أنكروا خلقهما الآن، فقالوا: الجنة والنار لم تخلقا بعد، ولكن سوف يخلقهما الله تعالى يوم القيامة، أما الآن فلا توجد جنة ولا نار.
شبهتهم: سبب هذا القول إن المعتزلة يعملون عقولهم في مقابلة النصوص، فيعارضون النصوص بعقولهم، وهذا من جهلهم ومن ضلالهم، فهم يقولون: لو قلنا إن الجنة والنار مخلوقتان الآن لصار خلقهما عبثًا؛ لأنهما مخلوقتان وليس فيهما أحد، والعبث محال على الله، فتنزيهًا لله نقول: لا توجد جنة ولا نار الآن؛ لكن يخلقهما الله يوم القيامة حين ينتفع المؤمنون بالجنة ويكون الكفرة في النار.
ويجاب عليهم:
أولًا: قولكم هذا من أبطل الباطل؛ لأن الله تعالى أثبتهما، ونحن نصدق الله ونؤمن بالله، فقد أخبر تعالى أنهما موجودتان، قال عن الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وقال عن النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]، فهي مرصدة معدة مهيأة.
ثانيًا: أن خلق الجنة وخلق النار الآن وإعدادهما أبلغ في الزجر وأبلغ في التشديد، فإذا علم العاصي أن النار معدة الآن صار أبلغ في الزجر، وإذا علم المطيع أن الجنة معدة صار أبلغ في الشوق.
ثالثًا: نقول: من قال إن خلقهما الآن عبث؟ فالجنة فيها الولدان، وفيها الحور،
_________________
(١) رقم (٧١٢).
(٢) رقم (٩٠٤) - (٩).
[ ٢ / ٢٣٦ ]
وأرواح المؤمنين تتنعم في الجنة، وأرواح الشهداء تنعم فيها، كما جاء في الحديث: (أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة وترد أنهارها، وتأكل من ثمارها، حتى يرجعها الله إلى أجسادها)، والمؤمن إذا مات نقلت روحه إلى الجنة على هيئة نسمة طائر يعلق في الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثون.
• ونعلم أن المؤمن يفتح له باب إلى الجنة فيأتيه من نعيمها، والكافر يفتح له باب إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها.
• إذًا هناك حكمة وفائدة من خلقهما الآن، فهذا من جهل المعتزلة وضلالهم، حيث إنهم عارضوا النصوص بأفهامهم وآرائهم الفاسدة.
[ ٢ / ٢٣٧ ]
«إلى أن قال: ونعتقد أن النبي ﷺ عرج بنفسه إلى سدرة المنتهى».
ما وقع في الإسراء والمعراج معلومٌ وثبتت به النصوص من إسراء النبي ﷺ إلى بيت المقدس ثم عروجه من بيت المقدس إلى السماء، ثم ﷺ بلغ إلى سدرة المنتهى وقد جاء بذلك النصوص، فالإسراء ورد في القرآن، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١]، فهذا أمر إسراء؛ والمعراج جاءت به السنة، ومعلوم أن الله ﷾ أكرم النبي ﷺ بهذا وسلاه بهذا ولذلك الناس بعد أن أخبرهم النبي ﷺ بهذا الأمر انقسموا إلى مؤمنٍ ومكذب.
وممن شهد له بالإيمان بذلك الصديق أبو بكر، ولذلك سمي الصديق؛ لأنه صدق النبي ﷺ فيما قال في ذلك الأمر، فنحن نؤمن بأن النبي ﷺ عُرج به بجسده وروحه ﷺ، وأن هذا العروج حقيقة وليس منامًا، ونؤمن بأنه شاهد هذا كله ﷺ كما جاءت بذلك النصوص.
قد دل على ذلك من القرآن:
• قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم: ١٣: ١٥] وقد رأى النبي ﷺ سدرة المنتهى ورأى عندها جنة المأوى كما في الصحيحين من حديث أنس في قصة الإسراء وفي آخره: "ثم أنطلق بي جبريل حتى انتهى إلى سدرة المنتهى فغشيها ألوان لا أدرى ما هي قال ثم دخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك" (^١).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٣١٦٤) ومسلم في صحيحه (١٦٣) واللفظ للبخاري.
[ ٢ / ٢٣٨ ]
«إلى أن قال: ونعتقد أن الله قبض قبضتين؛ فقال: «هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار» (^١).
يذكر غير واحد من العلماء هذه المسألة بعينها في كتب الاعتقاد ومن هؤلاء الإمام الطحاوي حيث يقول: "وقد علم الله تَعَالَى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة، وعدد من يدخل النار، جملة واحدة، فلا يزاد في ذلك العدد ولا ينقص منه، وكذلك أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه" (^٢).
قَالَ ابن أبي العز شارح العقيدة الطحاوية رحمه الله تعالى:
"قال الله تَعَالَى: «إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» [الأنفال: ٧٥] «وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا» [الأحزاب: ٤٠] فالله تَعَالَى موصوف بأنه بكل شيء عليم أزلا وأبدًا، لم يتقدم علمه بالأشياء جهالة «وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا» [مريم: ٦٤] وعن عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِب ﵁ قال: ﴿كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا رَسُول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله، ومعه مخصرة، فنكس رأسه فجعل ينكت بمخصرته ثُمَّ قَالَ: ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة والنَّار وإلا قد كُتبت شقية أو سعيدة، قَالَ: فَقَالَ رجل: يا رَسُول الله أفلا نمكث عَلَى كتابنا وندع العمل؟ فقَالَ: من كَانَ من أهل السعادة فسيصير إِلَى عمل أهل السعادة، ومن كَانَ من أهل الشقاوة فسيصير
_________________
(١) هذا جزء من حديث؛ تمامه: «أن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية: (أصحاب اليمين) (وأصحاب الشمال)؛ فقبض قبضتين، فقال: «هذه في الجنة ولا أُبالي، وهذه في النار ولا أبالي». أخرجه أحمد في «المسند» (٥/ ٢٣٩)، وفي رواية أخرى: «إن الله خلق آدم، وأخذ الخلق من ظهره، فقال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي»، وفي رواية أخرى: «إن الله خلق آدم، فمسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية، فقال: هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره بيده فاستخرج ذرية، فقال: خَلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون». أخرجه أحمد في «المسند» (٥/ ٦٨)، وأبو داود (١٦).
(٢) شرح العقيدة الطحاوية ١/ ٣١٧.
[ ٢ / ٢٣٩ ]
إِلَى عمل أهل الشقاوة، ثُمَّ قَالَ: اعملوا فكل ميسَّر لما خلق له، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثُمَّ قرأ: «فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى» [الليل: ٥ - ١٠]﴾ خرجاه في الصحيحين" (^١)
وقد أنكر الفلاسفة علم الله بالجزئيات قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
"وَقَدْ يَقُولُونَ: إنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ الْكُلِّيَّاتِ دُونَ الْجُزْئِيَّاتِ؛ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَعْلَمُهَا عَلَى وَجْهٍ كُلِّيٍّ وَيَقُولُونَ مَعَ ذَلِكَ: إنَّهُ يَعْلَمُ نَفْسَهُ وَيَعْلَمُ مَا يَفْعَلُهُ.
وَقَوْلُهُمْ يَعْلَمُ نَفْسَهُ وَمَفْعُولَاتِهِ حَقٌّ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ لَكِنْ قَوْلُهُمْ مَعَ ذَلِكَ: إنَّهُ لَا يَعْلَمُ الْأَعْيَانَ الْمُعَيَّنَةَ جَهْلٌ وَتَنَاقُضٌ فَإِنَّ نَفْسَهُ الْمُقَدَّسَةَ مُعَيَّنَةٌ وَالْأَفْلَاكُ مُعَيَّنَةٌ وَكُلُّ مَوْجُودٍ مُعَيَّنٌ.
فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْمُعَيَّنَاتِ لَمْ يَعْلَمْ شَيْئًا مِنْ الْمَوْجُودَاتِ إذْ الْكُلِّيَّاتُ إنَّمَا تَكُونُ كُلِّيَّاتٍ فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ فَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ إلَّا الْكُلِّيَّاتِ لَمْ يَعْلَمْ شَيْئًا مِنْ الْمَوْجُودَاتِ.
تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا. " (^٢)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهؤلاء المتفلسفة الدهرية عندهم أن الله لا يفعل شيئا بمشيئته ولا يجيب دعاء الداعي بل ولا يعلم الجزئيات ولا يعرف هذا الداعي من هذا الداعي ولا يعرف إبراهيم من موسى من محمد وغيرهم بأعيانهم من رسله بل منهم من ينكر علمه مطلقا كأرسطو وأتباعه ومنهم من يقول إنما يعلم الكليات كابن سينا وأمثاله" (^٣).
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية ١/ ٣١٧.
(٢) مجموع الفتاوى ١٢/ ٥٩٥.
(٣) الجواب الصحيح ١/ ١١٤.
[ ٢ / ٢٤٠ ]
«ونعتقد أن للرسول ﷺ حوضًا».
أَعطى الله لنبيه محمد ﷺ الحوضُ المورود كما قال: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ١ - ٣].
قال الإمامُ القرطبيُّ: «والصَّحيح: أنَّ للنبي ﷺ حَوْضَيْن:
أحدهما: في المَوقف قبل الصِّراط.
والثَّاني: في الجَنَّة.
وكلاهما يُسَمَّى كوثرًا» (^١).
وقد جاءت أحاديث كثيرة في وصفه؛ منها:
• عن أبي عُبيدة أنه سأل عائشة ﵂ عن قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَر﴾ [الكوثر: ١]، فقالت: «نهرٌ أُعطيه نَبِيُّكم ﷺ؛ شاطئاه عليه دُرٌّ مُجَوَّف، آنيته كَعَدد النُّجوم» (^٢).
• وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «بينما أنا أسيرُ في الجَنَّة إذ أنا بنهرٍ حافتاه قِباب الدُّرِّ المُجَوَّف. قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثرُ الذي أعطاك رَبُّك، فإذا طِينُه-أو طِيبُه-مِسك أذفر» (^٣).
وقال شيخُ الإسلامِ رحمه الله تعالى: «خَصَّ الله نَبيَّه ﷺ أنَّه أعطاه الكوثر، وهو من الخير الكثير الذي آتاه اللهُ في الدُّنيا والآخرة؛ فمما أعطاه في الدُّنيا الهُدى والنَّصر والتأييد وقُرَّة العَين والنَّفس وشرح الصدر، ونَعَّم قلبَه بذكرِه وحُبِّه بحيث لا يُشبه نعيمُه نعيمَ الدُّنيا البتة، وأعطاه في الآخِرَة الوسيلةَ والمقامَ المحمودَ، وجعلَه أَوَّلَ مَنْ يُفتح له ولأمته باب الجنة، وأعطاه في الآخِرَة لواءَ الحمد والحوض العظيم في موقف القيامة، إلى غير ذلك» (^٤).
_________________
(١) «التذكرة» (ص ٣٦٢).
(٢) أخرجه البخاري (٤٩٦٥).
(٣) أخرجه البخاري (٦٥٨١ (.
(٤) «مجموع الفتاوى» (١٦/ ٥٢٧ - ٥٢٨)، بتصرف يسير.
[ ٢ / ٢٤١ ]
وقد حكم جمعٌ من أهل العلم بتواتر السُّنَّة في ذلك، قال ابن أبي العِزِّ: «الأحاديث الواردة في ذِكر الحوض تَبلغُ حَدَّ التواتر؛ رَوَاها من الصَّحابة بضعٌ وثلاثون صحابياًّ، ولقد استقصى طرقَها شيخُنا عمادُ الدِّين ابنُ كثير-تَغَمَّدَه اللهُ برحمتِه في آخر «تاريخه الكبير» (^١).
_________________
(١) «شرح الطحاوية» (ص ٢٢٧).
[ ٢ / ٢٤٢ ]
«ونعتقد أنه أول شافع وأول مُشَفَّع».
جاء في إثبات الشفاعة أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ بلغت حد التواتر، وصرحت هذه الأحاديث بأنه يدخل النار جملة من أهل الكبائر، من أهل التوحيد، مؤمنون موحدون، لكن دخلوا النار بذنوب ومعاص ارتكبوها ولم يتوبوا منها،