المسألة الثانية: من ولي الخلافة بإجماع الناس عليه ورضاهم به فهو أمير المؤمنين.
المسألة الثالثة: لا يحل لأحد أن يبيت ليلة ولا يرى أن عليه إماما، برا كان أو فاجرا.
وسيكون الشرح وفق هذا التقسيم.
أما المسألة الأولى: السمع والطاعة للأئمة فيما يحب الله ويرضى.
فهذه من الأصول والقواعد المهمة، فالسمع والطاعة للأئمة تكون بالمعروف، وفيما يحب الله ويرضى، ويمكن تناول هذه المسألة من جانبين:
الجانب الأول: وجوب السمع والطاعة لولي الأمر.
فمن عقيدة أهل السنة والجماعة السمع والطاعة للأئمة فيما يُحب الله ويرضى، فالسمع والطاعة إنما يكون في المعروف إذ لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق.
فلابد من السمع والطاعة في المنشط وفي المكره وفيما تُحب وفيما لا تُحب بشرط أن يكون ذلك المأمور به ليس فيه معصيةٌ لله ﷿، فلابد من السمع والطاعة لولاة الأمر من المسلمين
[ ٢ / ١٧١ ]
ومن الأدلة على ذلك:
• قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩].
• وقال ﵊: (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني).
فمأمورٌ أن تسمع وتطيع حتى وإن كان ذلك الشخص على فجور، وكما قال النبي ﷺ: «أدوا الذي عليكم واسألوا الله الذي لكم» (^١)، ومعلومٌ أن ولاية أمر المسلمين واستتبابها فيه من المصالح العظمى للدين والدنيا ما يعلمه كل عاقل، فمن أول المصالح استتباب الأمن، واستتباب الأمن معنى ذلك أن الشعائر ستُقام، ومعنى ذلك أن الأعراض والأموال والأنفس ستُحفظ، وإذا ضاع أمن الناس فإن الواحد منهم لن يستطيع حتى أن يقيم صلاة الجماعة، ولن يستطيع أن يأمن على نفسه ولا على ماله، ولا على عرضه.
فنعمة الأمن من أعظم النعم، ومن أسباب تحقيقها استقرار الحكم لولي الأمر، ونحن نرى بعض البلدان التي انعدم أمنها بسبب عدم استقرار الحكم فيها، أما البلد الذي استقر فيه الحكم لولي الأمر في ذلك البلد الغالب عليه الأمن والاستقرار.
فكل بلدٍ متى ما كان لها ولي أمر استقر حالها، واستتب أمنها.
وهذا بخلاف أهل البدع، فإنهم لا يسمعون ولا يطيعون لولاة الأمور، كالخوارج، فهم يرون أن ولي الأمر إذا عصى كفر ووجب قتله وخلعه وإزالته من الإمامة، وكذلك المعتزلة فإنهم يرون أنه إذا عصى ولي الأمر وفعل الكبيرة خرج من الإمامة فلا يطيعونه، بل إن من أصول الدين عندهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وضمنوه الخروج على ولاة الأمور إذا جاروا وظلموا، والروافض كذلك يرون أنه ليس هناك طاعة إلا للإمام المعصوم، وأما ولاة الأمور الموجودين في كل وقت فهم كفرة فسقة يجب قتلهم وخلعهم وإزالتهم من الإمامة، ولا طاعة إلا للإمام المعصوم، وهم الأئمة الاثنا عشر الذي نص عليهم بزعمهم.
_________________
(١) انظر صحيح البخاري كتاب الفتن، بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «سَتَرَوْنَ بَعْدِي أُمُورًا تُنْكِرُونَهَا» برقم (٧٠٥٢)، ومسلم كتاب الإمارة، بَابُ الْأَمْرِ بالْوَفَاءِ بِبَيْعَةِ الْخُلَفَاءِ، الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ، برقم (١٨٤٣)، والترمذي (٢١٩٠)، والإمام أحمد في المسند مسند المكثرين من الصحابة (٣٦٤١).
[ ٢ / ١٧٢ ]
الجانب الثاني: أن السمع والطاعة تكون بالمعروف.
ومن الأدلة على ذلك:
• عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ» (^١).
• عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: «إِنَّ خَلِيلِي أَوْصَانِي أَنْ أَسْمَعَ وَأُطِيعَ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا مُجَدَّعَ الْأَطْرَافِ» (^٢).
• وحديث عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ»، قَالُوا: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟ قَالَ: «لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ، لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ، أَلَا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ، فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلَا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ» (^٣) ولا يجوز الخروج على ولاة الأمور للمعاصي بل يجب الصبر وعدم الخروج.
• وحديث: (لا طاعة لمخلوق في معصية اللهِ ﷿ (^٤).
• قوله ﷺ: «إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ» (^٥).
أقوال العلماء (^٦):
قال أبو الحسنِ الأشعريُّ ﵀ وهو يُعدِّدُ ما أَجْمَعَ عليه السلفُ مِنَ الأصول:
_________________
(١) رواه مسلم (٣/ ١٤٦٩) (١٨٣٩).
(٢) رواه مسلم (١/ ٤٤٨) (٦٤٨).
(٣) رواه مسلم (٣/ ١٤٨٢) (١٨٥٥).
(٤) أخرجه أحمد في «مسنده» (١٠٩٥) مِنْ حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁. وصحَّحه أحمد شاكر في تحقيقه ل: «مسند أحمد» (٢/ ٢٤٨)، والألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٧٥٢٠ (.
(٥) أخرجه البخاريُّ في «الأحكام» بابُ السمعِ والطاعة للإمام ما لم تكن معصيةً (٧١٤٥)، ومسلمٌ في «الإمارة» (١٨٤٠)، مِنْ حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁.
(٦) وللمَزيدِ يمكن مُراجَعةُ المَصادِرِ التالية: «مقالات الإسلاميِّين» (١/ ٣٤٨) و«الإبانة» (٦١) كلاهما للأشعري، «الشريعة» للآجُرِّي (٣٨ - ٤١)، «اعتقاد أئمَّة الحديث» للإسماعيلي (٧٥ - ٧٦)، «الشرح والإبانة» لابن بطَّة (٢٧٦ - ٢٧٨)، «الاعتقاد» للبيهقي (٢٤٢ - ٢٤٦)، «العقيدة الواسطية» مع شرحها للهرَّاس (٢٥٧ - ٢٥٩)، «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العزِّ (٢/ ٥٤٠ - ٥٤٤).
[ ٢ / ١٧٣ ]
«وأجمعوا على السَّمْعِ والطَّاعةِ لأئمَّةِ المسلمين، وعلى أنَّ كُلَّ مَنْ وَلِيَ شيئًا مِنْ أمورهم عن رِضًى أو غَلَبةٍ وامتدَّتْ طاعتُه مِنْ بَرٍّ وفاجرٍ لا يَلْزَمُ الخروجُ عليهم بالسيف، جارَ أو عَدَلَ» (^١).
وقال الصابونيُّ ﵀: «ويرى أصحابُ الحديثِ: الجمعةَ والعيدين وغيرَهما مِنَ الصلوات خَلْفَ كُلِّ إمامٍ مسلمٍ بَرًّا كان أو فاجرًا، ويَرَوْنَ جهادَ الكَفَرَةِ معهم وإِنْ كانوا جَوَرَةً فَجَرَةً، ويَرَوْنَ الدعاءَ لهم بالإصلاح والتوفيق والصلاح وبَسْطِ العدل في الرعيَّة، ولا يَرَوْنَ الخروجَ عليهم وإِنْ رَأَوْا منهم العدولَ عن العدل إلى الجَوْرِ والحيف، ويَرَوْنَ قتالَ الفِئَةِ الباغية حتَّى ترجع إلى طاعةِ الإمام العَدْل» (^٢).
وقال ابنُ تيميَّة ﵀: «فأهلُ السنَّةِ لا يُطيعون وُلَاةَ الأمورِ مطلقًا، إنما يُطيعونهم في ضِمْنِ طاعةِ الرسول ﷺ، كما قال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]» (^٣)، وقال ﵀ أيضًا: «ولهذا كان مذهبُ أهلِ الحديث: تَرْكَ الخروجِ بالقتال على الملوك البُغَاة، والصبرَ على ظُلْمِهم إلى أَنْ يَسْتريحَ بَرٌّ أو يُسْتراحَ مِنْ فاجرٍ» (^٤).
وقال النوويُّ ﵀: «لا تُنازِعوا وُلَاةَ الأمورِ في ولايتهم ولا تعترضوا عليهم إلَّا أَنْ تَرَوْا منهم مُنْكَرًا مُحقَّقًا تعلمونه مِنْ قواعدِ الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأَنْكِروه عليهم وقولوا بالحقِّ حيث ما كنتم، وأمَّا الخروجُ عليهم وقتالُهم فحرامٌ بإجماعِ المسلمين وإِنْ كانوا فَسَقَةً ظالمين، وقد تَظاهَرَتِ الأحاديثُ بمَعْنَى ما ذَكَرْتُه، وأَجْمَعَ أهلُ السنَّة أنه لا يَنْعَزِلُ السلطانُ بالفسق» (^٥).
فالسمع والطاعة تكون لولاة الأمور في طاعة الله، أما المعاصي فلا يطاع فيها، فإذا أمر الأمير شخصًا بشرب الخمر فلا يطيعه، أو أمره أن يقتل أحدًا بغير حق لا يطيعه، وإذا أمر الوالد ولده بالمعصية فلا يطيعه، وإذا أمر الزوج زوجته بالمعصية فلا تطيعه، وإذا أمر السيد عبده بالمعصية فلا يطيعه، لكن لا يتمرد عليه، فليس للرعية أن يتمردوا على الأمير أو ولي الأمر، بل لا يطيعونه في المعصية وما عدا ذلك فيطيعونه، في الأمور المباحة ويطيعونه في طاعة الله ورسوله.
_________________
(١) «رسالةٌ إلى أهل الثغر» للأشعري (٢٩٦).
(٢) عقيدة السلف» للصابوني (٩٢ (.
(٣) منهاج السنَّة» لابن تيمية (٢/ ٧٦).
(٤) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٤/ ٤٤٤ (.
(٥) «شرح النووي على مسلم» (١٢/ ٢٢٩ (.
[ ٢ / ١٧٤ ]