وهو قول من يقول: إن الله بذاته فوق العرش وهو بذاته في كل مكان.
هذا قول جماعة من أهل الكلام والتصوف كأبي معاذ التومني (^٥)، وزهير الأثري (^٦)، وأصحابهما (^٧)، وهو موجود في كلام السالمية (^٨) كأبي طالب المكي (^٩)
_________________
(١) الشريعة (٣/ ١١٠٤).
(٢) الشريعة (٣/ ١١٠٤ - ١١٠٥).
(٣) الرد على الزنادقة والجهمية للإمام أحمد (ص ٩٢ - ٩٣)، ومجموع الفتاوى (١١/ ٢٥٠).
(٤) الشريعة (٣/ ١١٠٤).
(٥) أبو معاذ التومني من أئمة المرجئة ورأس فرقة التومنية منها. انظر ترجمته ومذهبه في مقالات الأشعري (١/ ٢٠٤، ٣٢٦)، (٢/ ٢٣٢)، والملل والنحل (١/ ١٢٨).
(٦) زهير الأثري، لم أقف على ترجمته، وقد تكلم الأشعري عن آرائه بالتفصيل في المقالات (١/ ٣٢٦).
(٧) انظر نقض تأسيس الجهمية (١/ ٦)، والفتاوى (٢/ ٢٩٩)، ومقالات الإسلاميين (١/ ٣٢٦).
(٨) هم أتباع أبي عبد الله محمد بن أحمد بن سالم المتوفى سنة (٢٩٧ هـ) وابنه أبي الحسن أحمد بن محمد بن سالم المتوفى سنة (٣٥٠ هـ)، وقد تتلمذ أحمد بن محمد بن سالم على سهل بن عبد الله التستري، ويجمع السالمية بين كلام أهل السنة وكلام المعتزلة مع ميل إلى التشبيه ونزعة صوفية اتحادية. انظر شذرات الذهب (٣/ ٣٦)، وطبقات الصوفية (ص ٤١٤ - ٤١٦)، والفرق بين الفرق (ص ١٥٧ - ٢٠٢).
(٩) أبو طالب، محمد بن علي بن عطية الحارثي المكي، صوفي نشأ واشتهر بمكة، وهو صاحب كتاب "قوت القلوب" في التصوف وهو من أكبر رجال السالمية، قال عنه الخطيب البغدادي: (ذكر فيه أشياء مستشنعة في الصفات)، توفي سنة (٣٨٦ هـ). انظر ترجمته في تاريخ بغداد (٣/ ٨٩)، وميزان الاعتدال (٣/ ٦٥٥)، ولسان الميزان (٥/ ٣٠٠).
[ ١ / ٥١٨ ]
وأتباعه كأبي الحكم برجان (^١) وأمثاله ما يشير إلى نحو هذا. كما يوجد في كلامهم ما يناقض هذا (^٢) فهم يقولون بأن الله في كل مكان، وأنه مع ذلك مستو على عرشه وأنه يرى بالأبصار بلا كيف، وأنه موجود الذات بكل مكان، وأنه ليس بجسم ولا محدود ولا يجوز عليه الحلول ولا المماسة، ويزعمون أنه يجيء يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿وَجَاَءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر ٢٢]، وقولهم هذا يشبه قول بعض مثبتة الجسم الذين يقولون إنه لا نهاية له (^٣).
والفرق بين هذا القول وقول الجهمية: بأن الله في كل مكان هو أن هؤلاء يثبتون العلو ونوعا من الحلول، أما الجهمية فلا يثبتون العلو على مقصود هؤلاء من الاستواء على العرش والمباينة.
ويزعم أصحاب هذا القول أنهم بقولهم هذا قد اتبعوا النصوص كلها سواء كانت نصوص علو أو معية أو قرب.
الرد عليهم:
إنهم بقولهم هذا جمعوا بين كلام أهل السنة وكلام الجهمية، ولذلك كان قولهم ظاهر الخطأ وغاية في التناقض.
أما بيان خطئه فيكمن في أن كل من قال بأن الله بذاته في كل مكان فهو مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها مع مخالفته لما فطر الله عليه عباده، ولصريح المعقول وللأدلة الكثيرة، فالقرآن الكريم مملوء بالآيات التي تنص على علو الله بذاته فوق خلقه واستوائه على عرشه وبينونته من خلقه، كما أن السنة قد تحدثت عن هذا المعنى في كثير من الأحاديث، كقصة المعراج وصعود الملائكة ونزولها من عند الله وعروج الروح إليه واستوائه على عرشه، ونزوله إلى السماء الدنيا، فكل هذه الأدلة تبين بطلان هذا القول ومخالفته.
_________________
(١) أبو الحكم، عبد السلام بن عبد الرحمن بن محمد اللخمي الإشبيلي، متصوف، توفي سنة (٥٣٦ هـ) بمراكش. انظر ترجمته في لسان الميزان (٤/ ١٣ - ١٤)، فوات الوفيات (١/ ٥٦٩)، الاعلام (٤/ ١٢٩).
(٢) مجموع الفتاوى (٢/ ٢٩٩).
(٣) نقض تأسيس الجهمية (٢/ ٦).
[ ١ / ٥١٩ ]
وأما استدلال هؤلاء بنصوص المعية والقرب، فقد بينا خطأ هذا الاستدلال وبطلانه عند الرد على الأدلة السمعية لمذهب الجهمية، وقد بينا أنه ليس للمخالفين أي متمسك في جعلها لمعية الذات أو قرب الذات.
أما بيان تناقض هذا القول: فهو واضح من أقوالهم، فهم يجمعون بين أقوال متناقضة، فهم تارة يقولون إنه بذاته فوق العرش، وتارة يقولون إنه فوق العرش ونصيب العرش فيه كنصيب قلب العارف -كما يذكر ذلك أبو طالب المكي وغيره-، ومعلوم أن قلب العارف نصيبه منه المعرفة والإيمان وما يتبع ذلك.
فإن قالوا: إن العرش كذلك، فقد نقضوا قولهم بأنه بنفسه فوق العرش.
وإن قالوا بحلول ذاته في قلوب العارفين، كان ذلك قولا بالحلول الخاص، وهذا ما وقع فيه طائفة من الصوفية ومنهم صاحب منازل السائرين (^١).
وقد عرف عن الإمام أبو حنيفة تصديه لمقالات الجهمية ومن ذلك ما رواه البيهقي أنا أبو بكر بن الحارث، أخبرنا ابن حيان، أنا أحمد بن جعفر بن نصر، ثنا يحيى بن يعلى، سمعت نعيم ابن حماد ٤ يقول: سمعت نوح بن أبي مريم يقول: "كنا عند أبي حنيفة ﵀ أول ما ظهر، إذ جاءته امرأة من ترمذ كانت تجالس جهمًا، فدخلت الكوفة، فأظنني أقل ما رأيت عليها عشرة آلاف من الناس، تدعو إلى رأيها، فقيل لها: إن ههنا رجلًا قد نظر في المعقول يقال له أبو حنيفة، فأتته وقالت: أنت الذي تعلم الناس المسائل وقد تركت دينك، أين إلهك الذي تعبده؟ فسكت عنها، ثم مكث سبعة أيام لا يجيبها، ثم خرج إلينا وقد وضع كتابا أن الله في السماء دون الأرض، فقال له رجل: أرأيت قول الله تعالى ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ ١ قال: هو كما تكتب إلى الرجل إني معك وأنت غائب عنه" (^٢)
قال البيهقي: لقد أصاب أبو حنيفة ﵀ فيما نفى عن الرب من الكون في الأرض، وأصاب فيما ذكر من تأويل الآية، وتبع مطلق السمع بأن الله تعالى في السماء (^٣). "
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٥/ ١٢٢ - ١٣١).
(٢) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٣٨٣). وأورده الذهبي في العلو (ص ١٠١). وأورده ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ١٣٧ - ١٣٨)، وإسناده ضعيف جدا لأن نوح بن أبي مريم كذاب وضاع.
(٣) الأسماء والصفات للبيهقي (ص ٥٣٩ - ٥٤٠).
[ ١ / ٥٢٠ ]
(٩٨) وروى هو-أيضًا-وابنُ أبي حاتم: أن هشام بن عُبيد الله الرَّازي (^١) -صاحب محمد بن الحَسَن، قاضي الرَّي-حبس رجلًا في التَّجَهُّم (^٢)؛ فتاب، فجيء به إلى هشام ليُطلقه، فقال: الحمد لله على التوبة. فامتحنه هشام، فقال: أتشهد أنَّ الله على عرشه بائن من خلقه؟ فقال: أشهد أن الله على عرشه، ولا أدري ما بائن من خلقه! فقال: رُدُّوه إلى الحبس؛ فإنه لم يَتب» (^٣).
فلا بد من إثبات العلو لله تعالى وأنه بائن من خلقه، وقد أتى العلماء بلفظة (بائن)؛ للرد على الجهمية الحلولية الذين زعموا أن الله مختلط وممتزج بالخلق؛ ولهذا لما قال هذا الرجل: الحمد لله على التوبة. فامتحنه هشام بن عُبيد الله الرَّازي-فقال له: أتشهد أن الله على عرشه بائن من خلقه؟ فقال: أشهد أنَّ الله على عرشه، لكن ما أدري (ما بائن من خلقه)! فقال: رُدُّوه إلى السجن؛ فإنه لم يتب.
فلا بد من اعتقاد أن الله بائن من خلقه؛ بمعنى: منزه-سبحانه-عن أن يختلط بهم.
_________________
(١) هشام بن عبد الله الرازي، فقيه حنفي، من أهل الرأي، أخذ عن أبي يوسف ومحمد ابن الحسن صاحبي أبي حنيفة. قال الذهبي: "كان داعية إلى السنة ومحطًا على الجهمية" قال الذهبي في كتاب العرش ٢/ ٣٠٧ "هشام بن عبد الله من أئمة الفقه على مذهب أبي حنيفة، أخذ عن محمد بن الحسن وغيره وهو معروف عند الفقهاء، ذكره أبو إسحاق في طبقات الفقهاء. توفى محمد بن الحسن في منزله. ". انظر: تذكرة الحفاظ (١/ ٣٨٧ - ٣٨٨)، ميزان الاعتدال (٣/ ٢٥٤)
(٢) أي: بسبب انتحاله لمذهب الجهمية؛ الذي أَسَّسَه الجهم بن صفوان.
(٣) وذكر هذا الأثر أيضًا في «درء العقل والنقل» (٦/ ٢٦٥)، وابن القيم في «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص ١٤٠، ١٤١). والذهبي في العلو ص ١٢٣ وفي كتاب العرش ٢/ ٣٠٧.
[ ١ / ٥٢١ ]
(٩٩) وروى-أيضًا (^١) -عن يحيى بن معاذ الرَّازي أنه قال: «إنَّ الله على العرش بائنٌ من الخَلق، وقد أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا، لا يَشك في هذه المقالة إلا جهميٌّ رديء ضِلِّيل وهالك مُرتاب، يمزجُ الله بخلقِه، ويَخلط منه الذَّات بالأقذار والأَنْتَان (^٢)» (^٣).
تعددت الأقوال في صفة الاستواء ويمكن استعراض تلك الأقوال على النحو الآتي: