل فيه ولا كلام فيه حتى احتاج هؤلاء إلى أن يعودوا إلى كتب الفلسفة والمنطق فيأخذوا منها أحكامًا ويقرروا فيها مسائل من المنطق والفلسفة؟ هل سبب هذا هو نقص النصوص وقصورها؟ لا والله، هذا أمرٌ لا يقبله المسلم.
[ ١ / ٢٣ ]
(٥) "فإن معرفة هذا أصل الدين، وأساس الهداية، وأفضل ما اكتسبته القلوب، وحصلته النفوس، وأدركته العقول، فكيف يكون ذلك الكتاب، وذلك الرسول وأفضل خلق الله بعد النبيين لم يحكموا هذا الكتاب اعتقادًا وقولًا؟!
ومن المحال أيضًا أن يكون النبي ﷺ قد علَّم أُمَّتَه كل شيء حتى الخراءة.
وقال: «تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك».
وقال فيما صح عنه أيضًا: «ما بعث الله من نبي إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم».
وقال أبو ذر ﵁: «لقد توفي رسول الله ﷺ وما من طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علمًا».
وقال عمر بن الخطاب ﵁: «قام فينا رسول الله ﷺ [مقامًا] فذكر بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم، حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه» رواه البخاري.
قول المصنف: "فإن معرفة هذا أصل الدين، وأساس الهداية" لا شك أن أعظم أبواب الدين وأهمها وأصلها هو الإيمان بالله وتوحيده ﷾ لأنه على أساسه يقوم الدين، ألم يقل الله ﷾ لنبيه ﷺ: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾، والشرك ضد التوحيد، فلو اختل التوحيد لحبط العمل وبطل الدين، فهو الأصل والأساس.
وقول المصنف: "فإن معرفة هذا" أي معرفة أسماء الله وصفاته "أصل الدين وأساس الهداية، بل وأفضل وأوجب ما اكتسبته القلوب، وحصلته النفوس"، أي أن أفضل شيء هو أن تعرف الله ﷾؛ لأنك إن عرفت الله عبدت الله اتقيته وخفته وحدثت الخشية والرجاء والخوف والإنابة والمحبة، وغير ذلك من الأمور كل هذا يأتي بعد معرفة الله ﷾.
وقال المصنف: "فكيف يكون ذلك الكتاب، وذلك الرسول وأفضل خلق الله بعد النبيين لم يحكموا هذا الباب اعتقادًا وقولًا؟! " أي أيعقل أن يكونوا قد تركوا هذا الباب ولم يحكموه ولم يتقنوه حتى يأتي هؤلاء ويأتوا بشيءٍ من عند أنفسهم ويهجروا
[ ١ / ٢٤ ]
الكتاب والسنة؛ بحجة أن الكتاب والسنة لم يتكلما في هذه المسائل أو لم تتقن ولم تحكم هذه المسائل، هل هذا يتصوره مسلم؟
وقال المصنف: "ومن المحال أيضًا أن يكون النبي ﷺ قد علَّم أُمَّتَه كل شيء" نعم والله لم يمت النبي ﷺ إلا وقد علم الأمة كل ما تحتاج إليه من أمر دينها، فقد بين ووضح حتى أنه في حجة الوداع أشهد الناس فقال: «اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ» (^١)، فقالوا: بلى، فكان النبي ﷺ يرفع أصبعه السبابة إلى السماء فيقول: اللهم اشهد اللهم اشهد اللهم اشهد ثلاثًا» فقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة فيقول: وقال ﷺ: «تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ» (^٢)، ويقول: «إنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبيٌّ قَبْلِي إِلاَّ كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ»، أي واجبًا عليه «أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ» (^٣).
هذا كلامه ﷺ، أخبر أنه قد بين ووضح وبلغ، فهل يُعقل أنه ترك هذا الباب ولم يوضح ما يجب فيه ولم يبين ما يجب اعتقاده فيه؟ هذا محال، وأصحابه ﷺ شهدوا بأن النبي ﷺ قد علمهم وبلغهم وأفهمهم أمور دينهم حتى يقول أبو ذر: " لَقَدْ تَرَكَنَا مُحَمَّدٌ ﷺ، وَمَا يُحَرِّكُ طَائِرٌ جَنَاحَيْهِ فِي السَّمَاءِ إِلَّا أَذْكَرَنَا مِنْهُ عِلْمًا " (^٤) بمعنى أن النبي ﷺ كان يبين لهم كل شيء.
وقال عمر: " قَامَ فينا رسولُ اللَّهِ ﷺ-مَقَاما، فَأخبَرَنَا عنْ بَدءِ الخَلقِ حتى دَخَلَ أهلُ الجنةِ مَنَازِلَهُم، وأهلُ النَّارِ منازِلَهم " (^٥) أي تحدث من بدء الخليقة إلى دخول الناس إلى الجنة وإلى النار. " حَفِظَ ذَلِكَ مَنْ حَفِظَهُ، وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ".
_________________
(١) انظر صحيح البخاري كِتَابُ المَغَازِي، بَابُ حَجَّةِ الوَدَاعِ، برقم (٤٤٠٦)، ومسلم كِتَابُ الْقَسَامَةِ وَالْمُحَارِبِينَ وَالْقِصَاصِ وَالدِّيَاتِ، بَابُ تَغْلِيظِ تَحْرِيمِ الدِّمَاءِ وَالْأَعْرَاضِ وَالْأَمْوَالِ (١٦٧٩)، والإمام أحمد في المسند أَوَّلُ مُسْنَدِ الْبَصْرِيِّينَ (٢٠٣٨٦)، والدارمي (١٩٥٧).
(٢) تقدم تخريجه، انظر صفحة رقم (٧).
(٣) انظر صحيح مسلم كِتَابُ الْإِمَارَةِ، بَابُ الْأَمْرِ بالْوَفَاءِ بِبَيْعَةِ الْخُلَفَاءِ، الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ، برقم (١٨٤٤)، وابن ماجه (٣٩٥٦)، والنسائي (٤١٩١)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ (٦٧٩٣).
(٤) انظر مسند الإمام أحمد مُسْنَدُ الْأَنْصَارِ برقم (٢١٣٦١)، قال الشيخ شعيب الأرنؤوط في حاشية المسند الجزء (٣٥) صفحة (٢٩٠): حديث حسن.
(٥) انظر صحيح البخاري كِتَابُ بَدْءِ الخَلْقِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]، برقم (٣١٩٢).
[ ١ / ٢٥ ]
(٦) "محال مع تعليمهم كل شيء لهم فيه منفعة في الدين وإن دقت أن يترك تعليمهم ما يقولونه بألسنتهم [ويعتقدونه] بقلوبهم في ربهم ومعبودهم رب العالمين، الذي معرفته غاية المعارف، وعبادته أشرف المقاصد، والوصول إليه غاية المطالب، بل هذا خلاصة الدعوة النبوية وزبدة الرسالة الإلهية، فكيف يتوهم من في قلبه أدنى مُسكة من إيمان وحكمة، أن لا يكون [بيان] هذا الباب قد وقع من الرسول ﷺ على غاية التمام. "
قول المصنف: "فمحال مع تعليمهم كل شيء لهم فيه منفعة في الدين وإن دقت أن يترك تعليمهم ما يقولونه بألسنتهم وما يعتقدونه بقلوبهم في ربهم ومعبودهم رب العالمين، " أي محال أن يعلمهم صغائر الأمور والأمور الفرعية ويترك الأمور الأصلية هل هذا يتوقع من النبي ﷺ؟.
فإذًا على هذا يجب أن يعلم أن الخلل ليس من الكتاب والسنة ولكن من القوم الذين ابتعدوا عن الكتاب والسنة.
فلا شك أن العلم بالله تعالى هو أشرف وأعلى ما يكون في العلم والمعرفة؛ لأنه كما يُقال: "شرف العلم من شرف المعلوم" (^١) فالمعلوم أن المعلوم هنا هو الله ﷾.
فذلك كل أمرٍ يتعلق بالله ﷾ من أشرف وأهم ما يكون، فلذلك عندما يدرس هذا الجانب من توحيد الله تعالى فاليعرف أن هذا أشرف علم يدرسه العبد، كيف لا والمعلوم هو أسماء الله وصفاته، وتوضيح ما يجب اعتقاده في الله ﷾.
فلا شك أن هذا أشرف علم تكتسبه النفوس، لأنه يجب على العبد أن يعرف ما يليق بالله وما لا يليق به ﷾ ما يجب لله وما يمتنع عن الله ﷾ وتميز ما بين الحق والباطل في هذا الباب، فيعرف العبد أسماء الله ﷾ وصفاته التي أثبتها لنفسه ويعرف كذلك ما نفاه عن نفسه ﷾ فهذا أشرف علم تكتسبه النفوس.
_________________
(١) انظر كتاب النبوات لابن تيمية الجزء الأول، صفحة (٤٠٨).
[ ١ / ٢٦ ]
فأفضل وأغلى وغاية ما يكتسبه الإنسان من العلم والمعرفة هو أن يعرف الله ﷾، وكما أوصى النبي ﷺ ابن عباس وهو غلام فقال له: «يَا غُلَامُ أَوْ يَا غُلَيِّمُ، احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ» (^١)، ومعنى احفظ الله؟ أي اعرف الله تعالى، واعرف حدوده، واعرف ما أوجبه عليك من شرائع وأحكام، فإذا أنت حفظت الله تعالى فإن الله يحفظك، وقال ﷺ: " تَعَرَّفْ إِلَى اللهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ " (^٢)
وقول المصنف: " الذي معرفته غاية المعارف، وعبادته ﷾ أشرف المقاصد والوصول إليه غاية المطالب بل هذا خلاصة الدعوة النبوية وزبدة الرسالة الإلهية. "