أن الجنة والنار الآن مخلوقتان دائمتان لا تفنيان.
قال الإمام ابن القيم: "يذكر السلف في عقائدهم أن الجنة والنار مخلوقتان ويذكر من صنف في المقالات أن هذه مقالة أهل السنة والحديث قاطبة لا يختلفون.
فيها قال أبو الحسن الأشعري في كتاب مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين: "جملة ما عليه أصحاب الحديث وأهل السنة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وما جاء من عند الله وما رواه الثقات عن رسول الله لا يردّون من ذلك شيئا" "ويقرون أن الجنة والنار مخلوقتان" قال ابن القيم بعد أن ساق كلام الأشعري "والمقصود حكايته عن جميع أهل السنة والحديث أن الجنة والنار مخلوقتان" (^١).
أدلتهم:
وقد دل على ذلك من القرآن:
• قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم: ١٣ - ١٥] وقد رأى النبي ﷺ سدرة المنتهى ورأى عندها جنة المأوى كما في الصحيحين من حديث أنس في قصة الإسراء وفي آخره: "ثم أنطلق بي جبريل حتى انتهى إلى سدرة المنتهى فغشيها ألوان لا أدرى ما هي قال ثم دخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك" (^٢).
• وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "إن
_________________
(١) حادي الأرواح: ص ١١ - ١٥.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٣١٦٤) ومسلم في صحيحه (١٦٣) واللفظ للبخاري.
[ ٢ / ٢٣٣ ]
أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله تعالى يوم القيامة" (^١).
• وفي المسند وصحيح الحاكم وابن حبان وغيرهم من حديث البراء ابن عازب قال خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار فذكر الحديث بطوله وفيه "فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها" (^٢) وذكر الحديث.
• وفي الصحيحين من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ العَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ، فَيَقُولَانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَأَمَّا المُؤْمِنُ، فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الجَنَّةِ، فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا" (^٣).
• وفي صحيح أبي عوانة الإسفرائيني وسنن أبي داود من حديث البراء بن عازب الطويل في قبض الروح "ثم يفتح له باب من الجنة وباب من النار فيقال هذا كان منزلك لو عصيت الله تعالى أبدلك الله به هذا فإذا رأى ما في الجنة قال رب عجل قيام الساعة كيما أرجع إلى أهلي ومالي فيقال أسكن" (^٤).
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده (٤/ ٢٨٧، ٢٨٨، ٢٩٥، ٢٩٧) وأبو داود (٣٢١٢، ٤٧٥٣، ٤٧٥٤) والنسائي (٤/ ٧٨) وابن ماجه (١٥٤٨) و(١٥٤٩) والحاكم (١/ ٩٣) رقم (١٠٧) وأبو عوانة كما في (إتحاف المهرة) (٢/ ٤٥٩) وابن منده في الإيمان (١٠٦٤) والبيهقي في إثبات عذاب القبر رقم (٢١) و(٤٣) وغيرهم من طريق زاذان عن البراء بن عازب فذكره، والحديث صححه: أبو عوانة وابن منده والحاكم والبيهقي وابن القيم وغيرهم. قال ابن القيم في الروح، ص (٩١): (هذا حديث ثابت مشهور مستفيض، صححه جماعة من الحفاظ، ولا نعلم أحدا من أئمة الحديث طعن فيه، بل رووه في كتبهم وتلقوه بالقبول، وجعلوه أصلا من أصول الدين في عذاب القبر ونعيمه، ومسألة منكر ونكير، وقبض الأرواح وصعودها إلى بين يدي الله، ثم رجوعها إلى القبر).
(٢) أخرجه البخاري برقم (١٣٠٨)، ومسلم برقم (٢٨٧٠) واللفظ لمسلم.
(٣) أخرجه البخاري (٢/ ٩٨) برقم (١٣٧٤)، ومسلم (٤/ ٢٢٠٠) برقم (٢٨٧٠) واللفظ للبخاري.
(٤) أخرجه أبو عوانة في صحيحه كما في إتحاف المهرة لابن حجر (٢/ ٤٥٩)، وأبو داود برقم (٤٧٥٣). ولعل هذا لفظ أبي عوانة في صحيحه، والحديث تقدم الكلام عليه مختصرًا.
[ ٢ / ٢٣٤ ]
• وفي مسند البزار وغيره من حديث أبي سعيد قال شهدنا مع النبي ﷺ جنازة فقال رسول الله ﷺ: "أيها الناس إن هذه الأمة تبتلى في قبورها فإذا دفن الإنسان وتفرق عنه أصحابه جاءه ملك في يده مطراق فأقعده فقال ما تقول في هذا الرجل يعني محمدا ﷺ فإن كان مؤمنا قال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده رسوله فيقولون له صدقت ثم يفتح له باب إلى النار فيقولون هذا كان منزلك لو كفرت بربك فأما إذا آمنت به فهذا منزلك فيفتح له باب إلى الجنة فيريد أن ينهض إلى الجنة فيقولون له اسكن" (^١). وذكر الحديث.
• وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت خسفت الشمس في حياة رسول الله ﷺ فذكرت الحديث إلى أن قالت ثم قام فخطب الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: "أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة" (^٢).
وقال رسول الله ﷺ: "رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدتم حتى لقد رأيتني آخذ قطفا من الجنة حين رأيتموني أقدم ولقد رأيت جهنم يحطم بعضها حين رأيتموني تأخرت " (^٣).
• وفي الصحيحين واللفظ للبخاري عن عبد الله بن عباس قال: انخسفت الشمس على عهد رسول الله فذكر الحديث وفيه قال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله ". فقالوا يا رسول الله ﷺ: رأيناك تناولت شيئا في مقامك ثم رأيناك تكعكعت فقال: "إني رأيت
_________________
(١) أخرجه أحمد النسخ (٣/ ٣ - ٤) والبزار كما في (كشف الأستار) رقم (٨٧٢) وابن أبي عاصم في (السنة) رقم (٨٦٥)، والطبري في تفسيره (١٣/ ٢١٤)، والبيهقي في (إثبات عذاب القبر) رقم (٣١)، من طريق عباد بن راشد البصري عن داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري فذكره. وقد تفرد به عباد وهو صدوق له أوهام، عن خاله داود بن أبي هند مرفوعا. وقال البزار: (لا نعلمه عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد، وهذا من أغرب ما كان يسأل عنه الحسين وابن معمر). وقد خولف عباد، خالفه مسلمة بن علقمة فأوقفه. فرواه عن داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: فذكر نحوا من حديث عباد بن راشد ولم يرفعه.
(٢) رقم (٩٠١)، وهو عند البخاري أيضا رقم (٩٩٧، ١١٥٤).
(٣) أخرجه البخاري رقم (٣٥٨)، ومسلم رقم (٩٠٧).
[ ٢ / ٢٣٥ ]
الجنة وتناولت عنقودا ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا ورأيت النار فلم أر منظرا كاليوم قط أفظع ورأيت أكثر أهلها النساء. قالوا بم يا رسول قال: " بكفرهن" قيل: أيكفرن بالله قال: "يكفرن العشير ويكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئا قالت ما رأيت منك خيرا قط" (^١).
• وفي صحيح البخاري عن أسماء بنت أبي بكر عن النبي ﷺ في صلاة الخسوف قال: "قد دنت مني الجنة حتى لو اجترأت عليها لجئتكم بقطاف من قطافها ودنت مني النار حتى قلت أي رب وأنا معهم فإذا امرأة حسبت أنه قال تخدشها هرة قلت ما شأن هذه قالوا حبستها حتى ماتت جوعا لا أطعمتها ولا أرسلتها تأكل" (^٢).