الفرق بين التشبيه والتجسيم:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وفي الجملة الكلام في التمثيل والتشبيه ونفيه عن الله مقام، والكلام في التجسيم ونفيه مقام آخر.
فإن الأول دل على نفيه الكتاب والسنة وإجماع السلف والأئمة، واستفاض عنهم الإنكار على المشبهة الذين يقولون: يد كيدي، وبصر كبصري، وقدم كقدمي.
وقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء﴾ [الشورى ١١]، وقال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص ٤]، وقال: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِّيَا﴾ [مريم ٦٥]، وقال تعالى ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لله أَنْدَادًا﴾ [البقرة ٢٢]. وأيضا فنفي ذلك معروف بالدلائل العقلية التي لا تقبل النقيض، وأما الكلام في الجسم والجوهر، ونفيهما أو إثباتهما، فبدعة ليس لها أصل في كتاب الله ولا سنة رسوله، ولا تكلم أحد من السلف والأئمة بذلك نفيًا ولا إثباتًا.
والنزاع بين المتنازعين في ذلك: بعضه لفظي، وبعضه معنوي، أخطأ هؤلاء من وجه وأخطأ هؤلاء من وجه.
فإن كان النزاع مع من يقول: هو جسم أو جوهر، إذا قال: لا كالأجسام ولا كالجواهر، وإنما هو في اللفظ.
فمن قال: هو كالأجسام والجواهر، يكون الكلام معه بحسب ما يفسره من المعنى.
فإن كان فسر ذلك بالتشبيه الممتنع على الله تعالى، كان قوله مردودًا.
وذلك بأن يتضمن قوله إثبات شيء من خصائص المخلوقين لله، فكل قول تضمن هذا فهو باطل.
وإن فسر قوله: جسم لا كالأجسام بإثبات معنى آخر، مع تنزيه الرب عن
[ ١ / ٣٢٩ ]
خصائص المخلوقين، كان الكلام معه في ثبوت ذلك المعنى وانتفائه.
فلابد أن يلحظ في هذا إثبات شيء من خصائص المخلوقين للرب أولا، وذلك مثل أن يقول: أصفه بالقدر المشترك بين سائر الأجسام والجواهر، كما أصفه بالقدر المشترك بينه وبين سائر الموجودات، وبين كل حي عليم سميع بصير، وإن كنت لا أصفه بما تختص به المخلوقات، وإلا فلو قال الرجل: هو حي لا كالأحياء، وقادر لا كالقادرين، وعليم لا كالعلماء، وسميع لا كالسمعاء، وبصير لا كالبصراء، ونحو ذلك، وأراد بذلك نفي خصائص المخلوقين، فقد أصاب.
وإن أراد نفي الحقيقة التي للحياة والعلم والقدرة ونحو ذلك، مثل أن يثبت الألفاظ وينفي المعنى الذي أثبته الله لنفسه، وهو من صفات كماله، فقد أخطأ.
إذا تبين هذا فالنزاع بين مثبتة الجوهر والجسم ونفاته، يقع من جهة المعنى فسر شيئين: أحدهما: أنهم متنازعون في تماثل الأجسام والجواهر على قولين معروفين.
فمن قال بتماثلها، قال: كل من قال: إنه جسم لزمه التمثيل.
ومن قال إنها لا تتماثل، قال: إنه لا يلزمه التمثيل.
ولهذا كان أولئك يسمون المثبتين للجسم مشبهة، بحسب ما ظنوه لازمًا لهم، كما يسمى نفاة الصفات لمثبتيها مشبهة ومجسمة، حتى سموا جميع المثبتة للصفات مشبهة، ومجسمة، وحشوية، وغثاء، وغثراء، ونحو ذلك، بحسب ما ظنوه لازمًا لهم.
لكن إذا عرف أن صاحب القول لا يلتزم هذه اللوازم، لم يجز نسبتها إليه على أنها قول له، سواء كانت لازمة في نفس الأمر أو غير لازمة، بل إن كانت لازمة مع فسادها، دل على فساد قوله.
التعريف بالكرامية:
الكرامية (^١) هم أتباع محمد بن كرام بن عراق بن حزبة السجستاني المتوفى سنة (٢٥٥ هـ).
_________________
(١) يبلغ عدد طوائف الكرامية اثنتا عشرة فرقة وأصولها ستة هي:
(٢) العابدية، ٢ - النونية، ٣ - الزرينية، ٤ - الإسحاقية، ٥ - الواحدية، ٦ - الهيصمية. "وهم في باب الإيمان مرجئة يقولون: إن الإيمان هو القول فقط فمن تكلم به فهو مؤمن كامل الإيمان، لكن إن كان مقرًا بقلبه كان من أهل الجنة، وإن كان مكذبًا بقلبه كان منافقًا مؤمنًا من أهل النار، وبعض الناس يحكي عنهم أنه من تكلم به بلسانه دون قلبه فهو من أهل الجنة، وهو غلط عليهم، بل يقولون إنه مؤمن كامل الإيمان وإنه من أهل النار". انظر مجموع الفتاوى (١٣/ ٥٦). وانظر الكلام عن الكرامية في الفصل لابن حزم (٤/ ٤٥، ٢٠٤ - ٢٠٥)، لسان الميزان (٥/ ٣٥٣ - ٣٥٦)، والفرق بين الفرق (ص ١٣٠ - ١٣٧)، والملل والنحل (١/ ١٨٠ - ١٩٣).
[ ١ / ٣٣٠ ]
وهم في باب الصفات يثبتونها ولكنهم خالفوا أهل السنة في مسألتين:
المسألة الأولى: أنهم يبالغون في الإثبات ويخوضون في شأن الكيفية، ودخل عليهم ذلك من جهة إطلاقهم لألفاظ مبتدعة كلفظ (الجسم)، و(المماسة).
ومن بدع الكرامية أنهم يقولون في المعبود إنه جسم لا كالأجسام (^١).
ومن بدعهم قولهم: إن الأزلي الخالق جسم لم يزل ساكنا (^٢).
ويقولون: إن الله جسم قديم أزلي، وإنه لم يزل ساكنًا ثم تحرك لما خلق العالم، ويحتجون على حدوث الأجسام المخلوقة بأنها مركبة من الجواهر المفردة، فهي تقبل الاجتماع والافتراق، ولا تخلوا من اجتماع وافتراق، وهي أعراض حادثة لا تخلو منها، ومالا يخلو من الحوادث فهو حادث.
وأما الرب فهو عندهم واحد لا يقبل الاجتماع والافتراق، ولكنه لم يزل ساكنًا. والسكون عندهم أمر عدمي، وهو عدم الحركة عمَّا من شأنه أن يتحرك، كما يقول ذلك من يقوله من المتفلسفة. وهؤلاء يقولون: إن الباري لم يزل خاليًا من الحوادث حتى قامت به، بخلاف الأجسام المركَّبة من الجواهر المفردة، فإنها لا تخلو من الاجتماع والافتراق (^٣).
ويقولون: إن الصفات والأفعال لا تقوم إلا بجسم، ويجوزون وجود جسم ينفك من قيام الحوادث به ثم يحدث فتقوم به بعد ذلك (^٤).
ويقول ابن كرام: إن الله مماس للعرش من الصفحة العليا (^٥).
ويقول كذلك: له حد من الجانب الذي ينتهي إلى العرش ولا نهاية له (^٦).
وقد غالى أتباع ابن كرام في شأن الكيفية فزعم بعضهم أنه تعالى على بعض أجزاء العرش (^٧).
وادعى بعضهم أن العرش امتلأ به بحيث لا يزيد على عرشه من جهة المماسة،
_________________
(١) لسان الميزان (٥/ ٣٥٤).
(٢) درء تعارض العقل والنقل (٣/ ٦).
(٣) درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٢٢٧).
(٤) المصدر السابق (٥/ ٢٤٦).
(٥) الفرق بين الفرق (ص ١٩٨)، والملل والنحل (١/ ١٠٨ - ١٠٩).
(٦) التبصير في الدين (ص ١١٢).
(٧) الملل والنحل (١/ ١٠٩).
[ ١ / ٣٣١ ]
ولا يفضل منه شيء على العرش (^١).
المسألة الثانية: إن الكرامية يثبتون الصفات بما فيها أن الله تعالى تقوم به الأمور التي تتعلق بمشيئته وقدرته، ولكن ذلك عندهم حادث بعد أن لم يكن، أنه يصير موصوفًا بما يحدث بقدرته ومشيئته بعد أن لم يكن كذلك، وقالوا: لا يجوز أن تتعاقب عليه الحوادث، ففرقوا في الحوادث بين تجددها ولزومها، فقالوا بنفي لزومها دون حدوثها.
فعندهم أن الله يتكلم بأصوات تتعلق بمشيئته وقدرته، وأنه تقوم به الحوادث المتعلقة بمشيئته وقدرته، لكن ذلك حادث بعد أن لم يكن، وأن الله في الأزل لم يكن متكلمًا إلا بمعنى القدرة على الكلام، وأنه يصير موصوفًا بما يحدث بقدرته ومشيئته بعد أن لم يكن كذلك (^٢).
ومعلوم أن عقيدة السلف تقوم على إثبات جميع الصفات الذاتية منها والفعلية، وأثبتوا أن الله متصف بذلك أزلًا، وأن الصفات الناشئة عن الأفعال موصوف بها في القدم، وإن كانت المفعولات محدثة (^٣).
مقاتل بن سليمان: (^٤)
نُسب إلى مقاتل بن سليمان المفسر أنه من المشبهة وذكروا أنه هو الذي قال فيه الإمام أبو حنيفة: "أتانا من المشرق رأيان خبيثان؛ جهم معطل، ومقاتل مشبه" (^٥).
وقال ابن حبان: "كان يأخذ من اليهود والنصارى من علم القرآن الذي وافق كتبهم، وكان يشبه الرب بالمخلوقات وكان يكذب في الحديث" (^٦).
_________________
(١) الفرق بين الفرق (ص ١٩٩)، وأصول الدين للبغدادي (ص ٧٣، ١١٢)، والملل والنحل (١/ ١٠٩).
(٢) انظر مجموع الفتاوى (٦/ ٥٢٤ - ٥٢٥)، ودرء تعارض العقل والنقل (٢/ ٧٦).
(٣) انظر مجموع الفتاوى (٦/ ١٤٩، ٥٢٠ - ٥٢٥).
(٤) هو أبو الحسن مقاتل بن سليمان بن بشير، الأزدي بالولاء، البلخي، الخراساني، المروزي، أصله من بلخ وانتقل إلى البصرة ودخل بغداد وحدث بها. ذكره الذهبي في آخر ترجمة ابن حيان (تذكرة الحفاظ ١/ ١٧٤) وقال: (فأما مقاتل بن سليمان المفسر فكان في هذا الوقت، وهو متروك الحديث، وقد لطخ بالتجسيم مع أنه كان من أوعية العلم بحرًا في التفسير). وقد توفي بالبصرة سنة (١٥٠ هـ). وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب (١٠/ ٢٧٩ - ٢٨٥)، ميزان الاعتدال (٣/ ١٩٦ - ١٩٧)، تاريخ بغداد (١٣/ ١٦٠ - ١٦٩)، وفيات الأعيان (٤/ ٣٤١ - ٣٤٣).
(٥) لسان الميزان (١٠/ ٢٨١).
(٦) ميزان الاعتدال (٤/ ١٧٥).
[ ١ / ٣٣٢ ]
وقال أبو الحسن الأشعري في "المقالات": "وقال داود الجواربي ومقاتل بن سليمان: إن الله جسم وإنه جثة على صورة الانسان لحمٌ ودمٌ وشعر وعظم، له جوارح وأعضاء من يد ورجل ولسان وعينين وهو مع هذا لا يشبه غيره ولا يشبهه" (^١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما مقاتل فالله أعلم بحقيقة حاله، والأشعري ينقل هذه المقالات من كتب المعتزلة، وفيهم انحراف على مقاتل بن سليمان، فلعلهم زادوا في النقل عنه، أو نقلوا عنه، أو نقلوا عن غير ثقة، وإلا فما أظنه يصل إلى هذا الحد. وقد قال الشافعي: من أراد التفسير فهو عيال على مقاتل، ومن أراد الفقه فهو عيال على أبي حنيفة. ومقاتل بن سليمان وإن لم يكن ممن يحتج به في الحديث -بخلاف مقاتل بن حيان فإنه ثقة- لكن لا ريب في علمه في التفسير وغيره واطلاعه، كما أن أبا حنيفة وإن كان الناس خالفوه في أشياء وأنكروها عليه، فلا يستريب أحد في فقهه وفهمه وعلمه، وقد نقلوا عنه أشياء يقصدون بها الشناعة عليه، وهي كذب عليه قطعًا، مثل مسألة الخنزير البري ونحوها، وما يبعد أن يكون النقل عن مقاتل من هذا الباب" (^٢).
وجاء في "وفيات الأعيان" في ترجمة مقاتل بن سليمان: "حكي عن الإمام الشافعي ﵁ أنه قال: الناس كلهم عيال على ثلاثة، على مقاتل بن سليمان في التفسير، وعلى زهير بن أبي سلمى في الشعر، وعلى أبي حنيفة في الكلام" (^٣).
ويلاحظ من هذا السياق لفرق المشبهة الملاحظات الآتية:
ا-أن التشبيه نشأ في أحضان الرافضة وترعرع فيها.
٢ - تفاوت هذه الفرق على النحو التالي:
(١) الغلاة: وهم الذين مثلوا ذات الخالق بذات مخلوق معين، أو زعموا أن الله حاك فيه -سبحانه-وهؤلاء خارجون عن الملة إجماعًا، وغالبا ما يجمعون إلى هذا الكفر كفرًا آخر من الزندقة الباطنية كالفرق العشر الأولى.
(ب) المكيفة: وهم الذين يكيفون صورة معبودهم بأوصاف وكيفيات معهودة في الذهن والخارج لكن غير مقيدة بمماثل معين، كالهشاميين.
(ج) ممثلة الأفعال: الذين يمثلون الخالق بالمخلوق، والمخلوق بالخالق في الأفعال كالمعتزلة.
_________________
(١) المقالات (ص ٢٠٩).
(٢) منهاج السنة (٢/ ٦١٨ - ٦٢٠).
(٣) وفيات الأعيان (٤/ ٣٤١).
[ ١ / ٣٣٣ ]
٣ - براءة أهل السنة من تهمة التمثيل التي حاول بعض نفاة الصفات من المتكلمين نبزهم بها. فليس في هذه الفرق المذمومة طائفة من أهل السنة، إلا أن المتكلمين بناء على أصولهم الفاسدة عدوا إثبات الصفات الخبرية تمثيلًا، فوصموا المثبتين لها بوصمة التمثيل، كما صنع الشهرستاني (^١) في مبحث «المشبهة، حيث أدخل في مقالات المشبهة ما هو من صريح مذهب السلف (^٢) " (^٣)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "قال الأشعري: وفي الأمة قوم ينتحلون النسك، يزعمون أنه جائز على الله تعالى الحلول في الأجسام، وإذا رأوا شيئًا يستحسنونه قالوا: لا ندري، لعل، ربما، هو.
ومنهم من يقول: إنه يرى الله في الدنيا على قدر الأعمال، فمن كان عمله أحسن رأى معبوده أحسن.
ومنهم من يجوِّز على الله تعالى المعانقة والملامسة والمجالسة في الدنيا، ومنهم من يزعم أن الله تعالى ذو أعضاء وجوارح وأبعاض: لحم ودم على صورة الإنسان له ما للإنسان من الجوارح.
وكان من الصوفية رجل يُعرف بأبي شعيب يزعم أن الله يسر ويفرح بطاعة أوليائه، ويغتم ويحزن إذا عَصَوْهُ.
وفي النسَّاك قوم يزعمون أن العبادة تبلغ بهم إلى منزلة تزول عنهم العبادات، وتكون الأشياء المحظورات على غيرهم -من الزنا وغيره-مباحات لهم. وفيهم من يزعم أن العبادة تبلغ بهم إلى أن يروا الله، ويأكلوا من ثمار الجنة، ويعانقوا الحور العين في الدنيا، ويحاربوا الشياطين.
ومنهم من يزعم أن العبادة تبلغ بهم إلى أن يكونوا أفضل من النبيين والملائكة المقربين.
وقلت: هذه المقالات التي حكاها الأشعري -وذكروا أعظم منها-موجودة في
_________________
(١) محمد بن عبد الكريم بن أحمد، أبو الفتح، الشهرستاني، كان إمامة في علم الكلام وأديان الأمم ومذاهب الفلاسفة، ولد سنة ٤٧٩ هـ في شهر ستان، وله من المؤلفات: «الملل والنحل»، و«نهاية الإقدام في علم الكلام، والإرشاد إلى عقائد العبادة وغيرها، وتوفي في بلده سنة ٥٤٨ هـ. الأعلام ٦/ ٢١٥، وفيات الأعيان ١/ ٤٨٢، مفتاح السعادة ١/ ٢٦٤، آداب اللغة ٣/ ٩٩، لسان الميزان ٥/ ٢٦٣، طبقات السبكي ٤/ ٧٨.
(٢) انظر: الملل والنحل ١/ ١٠٥، وما بعدها.
(٣) المصدر: مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات ص ٧٩ - ٨٢.
[ ١ / ٣٣٤ ]
الناس قبل هذا الزمان. وفي هذا الزمان منهم من يقول بحلوله في الصور الجميلة، ويقول إنه بمشاهدة الأمرد يشاهد معبوده أو صفات معبوده أو مظاهر جماله، ومن هؤلاء من يسجد للأمرد. ثم من هؤلاء من يقول بالحلول والاتحاد العام، لكنه يتعبد بمظاهر الجمال، لما في ذلك من اللذة له، فيتخذ إلهه هواه، وهذا موجود في كثير من المنتسبين إلى الفقر والتصوف. ومنهم من يقول إنه يرى الله مطلقًا ولا يعيِّن الصورة الجميلة، بل يقولون إنهم يرونه في صور مختلفة. ومنهم من يقول: إن المواضع المخضرَّة خطا عليها، وإنما اخضرت من وطئه عليها، وفي ذلك حكايات متعددة يطول وصفها.
وأما القول بالإباحة وحل المحرمات -أو بعضها-للكاملين في العلم والعبادة فهذا أكثر من الأول، فإن هذا قول أئمة الباطنية القرامطة الإسماعيلية وغير الإسماعيلية وكثير من الفلاسفة، ولهذا يُضرب بهم المثل فيقال: فلان يستحل دمي كاستحلال الفلاسفة محظورات الشرائع، وقول كثير ممن ينتسب إلى التصوف والكلام، وكذلك من يفضل نفسه أو متبوعه على الأنبياء، موجود كثير في الباطنية والفلاسفة وغلاة المتصوفة وغيرهم، وبسط الكلام على هذا له موضع آخر.
ففي الجملة هذه مقالات منكرة باتفاق علماء السنة والجماعة، وهي -وأشنع منها-موجودة في الشيعة.
وكثير من النسَّاك يظنون أنهم يرون الله في الدنيا بأعينهم، وسبب ذلك أنه يحصل لأحدهم في قلبه بسبب ذكر الله تعالى وعبادته من الأنوار ما يغيب به عن حسه الظاهر، حتى يظن أن ذلك شيء يراه بعينه الظاهرة، وإنما هو موجود في قلبه.
ومن هؤلاء من تخاطبه تلك الصورة التي يراها خطاب الربوبية ويخاطبها أيضًا بذلك، ويظن أن ذلك كله موجود في الخارج عنه، وإنما هو موجود في نفسه، كما يحصل للنائم إذا رأى ربه في صورة بحسب حاله. فهذه الأمور تقع كثيرًا في زماننا وقبله، ويقع الغلط منهم حيث يظنون أن ذلك موجود في الخارج.
وكثير من هؤلاء يتمثل له الشيطان، ويرى نورًا أو عرشًا أو نورًا على العرش، ويقول: أنا ربك. ومنهم من يقول: أنا نبيك، وهذا قد وقع لغير واحد. ومن هؤلاء من تخاطبه الهواتف بخطاب على لسان الإلهية أو غير ذلك، ويكون المخاطب له جنياًّ، كما قد وقع لغير واحد.
لكن بسط الكلام على ما يُرى ويُسمع وما هو في النفس والخارج، وتمييز حقه
[ ١ / ٣٣٥ ]
من باطله ليس هذا موضعه، وقد تكلمنا عليه في غير هذا الموضع.
وكثير من الجهَّال أهل الحال وغيرهم يقولون: إنهم يرون الله عيانًا في الدنيا، وأنه يخطو خطوات" (^١).
فأدخلوا في ذلك من الأمور ما نفاه الله ورسوله، حتى قالوا: إنه يُرى في الدنيا بالأبصار، ويصافح، ويعانق، وينزل إلى الأرض، وينزل عشية عرفة راكبًا على جمل أورق يعانق المشاة ويصافح الركبان. وقال بعضهم: إنه يندم ويبكي ويحزن، وعن بعضهم أنه لحم ودم، ونحو ذلك من المقالات التي تتضمن وصف الخالق ﷻ بخصائص المخلوقين.
والله سبحانه منزه عن أن يوصف بشيء من الصفات المختصة بالمخلوقين، وكل ما اختص بالمخلوق فهو صفة نقص، والله تعالى منزَّه عن كل نقص ومستحق لغاية الكمال، وليس له مثل في شيء من صفات الكمال، فهو منزه عن النقص مطلقًا، ومنزه في الكمال أن يكون له مثل، كما قال تعالى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ. لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص ١ - ٤]، فبين أنه أحدٌ صمدٌ، واسمه الأحد يتضمن نفي المثل، واسمه الصمد يتضمن جميع صفات الكمال، كما قد بيَّنا ذلك في الكتاب المصنَّف في تفسير قل هو الله أحد" (^٢).
بقي هنا مسألة وهي: هل التمثيل والتشبيه بمعنى واحد؟
في أصل اللغة هما بمعنيين؛ لأن المماثلة مساواة الشيء بغيره من كل الوجوه، فتقول: هذا مِثْلُ هذا بمعنى أنه تمامًا بتمام، هذا هو التمثيل، فمساواة الشيء بغيره من كل الوجوه، فهذا يسمى التمثيل.
أما مساواة الشيء بغيره في بعض الوجوه فهذا هو التشبيه، هذا في أصل الاستعمال أن التمثيل: هو مساواة الشيء بغيره من كل وجه، والتشبيه: مساواة الشيء بغيره في بعض الوجوه.
ولكن هنا في استعمال العلماء يقصدون بهما أمرًا واحدًا؛ لأنه لا نجد أن هناك من يقول: إن لله ﷾ مماثلًا له من كل وجه، ومثلَا الذي قال: «له يدٌ كيدي، ووجهٌ كوجهي، أو سمعٌ كسمعي، وبصرٌ كبصري» (^٣) فهذا يكون قد ساوى مثلًا في الجسم
_________________
(١) منهاج السنة (٢/ ٦٢٢ - ٦٢٥).
(٢) منهاج السنة (٢/ ٥٢٨ - ٥٣٠).
(٣) تقدم الإشارة إليه في صفحة (١٧).
[ ١ / ٣٣٦ ]
أو في الصورة، ولكن لم يساوِ في العلم أو في القدرة، فلم يقل: له علمٌ كعلمي أو قدرةٌ كقدرتي.
فلذلك السلف غالبًا ما يطلقون لفظ «المشبِّهة»؛ قال: المشبِّهة أكثر من إطلاقهم للفظ الممثلة، وإن كان الأولى في هذه المسألة هو استعمال لفظ القرآن وهو: «التمثيل»، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
فإذًا المقصود بذلك الرد على المشبِّهة من الكرامية والهشامية الذين يعتقدون أن هذه الصفات مماثلة لصفات المخلوقين وبالتالي خاضوا في شأن الكيفية فقالوا: «له يدٌ كيدي وسمعٌ كسمعي» (^١).
فهذا معنى قول المصنف: «مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ»، أراد بذلك الفصل بين عقيدة أهل السنة، وعقيدة المعَطِّلَة من جهة، وعقيدة المشبِّهة من جهة، ومعنى هذا أن أهل السُنَّة يثبتون النصوص على حقيقتها وعلى الوجه الذي يليق بالله ﷾، فلا يحرِّفون ولا يعطِّلون ولا يمثِّلون ولا يكيِّفون.
ومقولة الإمام مالك، أصبحت قاعدة مسلمة عند أهل السُنَّة حيث قال: «الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة» (^٢)، فلا يخوض السلف في الكيفيات.
ومعنى: «نفي المماثلة بين صفات الخالق والمخلوق عند أهل السنة» معناه أن لله سبحانه في تلك الصفات خصائص لا يماثله فيها أحدٌ من خلقه ﷾:
_________________
(١) تقدم الإشارة إليه في صفحة (١٧).
(٢) انظر كتاب الملل والنحل الجزء الأول صفحة (٩٣).
[ ١ / ٣٣٧ ]
(٥٥) "وَنَعْلَمُ أَنَّ مَا وُصِفَ اللَّهُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ حَقٌّ لَيْسَ فِيهِ لُغْزٌ وَلَا أَحَاجِيٌّ؛ بَلْ مَعْنَاهُ يُعْرَفُ مِنْ حَيْثُ يُعْرَفُ مَقْصُودُ الْمُتَكَلِّمِ بِكَلَامِهِ؛ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ الْمُتَكَلِّمُ أَعْلَمَ الْخَلْقِ بِمَا يَقُولُ وَأَفْصَحَ الْخَلْقِ فِي بَيَانِ الْعِلْمِ وَأَفْصَحَ الْخَلْقِ فِي الْبَيَانِ وَالتَّعْرِيفِ وَالدَّلَالَةِ وَالْإِرْشَادِ. "
قول المصنف: «وَنَعْلَمُ أَنَّ مَا وُصِفَ اللَّهُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ حَقٌّ لَيْسَ فِيهِ لُغْزٌ وَلَا أَحَاجِيٌّ»، «الأحجية» يعني ميلك بالشيء عن وجهه من الإحجاء والإلغاز، فالنصوص واضحة وليس فيها لبس، وليس فيها إشكال من جهة نفسها، وإنما الإشكال قد يقع من جهة الناس لا من جهة النصوص.
فهي نصوص واضحة في إثبات هذه الصفات، سواء كانت ذات أو صفات فعل، يجب أن تُثبت لله ﷾ على الوجه اللائق به.
وقوله: «بَلْ مَعْنَاهُ يُعْرَفُ مِنْ حَيْثُ يُعْرَفُ مَقْصُودُ الْمُتَكَلِّمِ بِكَلَامِهِ»، فالله تعالى أنزل هذا القرآن بلغة العرب، ومن يعرف لغة العرب لاشك أنه يميِّز بين قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وبين قوله: «يَنْزِلُ اللَّهُ ﷿، كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا» (^١)، يميز بين هذا وبين هذا، وبين قوله تعالى يعني: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، ويميز كذلك بين قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد: ٤].
فهذه النصوص نزلت بلغة العرب، فدعوى هؤلاء - دعوى التعطيل - وهو أن هذه الألفاظ لا نعقل ولا نعرف معانيها، هذه دعوى باطلة، بل ألفاظ هذه النصوص مفهومة المعنى، وأعتقد أي عاقل لا يقبل هذه الدعوى لو تأمَّل فيها.
عندما تقرأ قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، هل وأنت تعرف
_________________
(١) انظر صحيح البخاري كتاب التهجد، بَابُ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، برقم (١١٤٥)، ومسلم كِتَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِينَ وَقَصْرِهَا، بَابُ التَّرْغِيبِ فِي الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ فِي آخِرِ اللَّيْلِ، وَالْإِجَابَةِ فِيهِ (٧٥٨)، وأبو داود (١٣١٥)، والترمذي (٤٤٦)، وابن ماجه (١٣٦٦)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ (٧٥٠٩)، والدارمي (١٥١٩).
[ ١ / ٣٣٨ ]
لغة العرب لا تعرف معنى «الاستواء» ولا تعرف معنى «العرش»؟ هل يُعقل هذا؟ فلا شك أن القارئ يعرف ألفاظ هذه النصوص ويعرف معانيها.
وشتان بينك وبين شخصٍ لا يعرف لغة العرب، فقد يقرأ اللفظ دون فهم لمعناه، وأما إذا كنت من العرب أو ممن درس لغة العرب، فلا شك أنك تفهم هذه المعاني.
فالسلف يؤمنون بأسماء الله وصفاته، وبما دلت عليه من المعاني والأحكام، أما كيفيتها فيفوضون علمها إلى الله.
وهم برآء مما اتهمهم به المعطلة الذين زعموا أن السلف يؤمنون، بألفاظ نصوص الأسماء والصفات، ويفوضون معانيها.
وهذا الزعم جهل على السلف، فإنهم كانوا أعظم الناس فهما وتدبرًا لآيات الكتاب وأحاديث النبي ﷺ، خاصة فيما يتعلق بمعرفة الله تعالى، فكانوا يدرون معاني ما يقرأون ويحملون من العلم، ولكنهم لم يكونوا يتكلفون الفهم للغيب المحجوب، فلم يكونوا يخوضون في كيفيات الصفات شأن أهل الكلام والبدع، فإنهم حين خاضوا في ذات الله وصفاته وقعوا في التأويل والتعطيل، وإنما ألجأهم إلى ذلك، الضيق الذي دخل عليهم بسبب التشبيه، فأرادوا الفرار منه فوقعوا في التعطيل،، ولم يقع تعطيل إلا بتشبيه، ولو أنهم نزهوا الله تعالى ابتداء عن مشابهة الخلق، وأثبتوا الصفة مع نفي المماثلة لسلموا ونجوا، ولوافقوا اعتقاد السلف ولستبان لهم أن السلف لم يكونوا حملة أسفار لا يدرون ما فيها.
ومن تدبر كلام أئمة السلف المشاهير في هذا الباب علم أنهم كانوا أدق الناس نظرًا، وأعلم الناس في هذا الباب، وأن الذين خالفوهم لم يفهموا حقيقة أقوال السلف والأئمة، ولذلك صار أولئك الذين خالفوا مختلفين في الكتاب، مخالفين للكتاب، وقد قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ (^١).
ومن له اطلاع على أقوال الأسف المدونة في كتب العقيدة والتفسير والحديث عند الحديث عن نصوص الصفات يعلم أن السلف تكلموا في معاني الصفات وبينوها ولم يسكتوا عنها، وهذه الأقوال هي أكبر شاهد على فهم السلف لمعاني الصفات وإيمانهم بها.
ولابد أن نركز على مسألة دعوى الجهل بمعاني النصوص؛ لأن التفويض نوعان: تفويض المعنى وتفويض الكيف.
_________________
(١) الآية ١٧٦ من سورة البقرة
[ ١ / ٣٣٩ ]
أما تفويض المعنى فقد قال به المعَطِّلَة ونسبوه إلى السلف وقالوا: «إن السلف مفوضة» بمعنى أنهم لم يبحثوا ولم يتحدثوا عن معاني النصوص، وهذا زعمٌ باطل، وردُّ هذا الزعم بمجرد أن تقرأ كلام السلف في كتب التفسير أو في كتب الحديث أو في كتب الاعتقاد، تقرأ للسلف أن مثلًا مجاهد يقول: «ثم استوى على العرش، قال: استوى بمعنى علا وارتفع» (^١)، ولا يعقل - حتى أقل الناس معرفة بلغة العرب - لا يعقل أنه لا يفهم معنى هذا الكلام ولا يفرق بين قوله يعني ﷺ: «يَنْزِلُ اللَّهُ ﷿، كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا» (^٢) وبين قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، هذا له معنى وهذا له معنى، وهذا الزعم، يعني بطلانه من أوضح ما يكون.
وكما قال الشاعر:
وليس يطيب في الأذهان شيء … إذا احتاج النهار إلى دليل
فالأمر واضح، فلا يمكن لنفسك أن تقبل هذا الأمر وتقول: لا أفهم هذا الكلام، بل أنت تفهم هذا الكلام، وتفهم معنى الاستواء، وتفهم معنى العرش، وإن كنت تجهل كيفية الاستواء أو كيفية العرش.
وهذا يبين مقصود المصنف بقوله: «بَلْ مَعْنَاهُ يُعْرَفُ مِنْ حَيْثُ يُعْرَفُ مَقْصُودُ الْمُتَكَلِّمِ بِكَلَامِهِ؛ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ الْمُتَكَلِّمُ أَعْلَمَ الْخَلْقِ بِمَا يَقُولُ وَأَفْصَحَ الْخَلْقِ فِي بَيَانِ الْعِلْمِ وَأَفْصَحَ الْخَلْقِ فِي الْبَيَانِ وَالتَّعْرِيفِ وَالدَّلَالَةِ وَالْإِرْشَادِ. "»، يعني بذلك النبي ﷺ.
_________________
(١) انظر صحيح البخاري كِتَابُ التَّوْحِيدِ، باب وكان عرشه على الماء هود وهو رب العرش العظيم التوبة، الجزء التاسع صفحة (١٢٤).
(٢) تقدم تخريجه انظر الصفحة رقم (١٩).
[ ١ / ٣٤٠ ]
(٥٦) "وَهُوَ سُبْحَانَهُ مَعَ ذَلِكَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لَا فِي نَفْسِهِ الْمُقَدَّسَةِ الْمَذْكُورَةِ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَلَا فِي أَفْعَالِهِ".
«وَهُوَ سُبْحَانَهُ مَعَ ذَلِكَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ»، دخل المصنف إلى نقطةٍ أخرى من أسس أهل السُنَّة وهي: أن أهل السُنَّة مع إثبات تلك الصفات يعتقدون اعتقادًا جازمًا أن الله تعالى لا يماثله في ذلك أحدٌ من خلقه، وهو سبحانه مع ذلك ليس كمثله شيء لا في نفسه المقدسة المذكورة بأسمائه وصفاته ولا في أفعاله.
وهذا الأساس الثاني من الأسس الثلاثة التي قام عليها معتقد السلف في باب الأسماء والصفات وهو: تنزيه الله جل وعلا أن يماثل شيء من صفاته شيئا من صفات المخلوقين.
توضيحه يكون وفق ما يلي:
أولًا: الأدلة الشرعية الواردة في تنزيه، الله عن مشابهة المخلوقين:
ا-قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (^١)
٢ - وقال تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ (^٢).
٣ - وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ (^٣).
٤ - وقال تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ (^٤).
٥ - وقال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (^٥).
٦ - وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (^٦).
٧ - وقال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (^٧).
وجه دلالة الآيات:
ا-قوله ﷿: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾: دليل على أن الله منزه عن أن يكون له مثل في شيء مما يوصف به من صفات كماله (^٨).
_________________
(١) الآية ١١ من سورة الشورى
(٢) الآية ٧٤ من سورة النحل
(٣) لآية ٦٠ من سورة النحل
(٤) الآية ٢٧ من سورة الروم
(٥) الآية ٦٥ من سورة مريم
(٦) الآية ١ من سورة الإخلاص
(٧) الآية ٤ من سورة الإخلاص
(٨) مجموع الفتاوى ١٦/ ٩٨
[ ١ / ٣٤١ ]
والآية في تفسيرها وجهان:
الأول: أن يكون معناه: ليس هو كشيء، وأدخل "المثل "في الكلام توكيدًا للكلام.
والثاني: أن يكون معناها: ليس مثله شيء، فتكون "الكاف" هي المدخلة في الكلام توكيدًا (^١) وهذا وجه قوي حسن وهو الأظهر (^٢).
وقد اتفق أهل السنة على أن الله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله (^٣).
٢ - وقوله تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾:
قال ابن جرير الطبري في تفسيرها: "فلا تمثلوا لله الأمثال، ولا تشبهوا له الأشباه، فإنه لا مثل ولا شبه" (^٤).
وقال ابن كثير: "أي لا تجعلوا له أندادًا وأشباهًا وأمثالًا" (^٥).
٣ - وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾.
٤ - وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
(فالله تعالى وصف نفسه بأن له المثل الأعلى، وهو الكمال المطلق، المتضمن للأمور الوجودية والمعاني الثبوتية، التي كلَّما كانت أكثر في الموصوف وأكمل كان بها أكمل وأعلى من غيره.
ولما كانت صفات الرب ﷾ أكثر وأكمل، كان له المثل الأعلى وكان أحق به من كل ما سواه، بل يستحيل أن يشترك في المثل الأعلى المطلق اثنان، لأنهما إن تكافآ من كل وجه، لم يكن أحدهما أعلى من الآخر، وإن لم يتكافأ، فالموصوف به أحدهما وحده، فيستحيل أن يكون لمن له المثل الأعلى مثل أو نظير، وهذا برهان قاطع على استحالة التمثيل والتشبيه، فتأمله فإنه في غاية الظهور والقوة) (^٦).
٥ - وقوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾: روي عن ابن عباس في تفسيرها قوله: هل تعلم للرب مثلًا أو شبيهًا (^٧).
_________________
(١) تفسير الطبري ٢٥/ ١٢ - ١٣
(٢) شرح الطحاوية ص ١٤٦
(٣) شرح الطحاوية ص ٩٩
(٤) تفسير الطبري ١٤/ ١٤٨
(٥) تفسير ابن كثير ٢/ ٥٧٨
(٦) الصواعق المنزلة ٣/ ١٠٣٢، وشرح الطحاوية ص ١٤٤
(٧) تفسير الطبري ١٦/ ١٠٦
[ ١ / ٣٤٢ ]
وكذلك قال مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وابن جريج وغيرهم (^١).
٦ - وأما قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾: فالأحد يقتضي أنه لا مثل له ولا نظير.
٧ - وكذا قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ فالوحدانية تقتضي الكمال، والشركة تقتضي النقص (^٢).
ثانيًا: دلالة العقل على بطلان شبيه صفات الخالق بصفات المخلوقين:
ا-القول في الصفات كالقول في الذات، فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فإذا كان له ذات حقيقة لا تماثل الذوات، فالذات متصفة بصفات حقيقة لا تماثل صفات سائر الذوات (^٣).
فقد علم بالضرورة أن بين الخالق والمخلوق تباينًا في الذات، وهذا يستلزم أن يكون بينهما تباين في الصفات، لأن صفة كل موصوف تليق به كما هو ظاهر من صفات المخلوقين المتباينة في الذوات، فقوة البعير مثلًا غير قوة الذرة، فإذا ظهر التباين بين المخلوقات مع اشتراكهما في الإمكان والحدوث، فظهور التباين بينهما وبين الخالق أجلى وأقوى (^٤).
وبهذا نعلم أن الله لا مثل له، ولا تضرب له الأمثال، التي فيها مماثلة لخلقه، بل له المثل الأعلى.
٢ - أن يقال: كيف يكون الرب الخالق الكامل من جميع الوجوه مشابهًا في صفاته للمخلوق المربوب الناقص المفتقر إلى من يكمله، وهل اعتقاد ذلك إلا تنقص لحق الخالق، فإن تشبيه الكامل بالناقص يجعله ناقصًا (^٥).
٣ - (إذا كان المخلوق منزهًا عن مماثلة المخلوق، مع الموافقة في الاسم، فالخالق أولى أن ينزه عن مماثلة المخلوق وإن حصلت موافقة في الاسم) (^٦).
(فإن الله ﷾ أخبرنا عما في الجنة من المخلوقات، من أصناف المطاعم والمشارب والملابس والمناكح والمساكن، فأخبرنا أن فيها لبنًا وعسلًا وخمرًا وماءً ولحمًا وفاكهةً وحريرًا وذهبًا وفضةً وحورًا وقصورًا.
_________________
(١) تفسير الطبري ١٦/ ١٠٦، وتفسير ابن كثير ٣/ ١٣١
(٢) مجموع الفتاوى ١٦/ ٩٩
(٣) لرسالة التدمرية ص ٤٣
(٤) القواعد المثلى ص ٢٦
(٥) القواعد المثلى ص ٢٦
(٦) الرسالة التدمرية ص ٥٠
[ ١ / ٣٤٣ ]
وقد قال ابن عباس ﵄: "ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء".
فإذا كانت تلك الحقائق التي أخبر الله عنها، هي موافقة في الأسماء للحقائق الموجودة في الدنيا، وليست مماثلة لها بل بينهما من التباين ما لا يعلمه إلا الله تعالى، فالخالق ﷾ أعظم مباينة للمخلوقات من مباينة المخلوق للمخلوق، ومباينته لمخلوقاته أعظم من مباينة موجود الآخرة لموجود الدنيا، إذ المخلوق أقرب إلى المخلوق الموافق له في الاسم من الخالق إلى المخلوق، وهذا بين واضح (^١).
ثالثًا: فصل ما بين معتقد أهل السنة في هذا الأساس ومعتقد أهل التعطيل وأهل التمثيل:
قال شارح الطحاوية: " اتفق أهل السنة على أن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.
ولكن لفظ "التشبيه" قد صار في كلام الناس لفظًا مجملًا يراد به:
ا-المعنى الصحيح: من أن خصائص الرب تعالى لا يوصف بها شيء من المخلوقات، ولا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من صفاته، وهذا ما دل عليه القرآن، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فهذا رد على الممثلة المشبهة.
فمن جعل صفات الخالق مثل صفات المخلوقين فهو المشبه المبطل المذموم، ومن جعل صفات المخلوق مثل صفات الخالق فهو نظير النصارى في كفرهم.
٢ - المعنى المردود: أن يراد به أنه لا يثبت لله شيء من الصفات فلا يقال: له قدرة، ولا علم، ولا حياة، لأن العبد موصوف بهذه الصفات ولازم هذا القول إنه لا يقال له: حي، عليم، قدير، لأن العبد يسمى بهذه الأسماء، وكذلك كلامه وسمعه وبصره وإرادته وغير ذلك (^٢).
وأصل الخطأ والغلط توهمهم أن هذه الأسماء العامة الكلية يكون مسماها المطلق الكلي هو بعينه ثابتا في هذا المعين وهذا المعين، وليس كذلك، فإن ما يوجد في الخارج لا يوجد مطلقًا كليًّا، بل لا يوجد إلا معينًا مختصًّا.
وهذه الأسماء إذا سُمي الله بها كان مسمَّاها معينا مختصا به.
فإذا سُمي بها العبد كان مسماها مختصًّا به.
_________________
(١) المصدر السابق ص ٤٧
(٢) شرح الطحاوية ص ٩٩ بتصرف.
[ ١ / ٣٤٤ ]
فوجود الله وحياته لا يشاركه فيها غيره، بل وجود هذا الموجود المعين لا يشركه فيه غيره، فكيف بوجود الخالق؟
وبهذا ومثله يتبين لك أن المشبهة أخذوا هذا المعنى فزادوا فيه على الحق فضلوا.
وأن المعطلة أخذوا نفى المماثلة بوجه من الوجوه وزادوا فيه على الحق حتى ضلوا.
وأن كتاب الله دل على الحق المحض الذي تعقله العقول السليمة الصحيحة، وهو الحق المعتدل الذي لا انحراف فيه (^١).