وقد رد سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا: أَئِمَّةُ الْعِلْمِ وَالدِّينِ مِنْ شُيُوخِ الْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ على هاتين الطائفتين وأَثْبَتُوا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَوْقَ سَمَوَاتِهِ وَأَنَّهُ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ وَهُمْ مِنْهُ بَائِنُونَ وَهُوَ أَيْضًا مَعَ الْعِبَادِ عُمُومًا بِعِلْمِهِ وَمَعَ أَنْبِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ بِالنَّصْرِ وَالتَّأْيِيدِ وَالْكِفَايَةِ وَهُوَ أَيْضًا قَرِيبٌ مُجِيبٌ.
موقفهم من نصوص من نصوص صفات العلو والمعية والقرب أنهم يؤمنون بجميع نصوص الصفات ولا يرون أن بينها أي تعارض فأَثْبَتُوا وَآمَنُوا بِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ كُلُّهُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ لِلْكَلِمِ
فإجماع السلف من الصحابة والتابعين ومن سار على نهجهم منعقد على إثبات علو الله، واستوائه على عرشه وقد نقل غير واحد من السلف هذا الإجماع عنهم، ومن ذلك ما رواه البيهقي بإسناد صحيح عن الأوزاعي أنه قال: "كنا والتابعون متوافرون
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٥/ ١٢٢ - ١٣١).
[ ٢ / ٩٧ ]
نقول: إن الله-تعالى-ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت فيه السنة من صفاته" (^١).
وقال أبو نصر السجزي: "فأئمتنا كسفيان الثوري، ومالك، وسفيان ابن عيينة، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وعبد الله بن المبارك، وفضيل بن عياض، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي: متفقون على أن الله-سبحانه-بذاته فوق العرش، وأن علمه بكل مكان، وأنه يرى يوم القيامة بالأبصار فوق العرش" (^٢).
وقال أبو نعيم الأصبهاني في عقيدته المشهورة: "وطريقتنا طريقة السلف المتبعين للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، فما اعتقدوه اعتقدناه، فمما اعتقدوه أن الأحاديث التي تثبت عن النبي ﷺ في العرش والاستواء عليه يقولون بها، ويثبتونها من غير تكييف ولا تشبيه، وأن الله بائن من خلقه، والخلق بائنون منه، لا يحل فيهم، ولا يمتزج بهم، وهو مستو على عرشه في سمواته من دون أرضه" (^٣).
وكلام السلف من الصحابة والتابعين، من تبعهم في إثبات العلو كثير جدا ولا يتسع المقام ههنا لذكره، وقد "نقل شيخ الإسلام ابن تيمية الكثير من تلك النصوص الواردة عنهم، وبين إجماعهم على إثبات ذلك (^٤)، وكذلك فعل تلميذه ابن القيم في كتابه "اجتماع الجيوش الإسلامية" وكذلك الذهبي في كتابيه "العلو" و"العرش".
_________________
(١) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٣٠٤، رقم ٨٦٥). وأخرجه ابن بطة في الشرح والإبانة (ص ٢٢٩). وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتوى الحموية، انظر مجموع الفتوى (٥/ ٣٩)، وصحح إسناده. وقال: "وإنما قال الأوزاعي هذا بعد ظهور جهم المنكر لكون الله فوق عرشه، والنافي لصفاته، ليعرف الناس أن مذهب السلف خلاف ذلك". وأخرجه الذهبي في السير (٧/ ١٢٠ - ١٢١، ٨/ ٤٠٢). وأورده في تذكرة الحفاظ (١/ ١٧٩ - ١٨٠)، وفي الأربعين (ص ٤٢، برقم ١٣). وفي العلو (ص ١٠٢)، وعزاه للبيهقي في الأسماء والصفات. وأورده ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ١٣١، ١٣٥) وصحح إسناده، وقال الذهبي في كتاب العرش ٢/ ٢٢٣ ورواته أئمة ثقات. وأورده ابن حجر في فتح الباري (١٣/ ٤٠٦)
(٢) درء تعارض العقل والنقل": (٦/ ٢٥٠).
(٣) درء تعارض العقل والنقل": (٦/ ٢٥٠).
(٤) انظر: "مجموع الفتاوى": (٥/ ٦).
[ ٢ / ٩٨ ]
«قال أبو عبد الله: أمَّا قوله: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ﴾ [محمد: ٣١]، و﴿وَسَيَرَى اللَّهُ﴾ [التوبة: ٩٤]، و﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُون﴾ [الشعراء: ١٥]، فإنما معناه: حتى يكون الموجود فيعلمه موجودًا، ويسمعه مسموعًا، ويبصره مبصرًا لا على استحداث علم ولا سمع ولا بصر.
وأما قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا﴾ [الإسراء: ١٦]، إذا جاء وقت كون المراد فيه».
تقدم الحديث عن هذه المسألة قبل قليل ونقل كلام شيخ الإسلام والإمام ابن حجر العسقلاني فيها.
[ ٢ / ٩٩ ]
«وأن قوله ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨]، ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦]، ﴿إِذًا لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢]، فهذا وغيره مثل قوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، هذا منقطع يُوجب أنه فوق العرش، فوق الأشياء كلها، منزه عن الدخول في خلقه، لا يخفي عليه منهم خافية؛ لأنه أبان في هذه الآيات أن ذاته بنفسه فوق عباده؛ لأنه قال: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، يعني فوق العرش، والعرش فوق السماء؛ لأن مَنْ قد كان فوق كل شيء على السماء في السماء، وقد قال مثل ذلك في قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ﴾ [التوبة: ٢]، يعني: على الأرض، لا يريد الدخول في جوفها. وكذلك قوله: ﴿يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٢٦]، يعني على الأرض لا يريد الدخول في جوفها، وكذلك قوله: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، يعني: فوقها عليها.
وقال: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، ثم فصل فقال: ﴿أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾، ولم يصل، فلم يكن لذلك معنى إذ فصل بقوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، ثم استأنف التخويف بالخسف إلا أنه على عرشه فوق السماء.
وقال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥]، وقال: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْه﴾ [المعارج: ٤]، فبين عروج الأمر وعروج الملائكة، ثم وصف وقتَ صعودها بالارتفاع صاعدةً إليه، فقال: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤]، فقال: صعودها إليه، وفصله من قوله: ﴿إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]، كقول القائل: اصعد إلى فلان في ليلة أو يوم، وذلك أنه في العلو وأن صعودك إليه في يوم، فإذا صعدوا إلى العرش فقد صعدوا إلى الله ﷿، وإن كانوا لم يروه، ولم يُساووه في الارتفاع في علوه، فإنهم صعدوا من الأرض وعرجوا بالأمر إلى العلو؛ قال الله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]، ولم يقل: عنده.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ١٠٠ ]
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [غافر: ٣٧: ٣٦]، ثم استأنف الكلام فقال: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٧]، فيما قال لي: إنَّ إلهه فوق السموات.
فبَيَّنَ الله ﷾ أن فرعون ظن بموسى أنه كاذب فيما قال، وعمد لطلبه حيث قاله من الظن بموسى أنَّه كاذب، ولو أن موسى قال: إنه في كل مكان بذاته، لطلبه في بيته أو في بدنه، أو في وحشه؛ فتعالى الله عن ذلك، ولم يجهد نفسه ببنيان الصرح».
أشار هنا إلى تنوع سياقات الآيات ودلالتها في إثبات صفة العلو وقد سبق الإشارة إلى ذلك فالقرآن الكريم من أوله إلى آخره مليء بما هو إما نص ظاهر في أن الله فوق كل شيء، وأنه عال على خلقه ومستو على عرشه، وقد تنوعت تلك الدلالات، فوردت بأصناف من العبارات، فقد أشار العلماء إلى ذلك التنوع في العبارة على إثبات هذه الصفة، ومن ذلك:
١ - التصريح بالفوقية مقرونة بأداة (من) المعينة لفوقية الذات نحو: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠].
٢ - ذكرها مجردة عن الأداة، كقوله: ﴿وَهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨].
٣ - التصريح بالعروج إليه، نحو ﴿تَعْرُجُ المَلَائِكَةُ وَالرُّوُحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤].
٤ - التصريح بالصعود إليه، كقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلكَلِمُ الطّيّبُ﴾ [فاطر: ١٠].
٥ - التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه، كقوله: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]، وقوله: ﴿إِنّي مُتَوفَيّكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥].
٦ - التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو، ذاتًا، وقدرًا، وشرفًا، كقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾.
٧ - التصريح بتنزيل الكتاب منه كقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١]، ﴿تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]، ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَّبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل ١٠٢]. وهذا يدل على شيئين:
الأول: على أنَّ القرآنَ ظَهَر منه لا من غيره، وأَنَّهُ الذي تكلم به، لا غيره.
[ ٢ / ١٠١ ]
الثاني: على عُلُوِّهِ على خَلْقِهِ، وأنَّ كلامَه نزل به الرُّوح الأمين من عنده من أعلى مكان إلى رسوله.
٨ - التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده، وأن بعضها أقرب إليه من بعض، كقوله: ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [فصلت: ٣٨]، وقوله ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩]، ففرَّق بين من له عمومًا، ومن عنده من مماليكه وعبيده خصوصًا.
٩ - التَّصريح بأنه سبحانه في السَّماء، وهذا عند أَهْل السُّنَّة على أحد وجهين:
إما أن تكون «في» بمعنى «على».
وإما أن يراد بالسَّماء العلو، لا يختلفون في ذلك، ولا يجوز حملُ النَّصِّ على غيره.
١٠ التَّصريح بالاستواء مقرونًا بأداة «على» مختصًّا بالعرش، الذي هو أعلى المخلوقات، مصاحبًا في الأكثر لأداة «ثُمَّ» الدَّالَّة على الترتيب والمهلة، وهو بهذا السِّياق صريحٌ في معناه الذي لا يفهم المخاطبون غيره من العُلُوِّ والارتفاع، ولا يحتمل غيره البتَّة.
١١ - إخباره سبحانه عن فرعون أنه رَامَ الصُّعُودَ إلى السماء؛ لِيَطَّلِعَ إلى إله موسى، فيُكذبه فيما أخبر به من أنه فوق السماوات؛ فقال: ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧]، فكذَّب فرعونُ موسى في إخباره إياَّه بأن ربَّه فوق السماء (^١).
وفي قوله ﷾: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لله وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ -بيَّن أن الملائكة أقرب إليه من غيرهم من خلقه.
وكذلك قوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، إلى غير ذلك من ألفاظ متنوعة ومتعددة تدل دلالة واضحة على أن الله عال على خلقه مُستو على عرشه.
_________________
(١) انظر: «إعلام الموقعين» (٢/ ٣١٤ - ٣١٧).
[ ٢ / ١٠٢ ]
«قال أبو عبد الله: وأما الآية التي يزعمون أنه قد وصلها- ولم يقطعها كما قطع الكلام الذي أراد به أنه على عرشه، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [المجادلة: ٧]، فأخبر بالعلم، ثم أخبر أنه مع كل مُنَاجٍ، ثم ختم الآية بالعلم بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧]؛ فبدأ بالعلم، وختم بالعلم، فبين أنه أراد أنه يَعلمهم حيث كانوا؛ لا يخفون عليه، ولا يَخفى عليه مناجاتهم ولو اجتمع القوم في أسفل وناظر إليهم في العلو، فقال: إني لم أزل أَرَكُم، وأعلم مناجاتكم لكان صادقًا-ولله المثل الأعلى أن يُشبه الخلق-فإن أبَوْا إلا ظاهر التلاوة، وقالوا: هذا منكم دعوى، خرجوا عن قولهم في ظاهر التلاوة؛ لأن مَنْ هو مع الاثنين أو أكثر هو معهم لا فيهم، ومَن كان مع الشيء فقد خلا منه جسمه. وهذا خروج من قولهم».
والمراد بآيات المعية العامة وقد وردت في موضعين من القرآن -كما سيأتي- أن الله معنا بعلمه، فهو مطلع على خلقه شهيد عليهم، ومهيمن وعالم بهم، فهذه المعية هي المرادة بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
فالله ﷾ قد افتتح الآية بالعلم وختمها بالعلم ولذلك أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم تفسير القرآن على أن تفسير الآية هو أنه معهم بعلمه، وقد نقل هذا الإجماع ابن عبد البر (^١)، وأبو عمرو الطلمنكي، وابن تيمية (^٢)، وابن القيم (^٣).
_________________
(١) التمهيد (٧/ ١٣٨).
(٢) مجموع الفتاوى (٥/ ١٩٣)، و(٥/ ٥١٩)، و(١١/ ٢٤٩ - ٢٥٠).
(٣) اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ٤٤).
[ ٢ / ١٠٣ ]
وعلى هذا فلا حجة للمخالفين في ظاهر هذه الآية.
وكذلك أيضًا ما جاء في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
فظاهر الآية دال على أن المراد بهذه المعية هو علم الله ﵎ واطلاعه على خلقه، فقد أخبر الله تعالى في هذه الآية بأنه فوق العرش يعلم كل شيء، وهو معنا أينما كنا، فجمع تعالى في هذه الآية بين العلو والمعية، فليس بين الاثنين تناقض البتة، وهو كقوله ﷺ في حديث الأوعال: "والله فوق العرش يعلم ما أنتم عليه".
[ ٢ / ١٠٤ ]
«وكذلك قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، لأن ما قرب من الشيء ليس هو في الشيء، ففي ظاهر التلاوة على دعواهم أنه ليس في حبل الوريد».
وأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾، فقد أجاب عنه شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: "إن هذه الآية لا تخلوا من أن يراد بها قربه سبحانه أو قرب ملائكته كما قد اختلف الناس في ذلك.
فإن أريد بها قرب الملائكة: فدليل ذلك من الآية قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ. إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ ففسر ذلك القرب الذي هو حين يتلقى المتلقيان، فيكون الله سبحانه قد أخبر بعلمه هو سبحانه بما في نفس الإنسان، ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ وأخبر بقرب الملائكة الكرام الكاتبين منه، ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ وعلى هذا التفسير تكون هذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف ٨٠].
أما إذا كان المراد بالقرب في الآية قربه سبحانه، فإن ظاهر السياق في الآية دل على أن المراد بقربه هنا قربه بعلمه، وذلك لورود لفظ العلم في سياق الآية ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ " (^١).
_________________
(١) الفتاوى (٦/ ١٩ - ٢٠).
[ ٢ / ١٠٥ ]
«وكذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]، لم يقل في السماء ثم قطع، كما قال: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، ثم قطع فقال: ﴿أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾، فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾؛ إله أهل السماء وإله أهل الأرض، وذلك موجود في اللغة؛ تقول: فلان أمير في خراسان وأمير في بلخ، وأمير في سمرقند، وإنما هو في موضع واحد، ويَخفى عليه ما وراءه، فكيف العالي فوق الأشياء لا يَخفي عليه شيء من الأشياء يُدَبِّره، فهو إله فيهما إذا كان مُدبرًا لهما، وهو على عرشه وفوق كل شيء تعالى عن الأمثال» (^١).
وأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾، فمعنى الآية: أي هو إله من في السموات وإله من في الأرض.
قال ابن عبد البر: "فوجب حمل هذه الآية على المعنى الصحيح المجتمع عليه، وذلك أنه في السماء إله معبود من أهل السماء، وفي الأرض إله معبود من أهل الأرض، وكذلك قال أهل العلم بالتفسير" (^٢).
وقال الآجري: "وقوله ﷿ ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ فمعناه: أنه جل ذكره إله من في السموات وإله من في الأرض، وهو الإله يعبد في السموات، وهو الإله يعبد في الأرض، هكذا فسره العلماء" (^٣).
وروى الآجري بسنده في تفسيره هذه الآية عن قتادة قوله: "هو إله يعبد في السماء، وإله يعبد في الأرض" (^٤).
وأما استدلالهم بقوله تعالى ﴿هُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ فقد فسرها أئمة العلم كالإمام أحمد وغيره أنه المعبود في السموات والأرض (^٥).
_________________
(١) انظر: كتاب «فهم القرآن» (ص ٢٢٣ - ٣٥٦)، طبع مع كتاب «العقل» كلاهما للحارث المحاسبي.
(٢) التمهيد (٧/ ١٣٤).
(٣) الشريعة (٣/ ١١٠٤).
(٤) الشريعة (٣/ ١١٠٤ - ١١٠٥).
(٥) الرد على الزنادقة والجهمية للإمام أحمد (ص ٩٢ - ٩٣)، ومجموع الفتاوى (١١/ ٢٥٠).
[ ٢ / ١٠٦ ]
وقال الآجري: "وعند أهل العلم من أهل الحق ﴿وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرّكُمْ وَجَهْرَكُم وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُون﴾ هو كما قال الحق ﴿يَعْلَمُ سِرّكُمْ﴾ فما جاءت به السنن أن الله ﷿ على عرشه، وعلمه محيط بجميع خلقه، يعلم ما تسرون وما تعلنون، ويعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون" (^١).
_________________
(١) الشريعة (٣/ ١١٠٤).
[ ٢ / ١٠٧ ]
«وكذلك لا يجوز إذا أخبر أن صفاتِه حَسَنة عُليا أن يُخبر بعد ذلك أنها دنية سفلى، فيصف نفسه بأنه جاهل ببعض الغيب بعد أن أخبر أنه عالم بالغيب، وأنه لا يبصر ما قد كان، ولا يسمع الأصوات، ولا قدرة له، ولا يتكلم، ولا الكلام كان منه، وأنه تحت الأرض ولا على العرش جل وعلا عن ذلك».
وصف الله نفسه في عدة آيات من كتابه العزيز بأن له الكمال الأعلى في ذاته وصفاته ومن تلك الآيات:
ا-قوله ﷿: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾: دليل على أن الله منزه عن أن يكون له مثل في شيء مما يوصف به من صفات كماله (^١).
والآية: في تفسيرها وجهان:
الأول: أن يكون معناه: ليس هو كشيء، وأدخل "المثل "في الكلام توكيدًا للكلام.
والثاني: أن يكون معناها: ليس مثله شيء، فتكون "الكاف" هي المدخلة في الكلام توكيدًا (^٢) وهذا وجه قوي حسن وهو الأظهر (^٣).
وقد اتفق أهل السنة على أن الله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله (^٤).
٢ - وقوله تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾:
قال ابن جرير الطبري في تفسيرها: "فلا تمثلوا لله الأمثال، ولا تشبهوا له الأشباه، فإنه لا مثل ولا شبه" (^٥).
وقال ابن كثير: "أي لا تجعلوا له أندادًا وأشباهًا وأمثالًا" (^٦).
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٦/ ٩٨
(٢) تفسير الطبري ٢٥/ ١٢ - ١٣
(٣) شرح الطحاوية ص ١٤٦
(٤) شرح الطحاوية ص ٩٩
(٥) تفسير الطبري ١٤/ ١٤٨
(٦) تفسير ابن كثير ٢/ ٥٧٨
[ ٢ / ١٠٨ ]
٣ - وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾.
٤ - وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
(فالله تعالى وصف نفسه بأن له المثل الأعلى، وهو الكمال المطلق، المتضمن للأمور الوجودية والمعاني الثبوتية، التي كلَّما كانت أكثر في الموصوف وأكمل كان بها أكمل وأعلى من غيره.
ولما كانت صفات الرب ﷾ أكثر وأكمل، كان له المثل الأعلى وكان أحق به من كل ما سواه، بل يستحيل أن يشترك في المثل الأعلى المطلق اثنان، لأنهما إن تكافآ من كل وجه، لم يكن أحدهما أعلى من الآخر، وإن لم يتكافآ، فالموصوف به أحدهما وحده، فيستحيل أن يكون لمن له المثل الأعلى مثل أو نظير، وهذا برهان قاطع على استحالة التمثيل والتشبيه، فتأمله فإنه في غاية الظهور والقوة) (^١).
٥ - وقوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾: روي عن ابن عباس في تفسيرها قوله: هل تعلم للرب مثلًا أو شبيهًا (^٢).
وكذلك قال مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وابن جريج وغيرهم (^٣).
٦ - وأما قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾: فالأحد يقتضي أنه لا مثل له ولا نظير.
٧ - وكذا قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ فالوحدانية تقتضي الكمال، والشركة تقتضي النقص (^٤).
ففي القرآن العظيم آيات كثيرة تدل على أن الله تعالى موصوف بصفات الكمال؛ منها: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾، و(الأعلى): صيغة أفعل التَّفضيل، أي: أعلى من غيره (^٥).
ومعناها كما قال القرطبي: «أي: الوصف الأعلى» (^٦)، وقال ابن كثير: «أي: الكمال المطلق من كل وجه» (^٧)، وقال ابن سعدي: «﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ وهو كل
_________________
(١) الصواعق المنزلة ٣/ ١٠٣٢، وشرح الطحاوية ص ١٤٤
(٢) تفسير الطبري ١٦/ ١٠٦
(٣) تفسير الطبري ١٦/ ١٠٦، وتفسير ابن كثير ٣/ ١٣١
(٤) مجموع الفتاوى ١٦/ ٩٩
(٥) «الصواعق المرسلة» (٣/ ١٠٣٠).
(٦) «تفسير القرطبي» (١٠/ ١١٩).
(٧) «تفسير ابن كثير» (٢/ ٥٧٣).
[ ٢ / ١٠٩ ]
صفة كمال، وكل كمال في الوجود فالله أحق به من غير أن يستلزم ذلك نقصًا بوجه» (^١).
لذا قال الإمام ابن القيم: «المَثل الأعلى يتضمن ثبوت الصفات العليا لله سبحانه، ووجودها العِلمي، والخبر عنها، وذكرها، وعبادة الرب سبحانه بها …» (^٢).
فالله تعالى وصف نفسه بأنَّ له المثل الأعلى، وهو الكمال المطلق، المتضمن للأمور الوجودية والمعاني الثبوتية، التي كلَّما كانت أكثر في الموصوف وأكمل كان بها أكمل وأعلى من غيره.
ولما كانت صفات الرب ﷾ أكثر وأكمل-كان له المثل الأعلى، وكان أحق به مَنْ كل ما سواه، بل يستحيل أن يشترك في المثل الأعلى المطلق اثنان؛ لأنهما إن تكافآ من كل وجه لم يكن أحدهما أعلى من الآخر، وإن لم يتكافآ فالموصوف به أحدهما وحده، فيستحيل أن يكون لمن له المثل الأعلى مِثل أو نظير، وهذا برهان قاطع على استحالة التمثيل والتشبيه؛ فتأمله فإنَّه في غاية الظهور والقوة» (^٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الْكَمَالَ ثَابِتٌ لِلَّهِ بَلْ الثَّابِتُ لَهُ هُوَ أَقْصَى مَا يُمْكِنُ مِنْ الأكملية بِحَيْثُ لَا يَكُونُ وُجُودُ كَمَالٍ لَا نَقْصَ فِيهِ إلَّا وَهُوَ ثَابِتٌ لِلرَّبِّ تَعَالَى يَسْتَحِقُّهُ بِنَفْسِهِ الْمُقَدَّسَةِ وَثُبُوتُ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ نَفْيَ نَقِيضِهِ؛ فَثُبُوتُ الْحَيَاةِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْمَوْتِ وَثُبُوتُ الْعِلْمِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْجَهْلِ وَثُبُوتُ الْقُدْرَةِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْعَجْزِ وَأَنَّ هَذَا الْكَمَالَ ثَابِتٌ لَهُ بِمُقْتَضَى الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْبَرَاهِينِ الْيَقِينِيَّةِ مَعَ دَلَالَةِ السَّمْعِ عَلَى ذَلِكَ.
وَدَلَالَةُ الْقُرْآنِ عَلَى الْأُمُورِ (نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: خَبَرُ اللَّهِ الصَّادِقُ فَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِهِ فَهُوَ حَقٌّ كَمَا أَخْبَرَ "اللَّهُ بِهِ. وَالثَّانِي: دَلَالَةُ الْقُرْآنِ بِضَرْبِ الْأَمْثَالِ وَبَيَانِ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمَطْلُوبِ. فَهَذِهِ دَلَالَةٌ شَرْعِيَّةٌ عَقْلِيَّةٌ فَهِيَ " شَرْعِيَّةٌ " لِأَنَّ الشَّرْعَ دَلَّ عَلَيْهَا وَأَرْشَدَ إلَيْهَا؛ وَ" عَقْلِيَّةٌ " لِأَنَّهَا تُعْلَمُ صِحَّتُهَا بِالْعَقْلِ.
وَلَا يُقَالُ: إنَّهَا لَمْ تُعْلَمْ إلَّا بِمُجَرَّدِ الْخَبَرِ وَإِذَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِالشَّيْءِ وَدَلَّ عَلَيْهِ بِالدَّلَالَاتِ الْعَقْلِيَّةِ: صَارَ مَدْلُولًا عَلَيْهِ بِخَبَرِهِ. وَمَدْلُولًا عَلَيْهِ بِدَلِيلِهِ الْعَقْلِيِّ الَّذِي يُعْلَمُ بِهِ فَيَصِيرُ ثَابِتًا
_________________
(١) «تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان» (٤/ ١٠٤).
(٢) «الصواعق المرسلة» (٣/ ١٠٣٤) بتصرف.
(٣) «الصواعق المرسلة» (٣/ ١٠٣٢)، و«شرح الطحاوية» (ص ١٤٤).
[ ٢ / ١١٠ ]
بِالسَّمْعِ وَالْعَقْلِ وَكِلَاهُمَا دَاخِلٌ فِي دَلَالَةِ الْقُرْآنِ الَّتِي تُسَمَّى " الدَّلَالَةَ الشَّرْعِيَّةَ ".
وَثُبُوتُ مَعْنَى الْكَمَالِ قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ بِعِبَارَاتِ مُتَنَوِّعَةٍ دَالَّة عَلَى مَعَانِي مُتَضَمِّنَةٍ لِهَذَا الْمَعْنَى.
فَمَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ إثْبَاتِ الْحَمْدِ لَهُ وَتَفْصِيلِ مَحَامِدِهِ وَأَنَّ لَهُ الْمَثَلَ الْأَعْلَى وَإِثْبَاتِ مَعَانِي أَسْمَائِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ: كُلُّهُ دَالٌّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى.
وَقَدْ ثَبَتَ لَفْظُ " الْكَامِلِ " فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ أَنَّ " الصَّمَدَ " هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْكَمَالِ وَهُوَ السَّيِّدُ الَّذِي كَمُلَ فِي سُؤْدُدِهِ وَالشَّرِيفُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي شَرَفِهِ وَالْعَظِيمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي عَظَمَتِهِ وَالْحَكَمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي حُكْمِهِ وَالْغَنِيُّ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي غِنَاهُ وَالْجَبَّارُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي جَبَرُوتِهِ وَالْعَالِمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي عِلْمِهِ وَالْحَكِيمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي حِكْمَتِهِ وَهُوَ الشَّرِيفُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي أَنْوَاعِ الشَّرَفِ وَالسُّؤْدُدِ وَهُوَ اللَّهُ ﷾" (^١).
قال ابن تيمية: "وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ أَحَقُّ بِالْكَمَالِ مِنْ غَيْرِهِ وَأَنَّ غَيْرَهُ لَا يُسَاوِيهِ فِي الْكَمَالِ فِي مِثْلِ:
قَوْله تَعَالَى ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾؟ وَقَدْ بَيَّنَ أَنَّ الْخَلْقَ صِفَةُ كَمَالٍ وَأَنَّ الَّذِي يَخْلُقُ أَفْضَلُ مِنْ الَّذِي لَا يَخْلُقُ وَأَنَّ مَنْ عَدَلَ هَذَا بِهَذَا فَقَدْ ظَلَمَ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فَبَيَّنَ أَنَّ كَوْنَهُ مَمْلُوكًا عَاجِزًا صِفَةُ نَقْصٍ، وَأَنَّ الْقُدْرَةَ وَالْمِلْكَ وَالْإِحْسَانَ صِفَةُ كَمَالٍ وَأَنَّهُ لَيْسَ هَذَا مِثْلُ هَذَا وَهَذَا لِلَّهِ وَذَاكَ لِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِهِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وَهَذَا مَثَلٌ آخَرُ. فَالْأَوَّلُ مِثْلُ الْعَاجِزِ عَنْ الْكَلَامِ وَعَنْ الْفِعْلِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ. وَالْآخَرُ الْمُتَكَلِّمُ الْآمِرُ بِالْعَدْلِ الَّذِي هُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ فَهُوَ عَادِلٌ فِي أَمْرِهِ مُسْتَقِيمٌ فِي فِعْلِهِ. فَبَيَّنَ أَنَّ التَّفْضِيلَ بِالْكَلَامِ الْمُتَضَمِّنِ لِلْعَدْلِ وَالْعَمَلِ الْمُسْتَقِيمِ فَإِنَّ مُجَرَّدَ الْكَلَامِ وَالْعَمَلِ قَدْ يَكُونُ مَحْمُودًا وَقَدْ يَكُونُ مَذْمُومًا. فَالْمَحْمُودُ
_________________
(١) مجموع الفتاوى: ٦/ ٧٠ - ٧٢.
[ ٢ / ١١١ ]
هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ صَاحِبُهُ الْحَمْدَ فَلَا يَسْتَوِي هَذَا وَالْعَاجِزُ عَنْ الْكَلَامِ وَالْفِعْلِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي "مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. يَقُولُ تَعَالَى: إذَا كُنْتُمْ أَنْتُمْ لَا تَرْضَوْنَ بِأَنَّ الْمَمْلُوكَ يُشَارِكُ مَالِكَهُ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ النَّقْصِ وَالظُّلْمِ فَكَيْفَ تَرْضَوْنَ ذَلِكَ لِي وَأَنَا أَحَقُّ بِالْكَمَالِ وَالْغِنَى مِنْكُمْ؟ وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ تَعَالَى أَحَقُّ بِكُلِّ كَمَالٍ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ وَهَذَا كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ حَيْثُ كَانُوا يَقُولُونَ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ وَهُمْ يَكْرَهُونَ أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمْ بِنْتٌ فَيَعُدُّونَ هَذَا نَقْصًا وَعَيْبًا. وَالرَّبُّ تَعَالَى أَحَقُّ بِتَنْزِيهِهِ عَنْ كُلِّ عَيْبٍ وَنَقْصٍ مِنْكُمْ؛ فَإِنَّ لَهُ " الْمَثَلَ الْأَعْلَى " فَكُلُّ كَمَالٍ ثَبَتَ لِلْمَخْلُوقِ: فَالْخَالِقُ أَحَقُّ بِثُبُوتِهِ مِنْهُ إذَا كَانَ مُجَرَّدًا عَنْ النَّقْصِ وَكُلُّ مَا يُنَزَّهُ عَنْهُ الْمَخْلُوقُ مِنْ نَقْصٍ وَعَيْبٍ: فَالْخَالِقُ أَوْلَى بِتَنْزِيهِهِ عَنْهُ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْعَالِمَ أَكْمَلُ مِمَّنْ لَا يَعْلَمُ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ ﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ فَبَيَّنَ أَنَّ الْبَصِيرَ أَكْمَلُ وَالنُّورَ أَكْمَلُ وَالظِّلَّ أَكْمَلُ؛ وَحِينَئِذٍ فَالْمُتَّصِفُ بِهِ أَوْلَى. ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ فَدَلَّ "ذَلِكَ عَلَى أَنَّ عَدَمَ التَّكَلُّمِ وَالْهِدَايَةِ نَقْصٌ وَأَنَّ الَّذِي يَتَكَلَّمُ وَيَهْدِي: أَكْمَلُ مِمَّنْ لَا يَتَكَلَّمُ وَلَا يَهْدِي وَالرَّبُّ أَحَقُّ بِالْكَمَالِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ
[ ٢ / ١١٢ ]
بِمَا هُوَ مُسْتَقِرٌّ فِي الْفِطْرِ أَنَّ الَّذِي يَهْدِي إلَى الْحَقِّ أَحَقُّ بِالِاتِّبَاعِ مِمَّنْ لَا يَهْتَدِي إلَّا أَنْ يَهْدِيَهُ غَيْرُهُ؛ فَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْهَادِي بِنَفْسِهِ هُوَ الْكَامِلُ؛ دُونَ الَّذِي لَا يَهْتَدِي إلَّا بِغَيْرِهِ. وَإِذَا كَانَ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ الْهَادِي لِغَيْرِ الْمُهْتَدِي بِنَفْسِهِ فَهُوَ الْأَكْمَلُ.
وَقَالَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الَّذِي يَرْجِعُ إلَيْهِ الْقَوْلُ وَيَمْلِكُ الضُّرَّ وَالنَّفْعَ: أَكْمَلُ مِنْهُ.
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ السَّمِيعَ الْبَصِيرَ الْغَنِيَّ أَكْمَلُ وَأَنَّ الْمَعْبُودَ يَجِبُ أَنْ "يَكُونَ كَذَلِكَ. وَمِثْلُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ مُتَعَدِّدٌ مِنْ وَصْفِ الْأَصْنَامِ بِسَلْبِ " صِفَاتِ الْكَمَالِ " كَعَدَمِ التَّكَلُّمِ وَالْفِعْلِ وَعَدَمِ الْحَيَاةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُتَّصِفَ بِذَلِكَ مُنْتَقِصٌ مَعِيبٌ كَسَائِرِ الْجَمَادَاتِ وَأَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ لَا تُسْلَبُ إلَّا عَنْ نَاقِصٍ مَعِيبٍ وَأَمَّا " رَبُّ الْخَلْقِ " الَّذِي هُوَ أَكْمَلُ مِنْ كُلِّ مَوْجُودٍ فَهُوَ أَحَقُّ الْمَوْجُودَاتِ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَأَنَّهُ لَا يَسْتَوِي الْمُتَّصِفُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَاَلَّذِي لَا يَتَّصِفُ بِهَا؛ وَهُوَ يَذْكُرُ أَنَّ الْجَمَادَاتِ فِي الْعَادَةِ لَا تَقْبَلُ الِاتِّصَافَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ.
فَمَنْ جَعَلَ الْوَاجِبَ الْوُجُودِ لَا يَقْبَلُ الِاتِّصَافَ: فَقَدْ جَعَلَهُ مِنْ جِنْسِ الْأَصْنَامِ الْجَامِدَةِ الَّتِي عَابَهَا اللَّهُ تَعَالَى وَعَابَ عَابِدِيهَا.
وَلِهَذَا كَانَتْ " الْقَرَامِطَةُ الْبَاطِنِيَّةُ " مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ شِرْكًا وَعِبَادَةً لِغَيْرِ اللَّهِ؛ إذْ كَانُوا لَا يَعْتَقِدُونَ فِي إلَهِهِمْ أَنَّهُ يَسْمَعُ أَوْ يُبْصِرُ أَوْ يُغْنِي عَنْهُمْ شَيْئًا.
وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ النُّصُوصَ لِمُجَرَّدِ تَقْرِيرِ صِفَاتِ الْكَمَالِ لَهُ بَلْ ذَكَرَهَا لِبَيَانِ أَنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ دُونَ مَا سِوَاهُ فَأَفَادَ الْأَصْلَيْنِ اللَّذَيْنِ بِهِمَا يَتِمُّ التَّوْحِيدُ: وَهُمَا:
(الأول): إثْبَاتُ صِفَاتِ الْكَمَالِ رَدًّا عَلَى أَهْلِ التَّعْطِيلِ.
(الثاني): وَبَيَانِ أَنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ رَدًّا عَلَى الْمُشْرِكِينَ.
وَالشِّرْكُ فِي الْعَالَمِ أَكْثَرُ مِنْ التَّعْطِيلِ؛ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ "إثْبَاتِ " التَّوْحِيدِ " الْمُنَافِي لِلْإِشْرَاكِ إبْطَالُ قَوْلِ أَهْلِ التَّعْطِيلِ؛ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ مُجَرَّدِ الْإِثْبَاتِ الْمُبْطِلِ لِقَوْلِ الْمُعَطِّلَةِ الرَّدُّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ إلَّا بِبَيَانِ آخَرَ.
وَالْقُرْآنُ يُذْكَرُ فِيهِ الرَّدُّ عَلَى الْمُعَطِّلَةِ تَارَةً؛ كَالرَّدِّ عَلَى فِرْعَوْنَ وَأَمْثَالِهِ؛ وَيُذْكَرُ فِيهِ الرَّدُّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَهَذَا أَكْثَرُ لِأَنَّ الْقُرْآنَ شِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ. وَمَرَضُ الْإِشْرَاكِ
[ ٢ / ١١٣ ]
أَكْثَرُ فِي النَّاسِ مِنْ مَرَضِ التَّعْطِيلِ وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَخْبَرَ أَنَّ لَهُ الْحَمْدَ وَأَنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ وَأَنَّ لَهُ الْحَمْدَ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَحَامِدِ. وَ" الْحَمْدُ نَوْعَانِ ": حَمْدٌ عَلَى إحْسَانِهِ إلَى عِبَادِهِ. وَهُوَ مِنْ الشُّكْرِ؛ وَحَمْدٌ لِمَا يَسْتَحِقُّهُ هُوَ بِنَفْسِهِ مِنْ نُعُوتِ كَمَالِهِ وَهَذَا الْحَمْدُ لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى مَا هُوَ فِي نَفْسِهِ مُسْتَحِقٌّ لِلْحَمْدِ وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ مَنْ هُوَ مُتَّصِفٌ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَهِيَ أُمُورٌ وُجُودِيَّةٌ فَإِنَّ الْأُمُورَ الْعَدَمِيَّةَ الْمَحْضَةَ لَا حَمْدَ فِيهَا وَلَا خَيْرَ وَلَا كَمَالَ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ مَا يُحْمَدُ فَإِنَّمَا يُحْمَدُ عَلَى مَا لَهُ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ فَكُلُّ مَا يُحْمَدُ بِهِ الْخَلْقُ فَهُوَ مِنْ الْخَالِقِ وَاَلَّذِي مِنْهُ مَا يُحْمَدُ عَلَيْهِ هُوَ أَحَقُّ بِالْحَمْدِ فَثَبَتَ أَنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْمَحَامِدِ الْكَامِلَةِ وَهُوَ أَحَقُّ مَنْ كُلِّ مَحْمُودٍ بِالْحَمْدِ وَالْكَمَالِ مِنْ كُلِّ كَامِلٍ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. " (^١)
وقد دل الدليل العقلي على أن كل صفات الله تعالى صفات كمال:
قال الشيخ ابن عثيمين: «فإذا قال قائل: ما هو دليلكم على ان الله متصف بصفة الكمال؟
قلنا: كل موجود حقيقة لابد له من صفة، فإمَّا أن تكون صفة كمال، وإما أن تكون صفة نقص، أما صفات النقص فهي مستحيلة في حقِّ الله ﷿، وأما صفات الكمال، فهي واجبة لله، فوجب أن يكون الله موصوفًا بصفات الكمال؛ لأنه منزه عن صفات النقص.
فإن قيل: هذا الحصر غير صواب؛ لأن الموجود قد يكون موصوفًا بصفات الكمال أو صفات النقص أو بصفةٍ لا نقص فيها ولا كمال.
قلنا: هذا القسم الأخير غير صحيح؛ لأنَّ الصفة التي لا كمال فيها ولا نقص هي في الحقيقة نقص؛ لأنها لغو وعبث، فالكمال: أن يكون الإنسان متصفًا بالصفات النافعة المفيدة، وما لا نفع فيه ولا ضرر، فهو داخل في صفات النقص؛ ولهذا قال النبي ﷺ حاثًّا على تكميل الإيمان: «مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» (^٢)» (^٣).
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٦/ ٧٨ - ٨٤
(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري (٦٠١٨) ومسلم (٤٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) «شرح القواعد المثلى» للشيخ ابن عثيمين (ص ١٠٢، ١٠٣).
[ ٢ / ١١٤ ]
وقال ابن القيم ﵀: «الصفات ثلاثة أنواع: صفات كمال. وصفات نقص. وصفات لا تَقتضي كمالًا ولا نقصًا. وإن كانت القسمة التقديرية تقتضي قسمًا رابعًا، وهو ما يكون كمالًا ونقصًا باعتبارين، والرب تعالى منزه عن الأقسام الثلاثة وموصوف بالقسم الأول، وصفاته كلها صفات كمال محض؛ فهو موصوف من الصفات بأكملها، وله من الكمال أكمله» (^١).
والدليل الثاني من العقل أن نقول: نحن نشاهد في المخلوق صفات كمال، والذي أعطاه هذا الكمال هو الله تعالى؛ فمُعطي الكمال أَوْلَى بالكمال، ومِن كماله: أنه أعطى الكمال، فهذا-أيضًا-دليل عقلي على ثبوت صفات الكمال لله ﷿؛ ولهذا استدل الله ﷿ على بطلان ألوهية الأصنام؛ لأنها ناقصة، فقال ﷾: ﴿ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون﴾ [الأحقاف: ٥]، وقال تعالى: ﴿والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون من أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون﴾ [النحل: ٢١، ٢٠]، وقال إبراهيم يحاجُّ أباه: ﴿يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا﴾، وقال محاجًّا لقومه: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾.
فتبين أن الرب لا بد أن يكون كامل الصفات وإلَّا لم يصح أن يكون ربًّا» (^٢).
_________________
(١) «بدائع الفوائد» (١/ ١٧٧)، مكتبة نزار مصطفى الباز -مكة المكرمة، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م.
(٢) «شرح القواعد المثلى» للشيخ ابن عثيمين (ص ١٠٣، ١٠٤).
[ ٢ / ١١٥ ]
(١٣٠) «وقال الإمام أبو عبد الله؛ محمد بن خفيف في كتابه الذي سَمَّاه «اعتقاد التوحيد بإثبات الأسماء والصفات»؛ قال في آخر خُطبته: «فاتفقت أقوال المهاجرين والأنصار في توحيد الله ﷿، ومعرفة أسمائه وصفاته وقضائه قولًا واحدًا وشرعًا ظاهرًا، وهم الذين نَقلوا عن رسول الله ﷺ ذلك حتى قال: «عليكم بِسُنَّتي»، وذكر الحديث (^١)، وحديث: «لَعن الله مَنْ أحدث حَدَثًا، أو آوى مُحدثًا» (^٢)، وقال: فكانت كلمة الصحابة على الاتفاق من غير اختلاف- وهم الذين أُمرنا بالأخذ عنهم إذ لم يختلفوا بحمد الله تعالى في أحكام التوحيد وأصول الدين من الأسماء والصفات، كما اختلفوا في الفروع، ولو كان منهم في ذلك اختلاف لنقل إلينا، كما نقل سائر الاختلاف؛ فاستقر صحة ذلك عن خاصَّتهم وعامَّتهم، حتى أدوا ذلك إلى التابعين لهم بإحسان، فاستقر صحة ذلك عند العلماء المعروفين، حتى نقلوا ذلك قرنًا بعد قرن؛ لأن الاختلاف كان عندهم في الأصل كفر، ولله المنة».
ينقل هنا شيخ الإسلام ﵀ عن الإمام أبي عبد الله؛ محمد بن خفيف، قوله في كتابه الذي سَمَّاه «اعتقاد التوحيد بإثبات الأسماء والصفات»؛ وهو لا يزال مفقودًا.
فقد قرر فيما أورده أن الصحابة-﵃-لم يَختلفوا في هذه الأبواب؛ باب الأسماء
_________________
(١) أخرجه مطولًا أبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٤)، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٤٦٠٧)، ولفظه: عن العرباض بن سارية ﵁ قال: «صَلَّى بنا رسولُ اللهِ ﷺ ذاتَ يومٍ، ثم أقبل علينا، فوعظنا موعظةً بليغةً، ذرفت منها العيون، ووجِلت منها القلوبُ. فقال قائلٌ: يا رسولَ اللهِ، كأنَّ هذه موعظةُ مُودِّعٍ، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: «أوصيكم بتقوى اللهِ والسَّمعِ والطاعةِ وإن عبدًا حبشيًّا؛ فإنه مَنْ يعِشْ منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنةِ الخلفاءِ المهديِّين الرَّاشدين؛ تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنَّواجذِ، وإياكم ومحدثاتِ الأمورِ؛ فإنَّ كلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ».
(٢) أخرجه البخاري (١٨٧٠)، ومسلم (١٣٧٠).
[ ٢ / ١١٦ ]
والصفات، وباب القضاء والقدر؛ كما اختلفوا في مسائل الأحكام.
وقد أشار الإمام ابن القيم ﵀ إلى ذلك؛ فقال: «وقد تنازع الصحابة في كثير من مسائل الأحكام، وهم سادات المؤمنين وأكمل المؤمنين إيمانًا، ولكن- بحمد الله- لم يَتنازعوا في مسألة واحدة في مسائل الأسماء والصفات والأفعال، بل كلهم على إثبات ما نَطق به الكتاب والسنة كلمة واحدة مِنْ أولهم إلى آخرهم، ولم يسموها تأويلًا، ولم يُحرفوها عن مواضعها تبديلًا، ولم يُبدوا لشيء منها إبطالًا، ولا ضربوا لها أمثالًا، ولم يقل أحد منهم: يجب صرفها عن حقائقها وحملها على مجازها، بل تَلَقَّوْها بالقبول والتسليم، وقابلوها بالإيمان والتعظيم، وجعلوا الأمر فيها كلها أمرًا واحدا … ولم يفعلوا كما فعل أهل الأهواء والبدع حيث جعلوها عِضِين، وأقروا ببعضها وأنكروا بعضها مِنْ غير فُرقان مُبين، مع أنَّ اللازم لهم فيما أنكروه كاللازم فيما أقروا به وأثبتوه» (^١).
فقد تنازع الصحابة في كثير من مسائل الأحكام؛ أي: المسائل العملية الفرعية. وهذا معروف، ودواوين السُّنَّة مليئة بذلك.
وذكر ابن القيم أيضًا أن الصحابة والتابعين اختلفوا في كثير من الأحكام الفقهية العملية، «ولم يتنازعوا في تأويل آيات الصفات وأخبارها في موضع واحد، بل اتفقت كلمتهم وكلمة التابعين بعدهم على إقرارها وإمرارها، مع فهم معانيها وإثبات حقائقها، وهذا يدل على أنها أعظم النوعين بيانًا، وأن العناية ببيانها أهم؛ لأنها من تمام تحقيق الشهادتين، وإثباتها من لوازم التوحيد؛ فبَيَّنها الله ورسولُه بيانًا شافيًا لا يقع فيه لَبْس ولا إشكال يُوقع الراسخين في العلم في منازعة ولا اشتباه، ومَن شرح الله لها صدره ونَوَّر لها قلبه يَعلم أن دلالتها على معانيها أظهر من دلالة كثير من آيات الأحكام على معانيها، ولهذا فإن آيات الأحكام لا يَكاد يفهم معانيها إلا الخاصة من الناس، وأمَّا آيات الأسماء والصفات فيَشترك في فهمها الخاص والعام، أعني: فهم أصل المعنى لا فَهم الكُنْه والكيفية» (^٢).
_________________
(١) «أعلام الموقعين» (١/ ٨٣، ٨٤).
(٢) «الصواعق المرسلة» (٢١١، ٢١٢).
[ ٢ / ١١٧ ]
«ثم إني قائل- وبالله أقول-: إنه لما اختلفوا في أحكام التوحيد وذكر الأسماء والصفات على خلاف منهج المتقدمين من الصحابة والتابعين، فخاض في ذلك مَنْ لم يعرفوا بعلم الآثار ولم يعقلوا قولهم بذكر الأخبار، وصار معولهم على أحكام هواجس النفس المستخرجة من سوء الطوية ما وافق على مخالفة السنة، والتعلق منهم بآيات لم يُسعدهم الكلام فيها؛ فتأولوا على ما وافق هواهم، وصححوا بذلك مذهبهم-احتجت إلى الكشف عن صفة المتقدمين ومأخذ المؤمنين ومنهاج الأولين؛ خوفًا من الوقوع في جملة أقاويلهم التي حَذَّر رسول الله ﷺ أُمَّته ومنع المستجيبين له حتى حذرهم.
ثم ذكر أبو عبد الله خروج النبي ﷺ وهم يتنازعون في القَدَر وغضبه (^١)، وحديث: «لا أُلْفِيَنَّ أحدُكم» (^٢)، وحديث: «سَتفترق أُمَّتي على ثلاث وسبعين فرقة» (^٣)،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) أخرج أحمد في «المسند» (٢/ ٣٦٩)، والترمذي في «سننه» (٢١٣٣)، وحسنه الألباني في «صحيح سنن الترمذي» (٢/ ٢٢٣). «وخرج ﷺ ذات يومٍ على بعض أصحابه وهم يتنازعون في القدر؛ فغضب حتى احمرَّ وجهه، كأنما فُقئ في وجنتيه الرُّمَّان، فقال: «أبهذا أمرتم؟ أم بهذا أُرسلت إليكم؟ إنَّما هلك مَنْ كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، عزمت عليكم ألا تنازعوا فيه».
(٢) أخرجه البخاري (٣٠٧٣)، ومسلم (١٨٣١)، عن أبي هريرة ﵁، أنه قال: «قَامَ فِينَا رَسولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَومٍ، فَذَكَرَ الغُلُولَ، فَعَظَّمَهُ وَعَظَّمَ أَمْرَهُ، ثُمَّ قالَ: «لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَومَ القِيَامَةِ علَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ له رُغَاءٌ، يقولُ: يا رَسولَ اللهِ، أَغِثْنِي. فأقُولُ: لا أَمْلِكُ لكَ شيئًا، قدْ أَبْلَغْتُكَ، لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَومَ القِيَامَةِ علَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ له حَمْحَمَةٌ، فيَقولُ: يا رَسولَ اللهِ، أَغِثْنِي. فأقُولُ: لا أَمْلِكُ لكَ شيئًا، قدْ أَبْلَغْتُكَ. لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَومَ القِيَامَةِ علَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ يقولُ: يا رَسولَ اللهِ، أَغِثْنِي. فأقُولُ: لا أَمْلِكُ لكَ شيئًا، قدْ أَبْلَغْتُكَ، لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَومَ القِيَامَةِ علَى رَقَبَتِهِ نَفْسٌ لَهَا صِيَاحٌ، فيَقولُ: يا رَسولَ اللهِ، أَغِثْنِي. فأقُولُ: لا أَمْلِكُ لكَ شيئًا، قدْ أَبْلَغْتُكَ، لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَومَ القِيَامَةِ علَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ تَخْفِقُ، فيَقولُ: يا رَسولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فأقُولُ: لا أَمْلِكُ لكَ شيئًا، قدْ أَبْلَغْتُكَ. لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَومَ القِيَامَةِ علَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ، فيَقولُ: يا رَسولَ اللهِ، أَغِثْنِي. فأقُولُ: لا أَمْلِكُ لكَ شيئًا، قدْ أَبْلَغْتُكَ».
(٣) عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: «ليأتينَّ على أمَّتي ما أتى على بني إسرائيل حَذوَ النَّعلِ بالنَّعلِ، حتَّى إن كانَ مِنهم مَنْ أتى أُمَّهُ علانيَةً لَكانَ في أمَّتي من يصنعُ ذلِكَ، وإنَّ بَني إسرائيل تفرَّقت على ثِنتينِ وسبعينَ ملَّةً، وتفترقُ أمَّتي على ثلاثٍ وسبعينَ ملَّةً، كلُّهم في النَّارِ إلَّا ملَّةً واحِدةً، قالوا: مَنْ هيَ يا رسولَ اللَّهِ؟ قالَ: ما أَنا علَيهِ وأَصحابي». أخرجه الترمذي (٢٦٤١) واللفظ له، والطبراني (١٤/ ٥٣) (١٤٦٤٦)، والحاكم (٤٤٤)، وحسنه الالباني في «صحيح الترمذي»
[ ٢ / ١١٨ ]
فإن الناجية ما كان عليه هو وأصحابه، ثم قال: فَلَزِمَ الأمة قاطبة معرفة ما كان عليه الصحابة، ولم يكن الوصول إليه إلا من جهة التابعين لهم بإحسان، المعروفين بنقل الأخبار ممن لا يقبل المذاهب المحدثة؛ فيتصل ذلك قرنًا بعد قرن ممن عُرفوا بالعدالة والأمانة الحافظين على الأمة مَا لَهم وما عليهم من إثبات السُّنَّة».
مجمل ما ورد من خطبة كتاب الإمام أبي عبد الله؛ محمد بن خفيف مشتمل على تأصيل منهج التلقي عند أهل السنة والجماعة، الذي أخذوه من الكتاب والسنة وكلام الصحابة والتابعين في فهم الكتاب والسنة، والتابعون لم يستقلوا ببيان مسائل الاعتقاد؛ بل هم مُقرِّرون لما جاء في النصوص؛ إذ شرط الاعتقاد الصحيح ما كان في الكتاب والسنة وما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم. فهذا هو قيد الاعتقاد الصحيح، وهو ما أجمع عليه سلف الأمة من الصحابة فمن بعدهم.
والأمور الغيبية لا دخل للعقل فيها؛ لأنه راجع في إدراكه وفي تصوراته إلى قياس الأمور بعضها مع بعض، وهو لا يدرك المعارف بعد قياس ما لم يَره على ما رآه، وقياس ما لم يَسمعه على ما سمعه، وقياس عالم الغيب على عالم الشهادة وإدخال العقل في ذلك هذا من مناهج أهل الضلال.
وقياس عالم الغيب سواء في أسماء الله جل وعلا وصفاته أو في صفة الجنة والنار، أو في عالم الملائكة، أو في أي أمر غيبي أثبتته النصوص، فإن الخوض فيه بدلالة عقلية بمخالفة ظاهر ما دلت عليه النصوص راجع إلى قياس العقل عالم الغيب على عالم الشهادة.
[ ٢ / ١١٩ ]
«إلى أن قال: فأول ما نبتدئ به ما أوردنا هذه المسألة من أجلها: ذِكر أسماء الله ﷿ في كتابه، وما بَيَّن ﷺ من صفاته في سُنَّته، وما وصف به ﷿ مما سنذكر قول القائلين بذلك، مما لا يجوز لنا في ذلك أن نَرده إلى أحكام عقولنا بطلب الكيفية بذلك، ومما قد أمرنا بالاستسلام له».
الأصل في الدين الاتباع والمعقول تَبع؛ فمعتقد أهل السنة في هذا الباب وفي غيره من أبواب العقائد والأحكام: أنَّ العقل المجرد ليس له إثبات شيء من العقائد والأحكام، وإنما المرجع في ذلك إلى القرآن والسنة.
فالعقل لا يُمكنه إدراك ما يستحقه الله تعالى من الأسماء والصفات؛ فوجب الوقوف في ذلك على النص؛ لأن العقل يَقصر عن إدراك حقيقة المغيبات، حتى وإن كانت تلك المغيبات أقرب شيء إليه، فهو قاصر عن أن يُحيط علمًا بحقيقة رُوحه التي بين جَنْبَيْه؛ لمَّا أخفى الله أمرها عنه؛ قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، فإذا كان الإنسان يجهل أمر رُوحِه، فكيف يحيط علمًا بذات الله وما يَصلح وما لا يَصلح لذاته من الأسماء والصفات، والله قد أخفى عن الخلق كيفيَّة ذاته؟!
(واعلم أن فصل ما بيننا وبين المعطلة هو "مسألة العقل"، فإنهم أسسوا دينهم على المعقول، وجعلوا الاتباع والمأثور تبعًا للمعقول.
وأما أهل السنة فقالوا: الأصل في الدين الإتباع، والمعقول تبع، ولو كان أساس الدين على المعقول لاستغنى الخلق عن الوحي، وعن الأنبياء، ولبطل معنى الأمر والنهي، ولقال من شاء ما شاء) (^١).
فالتقرير بأن النقل مقدم على العقل لا ينبغي أن يفهم منه أن أهل السنة ينكرون العقل والتوصل به إلى المعارف والتفكير به في خلق السموات والأرض، وفي
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ٣٢٠
[ ٢ / ١٢٠ ]
الآيات الكونية الكثيرة، فأهل السنة لا ينكرون استعمال العقل، ولكتهم توسطوا في شأن "العقل" بين طائفتين ضلتا في هذا الباب، هما:
أهل الكلام: الذين يجعلون العقل وحده أصل علمهم، ويفردونه، ويجعلون الإيمان والقرآن تابعين له، والمعقولات عندهم هي الأصول الكلية الأولية، المستغنية بنفسها عن الإيمان والقرآن.
فهؤلاء جعلوا عقولهم هي التي تثبت وتنفي والسمع معروضا عليها، فإن وافقها قيل اعتضادًا لا اعتمادًا، وإن عارضها رُدَّ وطُرِحَ، وهذا من أعظم أسباب الضلال التي دخلت على هذه الأمة.
وأهل التصوف: الذين يذمون العقل ويعيبونه، ويرون أن الأحوال العالية، والمقامات الرفيعة، لا تحصل إلا مع عدمه، ويقرون من الأمور بما يكذب صريح العقل.
ويمدحون السكر والجنون والوله، وأمورًا من المعارف والأحوال التي لا تكون إلا مع زوال العقل والتمييز، كما يصدقون بأمور يعلم بالعقل الصريح بطلانها.
وكلا الطرفين مذموم.
وأما أهل السنة: فيرون أن العقل شرط في معرفة العلوم، وكمال وصلاح الأعمال، وبه يكمل العلم والعمل، لكنه ليس مستقلاًّ بذلك.
فالعقل غريزة في النفس، وقوة فيها، بمنزلة قوة البصر التي في العين.
فإن اتصل به نور الإيمان والقرآن، كان كنور العين إذا اتصل به نور الشمس أو النار.
وإن انفرد بنفسه لم يبصر الأمور التي يعجز وحده عن دركها.
وإن عزل بالكلية كانت الأقوال والأفعال مع عدمه أمورًا حيوانية.
فالأحوال الحاصلة مع عدم العقل ناقصة، والأقوال المخالفة للعقل باطلة، والرسل جاءت بما يعجز العقل عن دركه، ولم تأت بما يعلم بالعقل امتناعه (^١).
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٣/ ٣٣٨ - ٣٣٩ بتصرف
[ ٢ / ١٢١ ]
«إلى أن قال: «ثم إن الله تعرف إلينا بعد إثبات الوحدانية والإقرار بالألوهية: أن ذكر تعالى في كتابه بعد التحقيق، بما بدأ من أسمائه وصفاته، وأَكَّد ﵇ بقوله، فقبلوا منه كقبولهم لأوائل التوحيد من ظاهر قوله: لا إله إلا الله.
ثم قال: فعلى المؤمنين خاصَّتهم وعامتهم قبولُ كل ما ورد عنه ﵇؛ بنقل العدل عن العدل، حتى يتصل به ﷺ، وإن مما قضى الله علينا في كتابه ووصف به نفسه ووردت السُّنَّةُ بصحة ذلك».
من القواعد المقررة عند أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات، والتي لها تعلق بالنصوص وكيفية ورودها في الكتاب والسنة، أن النصوص تأتي بنفي مجمل للنقائص والعيوب عن الله ﷿، وإثبات مفصّل لصفات كماله ونعوت جلاله ﷾
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأصل دين المسلمين أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه في كتبه وبما وصفته به رسله، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل يثبتون له تعالى ما أثبته لنفسه، وينفون عنه ما نفاه عن نفسه، ويتبعون في ذلك أقوال رسله، ويجتنبون ما خالف أقوال الرسل، كما قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، أي: عما يصفه الكفار المخالفون للرسل، ﴿وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾، لسلامة ما قالوه من النقص والعيب، ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^١)، فالرسل وصفوا الله بصفات الكمال ونزهوه عن النقائص المناقضة للكمال، ونزهوه عن أن يكون له مثل في شيء من صفات الكمال، وأثبتوا له صفات الكمال على وجه التفصيل، ونفوا عنه التمثيل، فأتوا بإثبات مفصَّل ونفي مجمل، فمن نفى عنه ما أثبته لنفسه من الصفات كان معطلًا، ومن جعلها مثل صفات المخلوقين كان ممثلًا، والمعطِّل يعبد عدمًا والممثل يعبد صنمًا، وقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وهو ردٌّ على الممثلة، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^٢)، وهو ردٌّ على المعطِّلة» (^٣).
_________________
(١) الآية [١٨٠ - ١٨٢] من سورة الصافات.
(٢) الآية [١١] من سورة الشورى.
(٣) الجواب الصحيح (٤/ ٤٠٥).
[ ٢ / ١٢٢ ]
وقال أيضًا: «فالواجب أن ينظر في هذا الباب فما أثبته الله ورسوله أثبتناه، وما نفاه الله ورسوله نفيناه، والألفاظ التي ورد بها النص يعتصم بها في الإثبات والنفي، فنثبت ما أثبتته النصوص من الألفاظ والمعاني، وننفي ما نفته النصوص من الألفاظ والمعاني» (^١).
وقال الإمام ابن القيم ﵀: «إن ما يطلق عليه في باب الأسماء والصفات توقيفي» (^٢).
وقال الإمام ابن أبي العز الحنفي-﵀: «فالواجب أن ينظر في هذا الباب، أعني باب الصفات، فما أثبته الله ورسوله أثبتناه، وما نفاه الله ورسوله نفيناه، والألفاظ التي ورد بها النص يُعتصم بها في الإثبات والنفي، فنُثبت ما أثبته الله ورسوله من الألفاظ والمعاني، وننفي ما نفته نصوصهما من الألفاظ والمعاني» (^٣).
_________________
(١) منهاج السنة النبوية (٢/ ٥٥٤).
(٢) بدائع الفوائد (١/ ١٤٧).
(٣) شرح العقيدة الطحاوية (٢٦١).
[ ٢ / ١٢٣ ]
«إلى أن قال بإثبات نفسه بالتفصيل من المجمل؛ فقال لموسى ﵇: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: ٤١]، وقال: ﴿وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨].
ولصحة ذلك واستقرار ما جاء به المسيح ﵇؛ فقال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦]، وقال ﷿: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤].
وأكد ﵇ صحة إثبات ذلك في سُنَّته؛ فقال: «يقول الله ﷿: مَنْ ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي» (^١)، وقال: «كتب كتابًا بيده على نفسه: إنَّ رحمتي غلبت غضبي» (^٢)، وقال: «سبحان الله رضا نفسه» (^٣)، وقال في محاجة آدم لموسى: «أنت الذي اصطفاك الله واصطنعك لنفسه» (^٤)؛ فقد صرح بظاهر قوله: أنه أثبت لنفسه نفسًا، وأثبت له الرسول ذلك؛ فعلى مَنْ صَدَّق اللهَ ورسولَه اعتقاد ما أخبر به عن نفسه، ويكون ذلك مبنيًّا على ظاهر قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١].
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٥٣٧)، ومسلم (٢٦٧٥)، من حديث أبي هريرة ﵁، وتتمته: «وإن ذَكرني في مَلأٍ ذَكرتُه في مَلأٍ خيرٍ منه، وإن تقرَّبَ مِنِّي شبرًا تقرَّبتُ منه ذراعًا، وإن تقرَّبَ إليَّ ذراعًا تقرَّبتُ إليهِ باعًا، وإن أتاني يمشي أتيتُه هَرولةً».
(٢) أخرجه البخاري (٣١٩٤)، ومسلم (٢٧٥١)، من حديث أبي هريرة ﵁، بلفظ: «لَمَّا قَضى اللهُ الخَلْقَ كتَبَ كِتابًا، فهو عِندَه فَوقَ العَرشِ: إنَّ رَحمَتي غلَبَتْ غَضَبي».
(٣) أخرجه مسلم (٢٧٢٦) عن جويرية بنت الحارث زوج النبي ﷺ: أنَّ النبيَّ ﷺ خَرَجَ مِنْ عِندِهَا بُكْرَةً حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ، وَهي في مَسْجِدِهَا، ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ أَضْحَى، وَهي جَالِسَةٌ، فَقالَ: ما زِلْتِ علَى الحَالِ الَّتي فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا؟ قالَتْ: نَعَمْ، قالَ النبيُّ ﷺ: لقَدْ قُلتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لو وُزِنَتْ بما قُلْتِ مُنْذُ اليَومِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ».
(٤) أخرجه (٤٧٣٦) ومسلم (٢٦٥٢) عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «التقَى آدمُ وموسَى ﵉، فقال له موسَى: أنت الَّذي أشقَيْتَ النَّاسَ وأخرجتَهم من الجنَّةِ! قال آدمُ لموسَى ﵉: أنت الَّذي اصطفاك اللهُ برسالاتِه واصطنعك لنفسِه وأنزل عليك التَّوراةَ! قال: نعم. قال: فهل وجدتَه كتبه لي قبل أن يَخلُقَني؟ قال: نعم. قال: فحجَّ آدمُ موسَى ﵉، ثلاثَ مرَّاتٍ».
[ ٢ / ١٢٤ ]
هذا النقل عن الإمام محمد بن خفيف فيه ذِكر صفة النفس لله جل وعلا، والنفس له سبحانه فُسِّرت بتفسيرين:
الأول: أن النفس بمعنى الذات.
الثاني: وتأتي النفس ويراد بها في المخلوق الروح، الروح كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١].
وفي صفة الله جل وعلا صفة النفس:
من أهل السنة من قال: النفس بمعنى الذات.
ومنهم من قال: إن لله جل وعلا نفسًا خاصة؛ فعلينا أن نثبت اللفظ، ونقول: له ﷾ نفس، وله جل وعلا ذات، كما أن له صفات وأفعال والصفات قائمة بالذات.
وقوله جل وعلا: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦]، ظاهر في إثبات النفس لله جل وعلا، كما قال النبي ﷺ: «سبحان الله رضا نفسه»، وأشباه ذلك.
فبقاء النص على ظاهره، بدون الدخول في تفسير أحد الاحتمالين أولى.
[ ٢ / ١٢٥ ]
«ثم قال: فعلى المؤمنين خاصَّتهم وعامتهم قبولُ كل ما ورد عنه ﵇؛ بنقل العدل عن العدل، حتى يتصل به ﷺ، وإن مما قضى الله علينا في كتابه ووصف به نفسه ووردت السُّنَّةُ بصحة ذلك أن قال: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥]، ثم قال عقيب ذلك: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [النور: ٣٥]، وبذلك دعاه ﷺ: «أنت نورُ السموات والأرض» (^١)، ثم ذكر حديث أبي موسى: «حِجابه النور-أو النار-لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» (^٢)، وقال: سُبُحات وجهه: جلاله ونوره. نقله عن الخليل وأبي عُبيد. وقال: قال عبد الله بن مسعود: نَوَّر السموات نُور وجهه».
ذكر صفة النور لله جل وعلا، والنور المضاف إليه جل وعلا نوعان:
الأول: نور هو صفته سبحانه؛ فهو جل وعلا نور، ومن أسمائه: النور، وهذا النور صفة من صفاته غير مخلوق؛ كما جاء في الحديث: «لو كشفه لأحرقت سُبُحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه»، والسُّبحات: هي الأنوار، وهذا صفة من صفاته سبحانه.
والثاني: نور مخلوق، وهذا النور المخلوق يَبتدئ من الحجاب؛ قال ﷺ: «حجابه النور لو كشفه لأحرقت سُبُحات وجهه»، فالحجاب نوره هذا مخلوق فيه،
_________________
(١) أخرجه البخاري (١١٢٠) عن ابن عباس ﵄، قال: «كانَ النبيُّ ﷺ إذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ قالَ: اللَّهُمَّ لكَ الحَمْدُ أنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ ومَن فِيهِنَّ، ولَكَ الحَمْدُ لكَ مُلْكُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ ومَن فِيهِنَّ، ولَكَ الحَمْدُ أنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ ومَن فِيهِنَّ، ولَكَ الحَمْدُ أنْتَ مَلِكُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ …»، الحديث.
(٢) أخرجه مسلم (١٧٩) عن أبي موسى الأشعري ﵁، قال: «قامَ فِينا رَسولُ اللهِ ﷺ بخَمْسِ كَلِماتٍ، فقالَ: إنَّ اللَّهَ ﷿ لا يَنامُ، ولا يَنْبَغِي له أنْ يَنامَ، يَخْفِضُ القِسْطَ ويَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهارِ، وعَمَلُ النَّهارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ، حِجابُهُ النُّورُ، وفي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: النَّارُ، لو كَشَفَهُ لأَحْرَقَتْ سُبُحاتُ وجْهِهِ ما انْتَهَى إلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ».
[ ٢ / ١٢٦ ]
وتعالى الله جل وعلا وتقدس، وكذلك النور الذي في السموات والأرض نور مخلوق، كما قال جل وعلا: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥]، معناها: نوَّر السموات والأرض.
المقصود من هذا: أن الله جل وعلا موصوف بصفة النور؛ فنوره سبحانه من صفاته، وله نور مخلوق جل وعلا يُضاف إليه إضافة المخلوقات تشريفًا وتعظيمًا.
ثم ذكر عِدَّة صفات؛ من الصفات الذاتية والصفات الفعلية له جل وعلا.
[ ٢ / ١٢٧ ]
«ثم قال: وممَّا ورد به النص أنه حيٌّ، وذكر قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، والحديث: «يا حيُّ يا قيوم، برحمتك أستغيث» (^١)، قال: ومما تَعَرَّف الله إلى عباده أن وصف نفسه أنَّ له وجهًا موصوفًا بالجلال والإكرام؛ فأثبت لنفسه وجهًا، وذكر الآيات (^٢).
ثم ذكر حديث أبي موسى المتقدم، فقال: في هذا الحديث من أوصاف الله ﷿: (لا يَنام) موافق لظاهر الكتاب: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وأن له وجهًا موصوفًا بالأنوار، وأن له بصرًا، كما علمنا في كتابه: أنه سميع بصير.
ومن صفاته الذاتية: أنه ﷾ حيٌّ، والحياة صفة ذاتية لله ﷿ ثابتة بالكتاب والسنة، من اسمه (الحي).
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى): اللهُ لا إِلَهَ إلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ» آل عمران: ٢ (.
وقوله: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوت) (الفرقان: ٥٨ (.
الدليل من السنة:
حديث ابن عباس ﵄: «اللهم لك أسلمت، وبك آمنت … أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون». (^٣)
قال شيخ الإسلام: (كلامه وحياته من صفات الله كعلمه وقدرته).
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٣٥٢٤) واللفظ له، وابن السني في «عمل اليوم والليلة» (٣٣٧)، عن أنس بن مالك ﵁، أنه قال: «كان النَّبيُّ ﷺ إذا كرَبه أمرٌ قال: يا حيُّ يا قيومُ، برحمتِك أَستغيثُ».
(٢) ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وللهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، وقوله ﷻ: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، وقوله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [الرعد: ٢٢]، وقوله سبحانه: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧].
(٣) رواه مسلم ٢٧١٧
[ ٢ / ١٢٨ ]
وقال: (لم يعبر أحد من الأنبياء عن حياة الله بأنها روح الله فمن حمل كلامَ أحدٍ من الأنبياء بلفظ الروح أنه يراد به حياة الله فقد كذب). (^١)
وقال الشيخ الهرَّاس: (ومعنى الحي: الموصوف بالحياة الكاملة الأبدية، التي لا يلحقها موت ولا فناء، لأنها ذاتية له سبحانه، وكما أنَّ قيوميته مستلزمة لسائر صفات الكمال الفعلية؛ فكذلك حياته مستلزمة لسائر صفات الكمال الذاتية من العلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والعزة والكبرياء والعظمة ونحوها). (^٢)
_________________
(١) الجواب الصحيح: ٤/ ٥٠
(٢) شرح النونية: ٢/ ١٠٣
[ ٢ / ١٢٩ ]
«وأن له بصرًا، كما علمنا في كتابه: أنه سميع بصير».
البصر صفةٌ من صفات الله ﷿ الذاتية الثابتة بالكتاب والسنة. و(البصير): اسم من أسمائه تعالى.
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨].
وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
الدليل من السنة:
حديث أبي موسى الأشعري ﵁: «يا أيها الناس! أربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا، ولكن تدعون سميعًا بَصيرًا، إنَّ الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته". (^١)
_________________
(١) رواه البخاري: ٦٣٨٤
[ ٢ / ١٣٠ ]
«ثم ذكر الأحاديث في إثبات الوجه (^١)، وفي إثبات السمع والبصر، والآيات الدالة على ذلك».
صفة الوجه صفةٌ ذاتيةٌ خبرِيَّة لله ﷿ ثابتة بالكتاب والسنة.
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى): وَمَا تُنْفِقُونَ إلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ)] البقرة: ٢٧٢. [
وقوله: (وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ).] الرعد: ٢٢. [
الدليل من السنة:
حديث ابن مسعود ﵁ قال: «قسَّم النبي ﷺ قسمًا، فقال رجل: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله» (^٢).
حديث ابن عمر ﵄ في الثلاثة الذين حُبِسُوا في الغار، فقال كل واحد منهم: «اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك؛ ففرج عنا ما نحن فيه» (^٣).
حديث سعد بن أبي وقاص ﵁: «إنك لن تخلَّف فتعمل عملًا تبتغي به وَجْه الله؛ إلا ازددت به درجة ورفعة» (^٤).
قال الإمام الشافعي: (لله ﵎ أسماء وصفات جاء بها كتابه وأخبر بها نبيه ﷺ أمته … وأن له وجهًا بقوله: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلَّا وَجْهَهُ، وقوله: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجلَالِ وَالإِكْرَام) (^٥).
وقال الإمام ابن خزيمة بعد أن أورد جملة من الآيات تثبت صفة الوَجْه لله تعالى: (فنحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز وتهامة واليمن والعراق والشام ومصر؛
_________________
(١) وقد ذكر الإمام ابن خزيمة أكثرها في كتابه «التوحيد» (١/ ٢٧ - ٤٤).
(٢) رواه البخاري ٣٤٠٥، ورواه مسلم ٢٤٩٥.
(٣) رواه البخاري ٢٢٧٢، ورواه مسلم ٢٧٤٣.
(٤) رواه البخاري ٥٧٣٣، ورواه مسلم ١٦٢٨.
(٥) طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى: ١/ ٢٨٢.
[ ٢ / ١٣١ ]
مذهبنا: أنا نثبت لله ما أثبته الله لنفسه، نقر بذلك بألسنتنا، ونصدق ذلك بقلوبنا؛ من غير أن نشبه وَجْه خالقنا بوَجْه أحد من المخلوقين، عز ربنا أن يشبه المخلوقين، وجل ربنا عن مقالة المعطلين) (^١).
وقال الحافظ ابن منده: (ومن صفات الله ﷿ التي وصف بها نفسه قوله: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلَّا وَجْهَهُ، وقال: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجلَالِ وَالإِكْرَام، وكان النبي ﷺ يستعيذ بوَجْه الله من النار والفتن كلها، ويسأل به …)، ثم سرد أحاديث بسنده، ثم قال: (بيان آخر يدل على أنَّ العباد ينظرون إلى وَجْه ربهم ﷿ (^٢)، وسرد بسنده ما يدل على ذلك.
وقال قَوَّام السُّنَّة الأصفهاني: (ذكر إثبات وَجْه الله ﷿ الذي وصفه بالجلال والإكرام والبقاء في قوله ﷿: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجلَالِ وَالإِكْرَام (^٣).
_________________
(١) كتاب التوحيد ١/ ٢٥.
(٢) كتاب التوحيد: ٣/ ٢٦.
(٣) الحجة ١/ ١٩٩.
[ ٢ / ١٣٢ ]
«ثم قال: ثم إن الله تعالى تَعَرَّف إلى عباده المؤمنين؛ أن قال: له يدان قد بَسطهما بالرحمة، وذكر الأحاديث في ذلك، ثم ذكر شِعر أُمَيَّة بن أبي الصَّلت (^١)».
من الصفات الذاتية لله الثابتة تعالى صفة اليدان وقد وردت فيها الكثير من النصوص:
الأدلة من القرآن:
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾.
وَقَالَ تَعَالَى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا "خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾.
وَقَالَ ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾. وَقَدْ تَوَاتَرَ فِي السُّنَّةِ مَجِيءُ " الْيَدِ " فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَكَثِيرَةٌ جِدًّا مِثْلُ:
_________________
(١) وهي أبياته التي أنشدت للنبي ﷺ من شعره، ومنها: مجِّدوا اللَّهَ فَهوَ للمجدِ أَهلٌ ربُّنا اللَّه في السَّماءِ أمسى كبيرا بالبناءِ الأعلى الَّذي سبقَ الخلقَ وسوَّى فوقِ السَّماءِ سريرا شَرْجَعًا ما ينالُهُ نظَرُ العين ترى دونَهُ الملائِكةُ صورا أخرجه ابن عبد البر في «التمهيد» (٤/ ٧)، وابن عساكر في «تاريخه» (٩/ ٢٧٢) عن ابن عباس ﵄. وعن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: «كاد أميةُ بن أبي الصَّلت أن يُسلم». أخرجه البخاري (٥٧٩٥)، ومسلم (٢٢٥٦).
[ ٢ / ١٣٣ ]
قَوْلِهِ ﷺ ﴿الْمُقْسِطُونَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وُلُّوا﴾ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَقَوْلِهِ ﷺ ﴿يَمِينُ اللَّهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَمِينِهِ وَالْقِسْطُ بِيَدِهِ الْأُخْرَى يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ؛ وَالْبُخَارِيُّ فِيمَا أَظُنُّ.
وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ﴿تَكُونُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً يتكفؤها الْجَبَّارُ بِيَدِهِ كَمَا يَتَكَفَّأُ أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ خُبْزَتَهُ فِي السَّفَرِ﴾.
وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ يَحْكِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ﴿يَأْخُذُ الرَّبُّ ﷿ سَمَوَاتِهِ وَأَرْضَهُ بِيَدَيْهِ -وَجَعَلَ يَقْبِضُ يَدَيْهِ وَيَبْسُطُهُمَا -وَيَقُولُ: أَنَا الرَّحْمَنُ حَتَّى نَظَرْت إلَى الْمِنْبَرِ يَتَحَرَّك أَسْفَلَ مِنْهُ حَتَّى إنِّي أَقُولُ: أَسَاقِطٌ هُوَ بِرَسُولِ اللَّهِ؟﴾ - ﴿وَفِي رِوَايَةٍ-أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى الْمِنْبَرِ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ قَالَ: يَقُولُ: أَنَا اللَّهُ أَنَا الْجَبَّارُ﴾ وَذَكَرَهُ.
وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: ﴿قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْبِضُ اللَّهُ الْأَرْضَ وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ؟﴾ وَمَا يُوَافِقُ هَذَا مِنْ حَدِيثِ الْحَبْرِ.
وَفِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ ﴿إنَّ اللَّهَ لَمَّا خَلَقَ آدَمَ قَالَ لَهُ وَيَدَاهُ مَقْبُوضَتَانِ: اخْتَرْ أَيَّهُمَا شِئْت قَالَ: اخْتَرْت يَمِينَ رَبِّي وَكِلْتَا يَدَيْ رَبِّي يَمِينٌ مُبَارَكَة ثُمَّ بَسَطَهَا فَإِذَا فِيهَا آدَمَ وَذُرِّيَّتُهُ﴾
وَفِي الصَّحِيحِ ﴿أَنَّ اللَّهَ كَتَبَ بِيَدِهِ عَلَى نَفْسِهِ لَمَّا خَلَقَ الْخَلْقَ: إنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي﴾.
وَفِي الصَّحِيحِ: ﴿أَنَّهُ لَمَّا تَحَاجَّ آدَمَ وَمُوسَى قَالَ آدَمَ: يَا مُوسَى اصْطَفَاك اللَّهُ بِكَلَامِهِ وَخَطَّ لَك التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ؛ وَقَدْ قَالَ لَهُ مُوسَى: أَنْتَ آدَمَ الَّذِي خَلَقَك اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيك مِنْ رُوحِهِ.﴾
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّهُ ﴿قَالَ سُبْحَانَهُ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي؛ لَا أَجْعَلُ صَالِحَ ذَرِّيَّةِ مَنْ خَلَقْت بِيَدَيَّ كَمَنْ قُلْت لَهُ: كُنْ فَكَانَ﴾
[ ٢ / ١٣٤ ]
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ فِي السُّنَنِ: ﴿لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَمَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّتَهُ فَقَالَ: خَلَقْت هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَعْمَلُونَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَدِهِ الْأُخْرَى فَقَالَ: خَلَقْت هَؤُلَاءِ لِلنَّارِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ﴾.
وَهَذِهِ أَحَادِيثُ تَلَقَّتْهَا الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ وَالتَّصْدِيقِ وَنَقَلَتْهَا مِنْ بَحْرٍ غَزِيرٍ.
فَالْمَفْهُومُ مِنْ هَذَه النصوص: أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى يَدَيْنِ مُخْتَصَّتَيْنِ بِهِ ذَاتِيَّتَيْنِ لَهُ كَمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ؛ وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ خَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ دُونَ الْمَلَائِكَةِ وَإِبْلِيسَ وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَقْبِضُ الْأَرْضَ وَيَطْوِي السَّمَوَاتِ بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَأَنَّ ﴿يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ وَمَعْنَى بَسْطِهِمَا بَذْلُ الْجُودِ وَسَعَةُ الْعَطَاءِ؛ لِأَنَّ الْإِعْطَاءَ وَالْجُودَ فِي الْغَالِبِ يَكُونُ بِبَسْطِ الْيَدِ وَمَدِّهَا؛ وَتَرْكُهُ يَكُونُ ضَمًّا لِلْيَدِ إلَى الْعُنُقِ صَارَ مِنْ الْحَقَائِقِ الْعُرْفِيَّةِ إذَا قِيلَ هُوَ مَبْسُوطُ الْيَدِ فُهِمَ مِنْهُ يَدٌ حَقِيقَةً وَكَانَ ظَاهِرُهُ الْجُودَ وَالْبُخْلَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ وَيَقُولُونَ: فُلَانٌ جَعْدُ الْبَنَانِ وَسَبْطُ الْبَنَانِ.
فَالْقَائِلُ؛ إنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ يَدٌ مِنْ جِنْسِ أَيْدِي الْمَخْلُوقِينَ: وَأَنَّ يَدَهُ لَيْسَتْ جَارِحَةً فَهَذَا حَقٌّ.
وَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ يَدٌ زَائِدَةٌ عَلَى الصِّفَاتِ السَّبْعِ؛ فَهُوَ مُبْطِلٌ.
فَيَحْتَاجُ إلَى تِلْكَ الْمَقَامَاتِ الْأَرْبَعَةِ. أَمَّا
"الْأَوَّلُ" فَيَقُولُ: إنَّ الْيَدَ تَكُونُ بِمَعْنَى النِّعْمَةِ وَالْعَطِيَّةِ تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ سَبَبِهِ:
كَمَا يُسَمَّى الْمَطَرُ وَالنَّبَاتُ سَمَاءً وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: لِفُلَانِ عِنْدَهُ أَيَادٍ.
وَقَوْلُ أَبِي طَالِبٍ لَمَّا فَقَدَ النَّبِيَّ ﷺ:
يَا رَبِّ رُدَّ رَاكِبِي مُحَمَّدًا … [اردده ربي] وَاصْطَنِعْ عِنْدِي يَدًا.
وَقَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ لِأَبِي بَكْرٍ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ: لَوْلَا يَدٌ لَك عِنْدِي لَمْ أَجْزِك بِهَا لَأَجَبْتُك. "الثاني" وَقَدْ تَكُونُ الْيَدُ بِمَعْنَى الْقُدْرَةِ تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ مُسَبِّبِهِ؛ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ هِيَ تُحَرِّكُ الْيَدَ يَقُولُونَ: فُلَانٌ لَهُ يَدٌ فِي كَذَا وَكَذَا؛
وَمِنْهُ قَوْلُ " زِيَادٍ " لِمُعَاوِيَةَ: إنِّي قَدْ أَمْسَكْت الْعِرَاقَ بِإِحْدَى يَدَيَّ وَيَدِي الْأُخْرَى فَارِغَةٌ يُرِيدُ نِصْفُ قُدْرَتِي ضَبْطُ أَمْرِ الْعِرَاقِ.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ: ﴿بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ وَالنِّكَاحُ كَلَامٌ يُقَالُ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ مُقْتَدِرٌ عَلَيْهِ.
"الثالث" وَقَدْ يَجْعَلُونَ إضَافَةَ الْفِعْلِ إلَيْهَا إضَافَةَ الْفِعْلِ إلَى الشَّخْصِ نَفْسِهِ لِأَنَّ
[ ٢ / ١٣٥ ]
غَالِبَ الْأَفْعَالِ لَمَّا كَانَتْ بِالْيَدِ جُعِلَ ذِكْرُ الْيَدِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ فُعِلَ بِنَفْسِهِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ -إلَى قَوْلِهِ- ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ أَيْ: بِمَا قَدَّمْتُمْ؛ فَإِنَّ بَعْضَ مَا قَدَّمُوهُ كَلَامٌ تَكَلَّمُوا بِهِ. وَ
كَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَوْ تَرَى إذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ -إلَى قَوْلِهِ- ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾.
وَالْعَرَبُ تَقُولُ: يَدَاك أَوْكَتَا. وَفُوك نُفِخَ: تَوْبِيخًا لِكُلِّ مَنْ جَرَّ عَلَى نَفْسِهِ جَرِيرَةً؛ لِأَنَّ أَوَّلَ مَا قِيلَ هَذَا لِمَنْ فَعَلَ بِيَدَيْهِ وَفَمِهِ.
وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ لُغَةَ الْعَرَبِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ فِي هَذَا كُلِّهِ.
والمتأولون لِلصِّفَاتِ الَّذِينَ حَرَّفُوا الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَأَلْحَدُوا فِي أَسْمَائِهِ وَآيَاتِهِ تَأَوَّلُوا
قَوْلَهُ: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾
وَقَوْلَهُ: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾
عَلَى هَذَا كُلِّهِ فَقَالُوا: إنَّ الْمُرَادَ نِعْمَتُهُ أَيْ: نِعْمَةُ الدُّنْيَا وَنِعْمَةُ الْآخِرَةِ.
وَقَالُوا: بِقُدْرَتِهِ.
وَقَالُوا: اللَّفْظُ كِنَايَةٌ عَنْ نَفْسِ الْجُودِ؛ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ يَدٌ حَقِيقَةً؛ بَلْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ قَدْ صَارَتْ حَقِيقَةً فِي الْعَطَاءِ وَالْجُودِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ أَيْ: خَلَقْته أَنَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ يَدٌ حَقِيقِيَّةٌ.
فَهَذِهِ تَأْوِيلَاتُهُمْ؟
فَنَنْظُرُ فِيمَا قَدَّمْنَا: الْمَقَامُ الْأَوَّلُ: أَنَّ لَفْظَ " الْيَدَيْنِ " بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِي النِّعْمَةِ وَلَا فِي الْقُدْرَةِ؛ لِأَنَّ مِنْ لُغَةِ الْقَوْمِ:
اسْتِعْمَالَ الْوَاحِدِ فِي الْجَمْعِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾
وَلَفْظُ الْجَمْعِ فِي الْوَاحِدِ كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ﴾
وَلَفْظُ الْجَمْعِ فِي الِاثْنَيْنِ كَقَوْلِهِ: ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾
أَمَّا اسْتِعْمَالُ لَفْظِ الْوَاحِدِ فِي الِاثْنَيْنِ أَوْ الِاثْنَيْنِ فِي الْوَاحِدِ فَلَا أَصْلَ لَهُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ عَدَدٌ وَهِيَ نُصُوصٌ فِي مَعْنَاهَا لَا يُتَجَوَّزُ بِهَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: عِنْدِي رَجُلٌ وَيَعْنِي رَجُلَيْنِ وَلَا عِنْدِي رَجُلَانِ وَيَعْنِي بِهِ الْجِنْسَ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْوَاحِدِ يَدُلُّ عَلَى الْجِنْسِ
[ ٢ / ١٣٦ ]
وَالْجِنْسُ فِيهِ شِيَاعٌ وَكَذَلِكَ اسْمُ الْجَمْعِ فِيهِ مَعْنَى الْجِنْسِ وَالْجِنْسُ يَحْصُلُ بِحُصُولِ الْوَاحِدِ. فَقَوْلُهُ: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ لَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْقُدْرَةُ؛ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ صِفَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَبَّرَ بِالِاثْنَيْنِ عَنْ الْوَاحِدِ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ النِّعْمَةُ لِأَنَّ نِعَمَ اللَّهِ لَا تُحْصَى؛ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَبَّرَ عَنْ النِّعَمِ الَّتِي لَا تُحْصَى بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ " لِمَا خَلَقْت أَنَا " لِأَنَّهُمْ إذَا أَرَادُوا ذَلِكَ أَضَافُوا الْفِعْلَ إلَى الْيَدِ فَتَكُونُ إضَافَتُهُ إلَى الْيَدِ إضَافَةً لَهُ إلَى الْفِعْلِ كَقَوْلِهِ: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ وَمِنْهُ قَوْلُهُ: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾.
أَمَّا إذَا أَضَافَ الْفِعْلَ إلَى الْفَاعِلِ وَعَدَّى الْفِعْلَ إلَى الْيَدِ بِحَرْفِ الْبَاءِ كَقَوْلِهِ: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ فَإِنَّهُ نَصٌّ فِي أَنَّهُ فَعَلَ الْفِعْلَ بِيَدَيْهِ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ لِمَنْ تَكَلَّمَ أَوْ مَشَى: أَنْ يُقَالَ فَعَلْت هَذَا بِيَدَيْك وَيُقَالُ: هَذَا فَعَلَتْهُ يَدَاك لِأَنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِهِ: فَعَلْت كَافٍ فِي الْإِضَافَةِ إلَى الْفَاعِلِ فَلَوْ لَمْ يُرِدْ أَنَّهُ فَعَلَهُ بِالْيَدِ حَقِيقَةً كَانَ ذَلِكَ زِيَادَةً مَحْضَةً مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ وَلَسْت تَجِدُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَلَا الْعَجَمِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ فَصِيحًا يَقُولُ: فَعَلْت هَذَا بِيَدَيَّ أَوْ فُلَانٌ فَعَلَ هَذَا بِيَدَيْهِ إلَّا وَيَكُونُ فَعَلَهُ بِيَدَيْهِ حَقِيقَةً.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَا يَدَ لَهُ أَوْ أَنْ يَكُونَ لَهُ يَدٌ وَالْفِعْلُ وَقَعَ بِغَيْرِهَا.
وَبِهَذَا الْفَرْقِ الْمُحَقَّقِ تَتَبَيَّنُ مَوَاضِعُ الْمَجَازِ وَمَوَاضِعُ الْحَقِيقَةِ؛ وَيَتَبَيَّنُ أَنَّ الْآيَاتِ لَا تَقْبَلُ الْمَجَازَ أَلْبَتَّةَ مِنْ جِهَةِ نَفْسِ اللُّغَةِ. قَالَ لِي: فَقَدْ "أَوْقَعُوا الِاثْنَيْنِ مَوْقِعَ الْوَاحِدِ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ وَإِنَّمَا هُوَ خِطَابٌ لِلْوَاحِدِ.
قُلْت لَهُ: هَذَا مَمْنُوعٌ؛ بَلْ قَوْلُهُ: ﴿أَلْقِيَا﴾ قَدْ قِيلَ تَثْنِيَةُ الْفَاعِلِ لِتَثْنِيَةِ الْفِعْلِ وَالْمَعْنَى أَلْقِ أَلْقِ. وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ خِطَابٌ لِلسَّائِقِ وَالشَّهِيدِ. وَمَنْ قَالَ: إنَّهُ خِطَابٌ لِلْوَاحِدِ قَالَ: إنَّ الْإِنْسَانَ يَكُونُ مَعَهُ اثْنَانِ: أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِهِ وَالْآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ فَيَقُولُ: خَلِيلَيَّ خَلِيلَيَّ ثُمَّ إنَّهُ يُوقِعُ هَذَا الْخِطَابَ وَإِنْ لَمْ يَكُونَا مَوْجُودَيْنِ كَأَنَّهُ يُخَاطِبُ مَوْجُودَيْنِ؛ فَقَوْلُهُ: ﴿أَلْقِيَا﴾ عِنْدَ هَذَا الْقَائِلِ إنَّمَا هُوَ خِطَابٌ لِاثْنَيْنِ يُقَدَّرُ وُجُودُهُمَا فَلَا حُجَّةَ فِيهِ أَلْبَتَّةَ.
الْمَقَامُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: هَبْ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَعْنِيَ بِالْيَدِ حَقِيقَةَ الْيَدِ وَأَنْ يَعْنِيَ بِهَا الْقُدْرَةَ أَوْ النِّعْمَةَ أَوْ يَجْعَلَ ذِكْرَهَا كِنَايَةً عَنْ الْفِعْلِ؛ لَكِنْ مَا الْمُوجِبُ لِصَرْفِهَا عَنْ الْحَقِيقَةِ؟
[ ٢ / ١٣٧ ]
فَإِنْ قُلْت: لِأَنَّ الْيَدَ هِيَ الْجَارِحَةُ وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ.
قُلْت لَك: هَذَا وَنَحْوُهُ يُوجِبُ امْتِنَاعَ وَصْفِهِ بِأَنَّ لَهُ يَدًا مِنْ جِنْسِ أَيْدِي الْمَخْلُوقِينَ وَهَذَا لَا رَيْبَ فِيهِ؛ لَكِنْ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ " يَدٌ " تُنَاسِبُ ذَاتَهُ تَسْتَحِقُّ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ مَا تَسْتَحِقُّ الذَّاتُ؟
قَالَ: لَيْسَ فِي الْعَقْلِ وَالسَّمْعِ مَا يُحِيلُ هَذَا؛
فَإِذَا كَانَ هَذَا مُمْكِنًا وَهُوَ حَقِيقَةُ اللَّفْظِ فَلِمَ يُصْرَفُ عَنْهُ اللَّفْظُ إلَى مَجَازِهِ؟ وَكُلُّ مَا يَذْكُرُهُ الْخَصْمُ مِنْ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ وَصْفِهِ بِمَا يُسَمَّى بِهِ -وَصَحَّتْ الدَّلَالَةُ-سُلِّمَ لَهُ أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ الْمَخْلُوقُ مُنْتَفٍ عَنْهُ وَإِنَّمَا حَقِيقَةُ اللَّفْظِ وَظَاهِرُهُ " يَدٌ " يَسْتَحِقُّهَا الْخَالِقُ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ بَلْ كَالذَّاتِ وَالْوُجُودِ.
الْمَقَامُ الثَّالِثُ: هل بَلَغَك أَنَّ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَوْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ: أَنَّهُمْ قَالُوا: الْمُرَادُ بِالْيَدِ خِلَافُ ظَاهِرِهِ أَوْ الظَّاهِرُ غَيْرُ مُرَادٍ أَوْ هَلْ فِي كِتَابِ اللَّهِ آيَةٌ تَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ وَصْفِهِ بِالْيَدِ دَلَالَةً ظَاهِرَةً؛ بَلْ أَوْ دَلَالَةً خَفِيَّةً؟ فَإِنَّ أَقْصَى مَا يَذْكُرُهُ الْمُتَكَلِّفُ
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾
وَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾
وَقَوْلُهُ: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾
وَهَؤُلَاءِ الْآيَاتُ إنَّمَا يَدْلُلْنَ عَلَى انْتِفَاءِ التَّجْسِيمِ وَالتَّشْبِيهِ. أَمَّا انْتِفَاءُ يَدٍ تَلِيقُ بِجَلَالِهِ فَلَيْسَ فِي الْكَلَامِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ بِوَجْهِ مِنْ الْوُجُوهِ. وَكَذَلِكَ هَلْ فِي الْعَقْلِ مَا يَدُلُّ دَلَالَةً ظَاهِرَةً عَلَى أَنَّ الْبَارِيَ لَا " يَدَ " لَهُ أَلْبَتَّةَ؟ لَا " يَدًا " تَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَلَا " يَدًا " تُنَاسِبُ الْمُحْدَثَاتِ وَهَلْ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَصْلًا؛ وَلَوْ بِوَجْهِ خَفِيٍّ؟ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي السَّمْعِ وَلَا فِي الْعَقْلِ مَا يَنْفِي حَقِيقَةَ الْيَدِ أَلْبَتَّةَ؛ وَإِنْ فُرِضَ مَا يُنَافِيهَا فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ الْوُجُوهِ الْخَفِيَّةِ-عِنْدَ مَنْ يَدَّعِيهِ-وَإِلَّا فَفِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ شُبْهَةٌ فَاسِدَةٌ.
فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُمْلَأَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مِنْ ذِكْرِ الْيَدِ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ بِيَدِهِ وَأَنَّ ﴿يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ وَأَنَّ الْمُلْكَ بِيَدِهِ وَفِي الْحَدِيثِ مَا لَا يُحْصَى ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأُولِي الْأَمْرِ: لَا يُبَيِّنُونَ لِلنَّاسِ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَا يُرَادُ بِهِ حَقِيقَتُهُ وَلَا ظَاهِرُهُ حَتَّى يَنْشَأَ " جَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ " بَعْدَ انْقِرَاضِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ فَيُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ عَلَى نَبِيِّهِمْ
[ ٢ / ١٣٨ ]
وَيَتْبَعَهُ عَلَيْهِ " بِشْرُ بْنُ غِيَاثٍ " وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ مِنْ كُلِّ مَغْمُوصٍ عَلَيْهِ بِالنِّفَاقِ. وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُعَلِّمَنَا نَبِيُّنَا ﷺ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى " الْخِرَاءَةَ " وَيَقُولَ: ﴿مَا تَرَكْت مِنْ شَيْءٍ يُقَرِّبُكُمْ إلَى الْجَنَّةِ إلَّا وَقَدْ حَدَّثْتُكُمْ بِهِ وَلَا مِنْ "شَيْءٍ يُبْعِدُكُمْ عَنْ النَّارِ إلَّا وَقَدْ حَدَّثْتُكُمْ بِهِ﴾ ﴿تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إلَّا هَالِكٌ﴾ ثُمَّ يَتْرُكَ الْكِتَاب الْمُنَزَّلَ عَلَيْهِ وَسُنَّتَهُ الْغَرَّاءَ مَمْلُوءَةً مِمَّا يَزْعُمُ الْخَصْمُ أَنَّ ظَاهِرَهُ تَشْبِيهٌ وَتَجْسِيمٌ وَأَنَّ اعْتِقَادَ ظَاهِرِهِ ضَلَالٌ وَهُوَ لَا يُبَيِّنُ ذَلِكَ وَلَا يُوَضِّحُهُ وَكَيْفَ يَجُوزُ لِلسَّلَفِ أَنْ يَقُولُوا: أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ مَعَ أَنَّ مَعْنَاهَا الْمَجَازِيَّ هُوَ الْمُرَادُ وَهُوَ شَيْءٌ لَا يَفْهَمُهُ الْعَرَبُ حَتَّى يَكُونَ أَبْنَاءُ الْفُرْسِ وَالرُّومِ أَعْلَمُ بِلُغَةِ الْعَرَبِ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ؟.
(الْمَقَامُ الرَّابِعُ): مِنْ الْأَدِلَّةِ الْجَلِيَّةِ الْقَاطِعَةِ وَالظَّاهِرَةِ مَا يُبَيِّنُ لَك أَنَّ لِلَّهِ " يَدَيْنِ " حَقِيقَةً. فَمِنْ ذَلِكَ:
تَفْضِيلُهُ لِآدَمَ: يَسْتَوْجِبُ سُجُودَ الْمَلَائِكَةِ وَامْتِنَاعَهُمْ عَنْ التَّكَبُّرِ عَلَيْهِ؛ فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّهُ خَلَقَهُ بِقُدْرَتِهِ أَوْ بِنِعْمَتِهِ أَوْ مُجَرَّدِ إضَافَةِ خَلْقِهِ إلَيْهِ لَشَارَكَهُ فِي ذَلِكَ إبْلِيسُ وَجَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ.
فإن قيل: فَقَدْ يُضَافُ الشَّيْءُ إلَى اللَّهِ عَلَى سَبِيلِ التَّشْرِيفِ كَقَوْلِهِ: ﴿نَاقَةُ اللَّهِ﴾ وَبَيْتُ اللَّهِ.
فالجواب: لَا تَكُونُ الْإِضَافَةُ "تَشْرِيفًا حَتَّى يَكُونَ فِي الْمُضَافِ مَعْنًى أَفْرَدَهُ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي النَّاقَةِ وَالْبَيْتِ مِنْ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ مَا تَمْتَازُ بِهِ عَلَى جَمِيعِ النُّوقِ وَالْبُيُوتِ لَمَا اسْتَحَقَّا هَذِهِ الْإِضَافَةَ وَالْأَمْرُ هُنَا كَذَلِكَ فَإِضَافَةُ خَلْقِ آدَمَ إلَيْهِ أَنَّهُ خَلَقَهُ بِيَدَيْهِ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ خَلَقَهُ بِيَدَيْهِ أَنَّهُ قَدْ فَعَلَهُ بِيَدَيْهِ وَخَلَقَ هَؤُلَاءِ بِقَوْلِهِ: كُنْ فَيَكُونُ كَمَا جَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ.
وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ إذَا قَالُوا: بِيَدِهِ الْمُلْكُ أَوْ عَمِلَتْهُ يَدَاك فَهُمَا شَيْئَانِ:
(أَحَدُهُمَا) إثْبَاتُ الْيَدِ.
وَ(الثَّانِي) إضَافَةُ الْمُلْكِ وَالْعَمَلِ إلَيْهَا.
وَالثَّانِي يَقَعُ فِيهِ التَّجَوُّزُ كَثِيرًا أَمَّا الْأَوَّلُ فَإِنَّهُمْ لَا يُطْلِقُونَ هَذَا الْكَلَامَ إلَّا لِجِنْسِ لَهُ "يَدٌ" حَقِيقَةً وَلَا يَقُولُونَ: "يَدُ" الْهَوَى وَلَا "يَدُ" الْمَاءِ فَهَبْ أَنَّ قَوْلَهُ: بِيَدِهِ الْمُلْكُ قَدْ
[ ٢ / ١٣٩ ]
عُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقُدْرَتِهِ لَكِنْ لَا يُتَجَوَّزُ بِذَلِكَ إلَّا لِمَنْ لَهُ يَدٌ حَقِيقَةً وَالْفَرْقُ بَيْنَ قَوْله تَعَالَى ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ مِنْ وَجْهَيْنِ:
(أَحَدُهُمَا): أَنَّهُ هُنَا أَضَافَ الْفِعْلَ إلَيْهِ وَبَيَّنَ أَنَّهُ خَلَقَهُ بِيَدَيْهِ وَهُنَاكَ أَضَافَ الْفِعْلَ إلَى الْأَيْدِي.
(الثَّانِي): أَنَّ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ أَنَّهُمْ يَضَعُونَ اسْمَ الْجَمْعِ مَوْضِعَ التَّثْنِيَةِ إذَا أُمِنَ اللَّبْسُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ أَيْ: يَدَيْهِمَا وَقَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ أَيْ: قَلْبَاكُمَا فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ " (^١).
_________________
(١) مجموع الفتاوى يتصرف ٦/ ٣٥٤ - ٣٧٣
[ ٢ / ١٤٠ ]
«ثم ذكر حديث: «يُلقى في النار وتقول: هل مِنْ مزيد؟ حتى يَضع فيها رِجْلَه»، وهي رواية البخاري، وفي رواية أخرى: «يضع عليها قَدَمَه» (^١).
ثم ما رواه مسلم البطين عن ابن عباس: «أن الكرسي موضع القدمين، وأن العرش لا يَقدر قدره إلا الله» (^٢).
وذكر قولَ مسلم البطين نفسه (^٣)، وقول السدي، وقول وهب بن منبه، وأبي مالك وبعضهم يقول: «موضع قدميه»، وبعضهم يقول: «واضع رِجليه عليه».».
الرِّجل والقدمان صفةٌ ذاتيةٌ خبريةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بصحيح السنة.
والدليل:
حديث أبي هريرة ﵁ في تحاجج الجنة والنار، وفيه: «فأما النار؛ فلا تمتلئ حتى يضع الله ﵎ رجله (وعند مسلم: قدمه)، فتقول: قط قط …» (^٤).
أثر ابن عباس ﵄؛ قال: (الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر أحد قدره) (^٥).
أثر أبي موسى الأشعري ﵁؛ قال: «الكرسي موضع القدمين، وله أطيطٌ كأطيطِ الرَّحْل» (^٦).
قال الإمام الشافعي: (لله ﵎ أسماء وصفات جاء بها كتابه وأخبر بها نبيه ﷺ أمته … وأن له قدمًا بقول النبي ﷺ: (حتى يضع الرب فيها قدمه) يعني جهنم …) (^٧).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٨٤٨)، ومسلم (٢٨٤٨) باختلاف يسير، من حديث أنس بن مالك ﵁.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) والأثر كما رواه عنه ابن جرير في «تفسيره» (٣/ ١٠)، قال عن مسلم البطين، أنه قال: «الكرسي موضع القدمين».
(٤) رواه البخاري ٤٨٥٠ ومسلم ٢٨٤٦.
(٥) تقدم تخريجه.
(٦) تقدم تخريجه.
(٧) طبقات الحنابلة ١/ ٢٨٢.
[ ٢ / ١٤١ ]
قال أبو يعلى الفراء: (أعلم أنه غير ممتنع حمل هذا الخبر على ظاهره، وأن المراد به قدم هو صفة لله تعالى وكذلك الرجل) (^١).
وقال الشيخ عبد الرحمن البراك: (في هذا الحديث إثبات الرِّجل والقدم له ﷾، وأهل السنة يثبتون لله ما جاء في هذا الحديث على حقيقته، كما يثبتون سائر الصفات، كما يثبتون اليدين والعينين له ﷾، ويقولون: إن له تعالى قدمين، كما جاء في الأثر المشهور عن ابن عباس في تفسير الكرسي: أنه موضع القدمين، أي: قدمي الرب ﷾ (^٢).
وقال الشيخ عبد الله الغنيمان بعد ذكر روايات صفة القدم والرجل: (ففي مجموع هذه الروايات البيان الواضح بأن القدم والرجل -وكلاهما عبارة عن شيء واحد -صفة لله تعالى حقيقة على ما يليق بعظمته) (^٣).
_________________
(١) إبطال التأويلات ١/ ١٩٥.
(٢) توضيح مقاصد العقيدة الطحاوية ١٧٣.
(٣) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري ١/ ١٥٦.
[ ٢ / ١٤٢ ]