المسألة الثانية: أول من قال بها.
المسألة الثالثة: وأول من أظهرها.
المسألة الرابعة: أصول المقالة وجذورها.
المسألة الخامسة: زمن اشتهار المقالة.
المسألة السادسة: زمن انتشار المقالة.
وإليك تفصيل ذلك:
المسألة الأولى: زمن ظهور هذه المقالة.
الحديث عن هذه المسألة يمكن ترتيبه من حيث:
[ ١ / ١٤٨ ]
١ الجانب التاريخي.
٢ الجانب المقالي.
أما الجانب الأول: الجانب التاريخي.
فأولُ ظهورٍ لهذه المقالة - كما قال المصنف: "وَإِنْ كَانَ قَدْ نَبَغَ أَصْلُهَا فِي أَوَاخِرِ عَصْرِ التَّابِعِينَ"، ففي عهد هشام بن عبد الملك أظهر الجعد بن دِرْهَم مقالةَ نفي الصفات وأظهر القولَ بنفي الصفات، فهو أول من عُرِفَ عنه القول بنفي الصفات وإِظهارِ هذه المقالة.
وقال ابن تيمية: "ظهرت مقالة التعطيل التي هي مقالة «الجهمية» في أواخر عصر التابعين من أوائل المائة الثانية. " (^١)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذه المسألة: (هذه مسألة كبيرة عظيمة القدر اضطرب فيها خلائق من الأولين والآخرين من أوائل المائة الثانية من الهجرة النبوية، فأما المائة الأولى فلم يكن بين المسلمين اضطراب في هذا. وإنما نشأ ذلك في أوائل المائة الثانية لما ظهر «الجعد بن درهم» وصاحبه «الجهم بن صفوان» ومن تبعهما من المعتزلة وغيرهم على إنكار الصفات) (^٢).
والجدير ذكره أن الأوائل من خلفاء بني أمية كانوا شديدين على المبتدعة لا يترددون في قمعهم فمن مواقفهم في ذلك:
١ - موقف عبد الملك بن مروان مع معبد الجهني الذي كان أول من تكلم في القدر بالبصرة، فصلبه عبد الملك بن مروان بدمشق ثم قتله. (^٣)
٢ - موقف عمر بن عبد العزيز الذي كان مقيمًا للسنة حربًا على البدع وأهلها ومواقفه في ذلك مشهورة مشكورة، ومن ذلك إحضاره لغيلان بن مسلم الدمشقي الذي تنسب إليه فرقة "الغيلانية" من القدرية، وهو ثاني من تكلم في القدر ودعا إليه، لم يسبقه في ذلك سوى معبد الجهني، وعنه أخذ غيلان. فأحضره عمر بن عبد العزيز فاستتابه فتاب، فتركه. (^٤)
_________________
(١) -منهاج السنة ١/ ٣٠٩، مجموع الفتاوى ١٣/ ١٧٧.
(٢) مجموع الفتاوى ٦/ ٣٣.
(٣) تهذيب التهذيب ١٠/ ٢٢٥، ٢٢٦، ميزان الاعتدال ٣/ ١٨٣، الاعلام ٧/ ٢٦٣.
(٤) الكامل لابن الأثير ٥/ ٢٦٣، الأعلام ٥/ ١٢٤، درء تعارض العقل والنقل ٧/ ١٧٣، وانظر خبر ذلك في كتاب الشريعة للآجري ص ٢٢٨ - ٢٢٩، والتنبيه والرد للملطي ص ١٧٨، السنة لعبد الله بن احمد ٢/ ٤٢٩، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي ٢/ ٧٨٨، الإبانة لابن بطة، كتاب القدر الثاني ص ٢٣١، الفتاوى ٧/ ١٤. "
[ ١ / ١٤٩ ]
٣ - موقف هشام بن عبد الملك وقد تقدم خبره مع غيلان والجعد والجهم.
وكل من يتأمل في التاريخ يجد أن لبني أمية الأوائل أياد بيضاء في هذا الجانب، وإن كان لبعضهم هنات وزلات في جوانب أخرى، والتاريخ يشهد لهم أن راية السنة وعلماء السنة هم السادة في ذلك العصر، ولكل زمان دولة ورجال.
أما أواخر خلفاء بني أمية فقد كان بعضهم مواليًا لأهل البدع بل يقول بقولهم ومن أولئك:
١ - يزيد بن الوليد -يزيد الثاني-والذي يلقب بيزيد الناقص وقد تولى الخلافة سنة ١٢٦ هـ وكان قدريًا حتى أنه ولى على العراق منصور بن جمهور وكان يدين بمذهب الغيلانية القدرية (^١)
قال ابن الأثير: (ولم يكن منصور من أهل الدين، وإنما صار مع يزيد لرأيه في الغيلانية.) (^٢)
وقال الشافعي: (لما ولى يزيد بن الوليد، دعا الناس إلى القدر، وحملهم عليه، وقرب أصحاب غيلان) (^٣) لكن خلافة يزيد لم تزد على ستة أشهر.
٢ - مروان بن محمد الملقب بمروان الحمار، وكان آخر خلفاء بني أمية وتولى الخلافة من سنة ١٢٧ هـ إلى ١٣٢ هـ وقد تقدم أنه تعلم من الجعد ابن درهم مذهبه في القول بخلق القرآن، والقدر وغير ذلك. وكان يسمى بمروان الجعدي.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن دولة بني أمية كان انقراضها بسبب هذا الجعد المعطل وغيره من الأسباب التي أوجبت إدبارها) (^٤)
وقال أيضًا: (وهذا الجعد إليه ينسب مروان بن محمد الجعدي آخر خلفاء بني أمية، وكان شؤمه عاد عليه حتى زالت الدولة، فإنه إذا ظهرت البدع التي تخالف دين الرسل انتقم الله ممن خالف الرسل، وانتصر لهم.) (^٥)
(ولذلك كان الإيمان بالرسول والجهاد عن دينه سببًا لخير الدنيا والآخرة وبالعكس البدع والإلحاد ومخالفة ما جاء به سبب لشر الدنيا والآخرة). (^٦)
_________________
(١) البداية ١٠/ ١٤، شذرات الذهب ١/ ١٦٧، تاريخ ابن خلدون ٣/ ١٠٩، ١١٢.
(٢) الكامل ٥/ ٢٩٥.
(٣) مجموع الفتاوى ١٣/ ١٨٢.
(٤) مجموع الفتاوى ١٣/ ١٨٢.
(٥) مجموع الفتاوى ١٣/ ١٧٧.
(٦) مجموع الفتاوى ١٣/ ١١٧٨.
[ ١ / ١٥٠ ]
وهكذا بنو العباس أيضًا لهم مواقف بين مؤيد لأهل البدع ومدافع عن السنة. فمثلًا: هارون الرشيد ومن قبله، كانت لهم مواقف محمودة في حرب أهل البدع، وهكذا الهادي والمهدي إلى أن جاء المأمون؛ فالمأمون، والمعتصم، والواثق هؤلاء كانوا مناصرين لأهل البدع، وكان المأمون أول من انتصر لأهل البدع، وجعل السلطة بأيديهم، إلى أن جاء المتوكل فأعاد الأمور إلى نصابها، والتاريخ يحتاج إلى من يتأمل فيه، حتى يتبين للناس كيف هي مواقف الخلفاء والأمراء من البدع وأهلها، فبنو العباس كان منهم من هو مناصر للسنة، وكان منهم من هو مناصر لأهل البدع والأهواء.
وأما الجانب المقالي:
يقول ابن القيم عن تاريخ التسلسل المقالي لهذه المقالة مع ما سبقها من مقالات: (مضى الرعيل الأول [من الصحابة] في ضوء ذلك النور لم تطفئه عواصف الأهواء، ولم تلتبس به ظلم الآراء وأوصوا من بعدهم أن لا يفارقوا النور الذي اقتبسوه منهم، وأن لا يخرجوا عن طريقهم، فلما كان في أواخر عصرهم حدثت الشيعة والخوارج والقدرية والمرجئة، فبعدوا عن النور الذي كان عليه أوائل الأئمة، ومع هذا لم يفارقوه بالكلية، بل كانوا للنصوص معظمين، وبها مستدلين، ولها على العقول والآراء مقدمين، ولم يدع أحد منهم أن عنده عقليات تعارض النصوص، وإنما أتوا من سوء الفهم فيها، والاستبداد بما ظهر لهم منها دون من قبلهم، ورأوا أنهم إن اقتفوا أثرهم كانوا مقلدين لهم، فصاح بهم من أدركهم من الصحابة وكبار التابعين من كل قطر، ورموهم بالعظائم، وتبرؤوا منهم، وحذروا من سبيلهم أشد التحذير، وكانوا لا يرون السلام عليهم ولا مجالستهم، وكلامهم فيهم معروف في كتب السنة، وهو أكثر من أن يذكر هاهنا.
فلما كثرت الجهمية في أواخر عصر التابعين كانوا هم أول من عارض الوحي بالرأي، ومع هذا كانوا قليلين أولًا مقموعين مذمومين عند الأئمة، وأولهم شيخهم الجعد بن درهم، وإنما نفق عند الناس بعض الشيء لأنه كان معلم مروان بن محمد وشيخه ولهذا كان يسمى مروان الجعدي، وعلى رأسه سلب الله بني أمية الملك والخلافة وشتتهم في البلاد ومزقهم كل ممزق ببركة شيخ المعطلة النفاة" (^١)
فهذه المقالة سبقها مقالات، مثل: مقالة الخوارج ومقالة التشيع وكذلك مقالة
_________________
(١) الصواعق المرسلة ٣/ ١٠٦٩، ١٠٧١.
[ ١ / ١٥١ ]
مرتكب الكبيرة وكذلك مقالة القَدَر، فهذه المقالات أسبق ظهورًا من مقالةِ نفي الصفات، ومقالة نفي الصفات إِنَّما جاءت بعد هذه. (^١)
مقالة الخوارج
تأخر زمن ظهور مقالة التعطيل مقارنة بغيرها من المقالات المتقدمة، فلم يكن لمقالة التعطيل وجود في عصر الصحابة وكبار التابعين، وإنما تأخر ظهورها إلى أواخر عصر التابعين من أوائل المائة الثانية. فمقالة تعطيل الصفات ليست بأول المقالات ظهورًا في المجتمع المسلم، فقد سبقها عدة مقالات لعل أولها مقالتا الخوارج والشيعة الذين ظهروا في آخر خلافة علي ﵁. (^٢)
ولقد كان المسلمون في خلافة أبي بكر وعمر وصدرًا من خلافة عثمان متفقين لا تنازع بينهم، وكانوا على ما بعث الله به رسوله من الهدى ودين الحق الموافق لصحيح المنقول وصريح المعقول. (^٣) إلى أن حدث في أواخر خلافة عثمان ﵁ أمور أوجبت نوعًا من التفرق، وقام قوم من أهل الفتنة فقتلوا عثمان ﵁ سنة (٣٥ هـ)، فتفرق المسلمون بعد مقتل عثمان، ووقعت الفتنة، وأدى ذلك إلى اقتتالهم بصفين سنة (٣٧ هـ)، واتفقوا على تحكيم حكمين، فخرجت الخوارج من ذلك الحين على أمير المؤمنين علي ﵁، وفارقوا جماعة المسلمين إلى مكان يقال له: "حروراء" فكف عنهم إلى أن استحلوا دماء المسلمين وأموالهم، فعلم علي ﵁ أنهم الطائفة التي ذكرها رسول الله ﷺ فقاتلهم فهم الفرقة المارقة التي قال فيها النبي ﷺ: "تمرق مارقة عند فُرقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق". (^٤)
_________________
(١) الناس في ترتيب أهل الأهواء على «أقسام»:
(٢) منهم من يرتبهم على زمن حدوثهم، فيبدأ بالخوارج.
(٣) ومنهم من يرتبهم بحسب خفة أمرهم وغِلَظِهِ فيبدأ بالمرجئة ويختم بالجهمية، كما فعله كثير من أصحاب أحمد ﵀، كعبد الله ابنه ونحوه، وكالخلال، وأبي عبد الله بن بطة، وأمثالهما، وكأبي الفرج المقدسي، وكلا الطائفتين تختم بالجهمية؛ لأنهم أغلظ البدع، وكالبخاري في صحيحه فإنه بدأ ب «كتاب الإيمان والرد على المرجئة» وختمه بكتاب التوحيد والرد على الزنادقة والجهمية، ولما صنف الكتاب في الكلام صاروا يقدمون التوحيد والصفات، فيكون الكلام أولًا مع الجهمية) انظر مجموع الفتاوى ١٣/ ٤٩، ٥٠.
(٤) درء تعارض العقل والنقل ٥/ ٢٤٤، مجموع الفتاوى ٦/ ٣٣.
(٥) منهاج السنة ١/ ٣٠٦.
(٦) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم ٣/ ١١٣ ط ١، دار المعرفة
[ ١ / ١٥٢ ]
وكانت بدعتهم إنما هي من سوء فهمهم للقرآن؛ ولم يقصدوا معارضته، ولكن فهموا منه ما لم يدل عليه، فظنوا أنه يوجب تكفير أرباب الذنوب، إذ المؤمن هو البر والتقي، فقالوا: فمن لم يكن برًا تقيًا فهو كافر، وهو مخلد في النار؛ ثم قالوا: وعثمان وعلي ومن والاهما ليسوا بمؤمنين لأنهم حكموا بغير ما أنزل الله، فكانت بدعتهم لها مقدمتان:
"الأولى": أن من خالف القرآن بعمل أو برأي أخطأ فيه فهو كافر.
"الثانية": أن عثمان وعليًا ومن والاهما كانوا كذلك. (^١)
وبذلك خرجت الخوارج بجهلهم وعتوهم وتكفيرهم للمسلمين وقتلهم إياهم. (^٢) وكانت آراؤهم مفرعة على الجهل وقوة النفوس والاعتقاد الفاسد.
مقالة الشيعة
وحدثت أيضًا في خلافة علي ﵁ (٣٥ - ٤٠ هـ) بدعة (التشيع) لكن أصحابها كانوا مختفين بقولهم لا يظهرونه لعلي وشيعته، بل كانوا ثلاث طوائف.
الطائفة الأولى:
"الغلاة" المدعين لإلهية علي، وهؤلاء لما ظهر عليهم أحرقهم بالنار، فإنه خرج ذات يوم فسجدوا له، فقال لهم: ما هذا؟ فقالوا: أنت هو. قال: من أنا؟ قالوا: أنت الله الذي لا إله إلا هو. فقال: ويحكم هذا كفر فارجعوا عنه وإلا ضربت أعناقكم، فصنعوا به في اليوم الثاني والثالث كذلك، فأخرهم ثلاثة أيام -لأن المرتد يستتاب ثلاثة أيام-فلما لم يرجعوا أمر بأخاديد من نار فخدت عند باب كنده، وقذفهم في تلك النار، وروى عنه أنه قال:
لما رأيت الأمر أمرًا منكرًا/ أججت ناري ودعوت قنبرًا
والطائفة الثانية:
"السابة" الذين يسبون أبا بكر وعمر، فإن عليًا لما بلغه ذلك طلب ابن السوداء الذي بلغه ذلك عنه، وقيل إنه أراد قتله فهرب منه إلى أرض قرقيسيا أي ما تسمى اليوم (قرغيزيا).
والطائفة الثالثة:
"المفضلة" الذين يفضلونه على أبي بكر وعمر، فأمر بجلدهم، فقد روى عنه أنه قال:
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣١، ٣٢.
(٢) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري ١/ ١٠.
[ ١ / ١٥٣ ]
"فلا أوتي بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا ضربته حد المفتري.
وقد تواتر عنه أنه كان يقول على منبر الكوفة: "خير هذه الأمة بعد نبيها أبوبكر ثم عمر، روى هذا عنه من أكثر من ثمانين وجهًا ورواه البخاري (^١) وغيره)
قال الهروي: (وأما فتنة قصب السلف [أي الرفض] فإن الكوفة دارها التي حرفتها، ثم طار في الأفاق شررها، واستطار فيها ضررها، وإنما هاجتها أحلام فيها ضيق، وأشربتها قلوب فيها حمق، ولها عروق خفية، السلامة للقلوب في ترك إظهار بعضها، وأربابها أحمق خلق الله تعالى، عرضت تساوى بين علي بن أبي طالب وأبي بكر وعمر، ثم أخذت تفضله عليهما وتخاصمهما وتضلهما وتوليه حقهما، ثم جاءت تعدله بالمصطفى ﷺ وتشركه في وحي السماء، ثم خطأت جبريل ﵇ في نزوله، فخلّت الأمة من النبوة، وأحوجتها إلى علي ﵁، ثم ادعت له الإلهية ثم ادعتها لولده.
قال الإمام المطلبي: "لو كانوا دوابًا لكانوا حُمُرًا، ولو "كانوا طيرًا لكانوا رخمًا". (^٢)
فاستظهرت بهؤلاء الغالية أرباب القلوب المريضة، فتظاهرت على قصب السلف الذين هم الناقلون وفيهم قانون الدين والملة، فهؤلاء الذين قالوا في السلف الصالح بالقول السيئ أرادوا القدح في الناقل لأن القدح في الناقل إبطال المنقول، فأرادوا إبطال الشرع الذي نقلوا، وإنما تعلقوا بعلي بن أبي طالب تسلحًا.
ولم تكابد الأمة من شؤم شيء ما كابدت من شؤم تلك الفتنة. لم يكد قلب مسلم يسلم من شرب منها إلا من رحم ربك فعصم. (^٣)
ومنذ أن ظهر التشيع واليهود (^٤) والمجوس (^٥) يوقدون ناره تحت دعوى أن للرسول ﷺ وصيًا هو علي بن أبي طالب، ولكن الصحابة تمالؤا على ظلمه وكتمان الوصية على حد زعمهم الكاذب.
ولم يزل التشيع يتطور بتطرفه وتشيعه، حتى صار ملجأً لكل من يريد أن يحارب
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ، باب حدثنا الحميدي وعبد الله. ٥/ ٧
(٢) منهاج السنة ١/ ٣٠٧، ٣٠٨، مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٣، ٣٤.
(٣) ذم الكلام للهروي ص ٣٠٤، ٣٠٥ «بتصرف»
(٤) انظر كتاب بذل المجهود في إثبات مشابهة الرافضة لليهود، لعبد الله الجميلي.
(٥) انظر كتاب «وجاء دور المجوس» لعبد الله الغريب.
[ ١ / ١٥٤ ]
الإسلام والمسلمين، فقد دخل في الرافضة أهل الزندقة والإلحاد من "النصيرية" و"الإسماعيلية" وأمثالهم من الملاحدة "القرامطة" وغيرهم ممن كان بخراسان والعراق والشام وغير ذلك. (^١)
ومن شنيع عقائدهم القول بأن القرآن مبدل ومحرف ومزيد فيه ومنقوص منه، وأن معظم الصحابة ارتدوا بعد إسلامهم إن لم يكونوا كلهم ماعدا علي بن أبي طالب ونفر قليل معهم.
وقد وصل الضلال ببعضهم والجراءة على الله تعالى، إلى أن يقول بخيانة جبريل للرسالة، وأنه أرسل إلى علي فعدل إلى محمد.
ولم يزل الرفض يبتعد بأهله عن الدين والعقل والفطرة إلى يومنا هذا. (^٢)
فهاتان البدعتان: بدعة الخوارج والشيعة، حدثتا في ذلك الوقت لما وقعت الفتنة، (^٣) بعد مقتل عثمان ﵁ فلما قتل ذو النورين بين ظهراني المسلمين في الشهر الحرام، وفي حرم الرسول ﷺ بأعين المسلمين، وانشقت العصا وتفرقت الجماعة، تشاءمت الأعين، وتخاذلت الأنفس، اختلفت الآراء، وتباعدت القلوب، وساءت الظنون، واستعلت الريب، واستقوت التهم، وجدت كل فتنة فرصتها، فلفظت غصتها، واشتغل الرعاع، وأسلم الشارك، وتزاحف أئمة الهدى رغبة في زهرة الدنيا، فأخذت الغواة أزمة الضلالة، فتهوست لها من قلوب أهل الغفلة. (^٤)
مقالة القدرية
ثم حدثت بعد ذلك بدعة "القدرية" في آخر عصر الصحابة (^٥) وكان القدر قد حدث أهله قبل أهل النفي للصفات، فمقالة القدر ظهرت في خلافة عبد الله الزبير (٦٤ - ٧٣ هـ) بعد موت معاوية. (^٦)
ولهذا تكلم فيهم عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وواثلة بن الأسقع. (^٧) ﵃.
وابن عباس مات (٦٨ هـ) قبل ابن الزبير وابن عمر مات عقب موته (٧٤ هـ).
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٥٢٨.
(٢) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري ١/ ١٠.
(٣) منهاج السنة ١/ ٣٠٨.
(٤) ذم الكلام للهروي ص ٣٠٣
(٥) منهاج السنة ١/ ٣٠٨.
(٦) الحسنة والسيئة ص ١٠٣.
(٧) منهاج السنة ص ١٠٣.
[ ١ / ١٥٥ ]
وعقب ذلك تولى الحجاج العراق سنة بضع وسبعين، فبقي الناس يخوضون في القدر بالحجاز، والشام، والعراق، وأكثره كان بالشام والعراق بالبصرة، وأقله كان بالحجاز. (^١)
وأول من عرف بنفي القدر، رجل مجوسي يقال سيسويه من الأساورة، وإن كان قد اشتهر أن أول من قال به معبد الجهني. (^٢)
قال الهروي: (فأما القدر فأول من تكلم به معبد الجهني رجل من أهل البصرة، كان عنده حظ من العلم يقال له "معبد بن خالد، ويقال معبد ابن عبد الله بن عويم، مات بعد الهزيمة وكان يومئذ مع ابن الأشعث، وأصابته جراحة، وهو أول من تكلم بالقدر، وهو الذي تبرأ منه عبد الله ابن عمر بن الخطاب. (^٣) مات قبل التسعين (^٤) قتله الحجاج بن يوسف وقيل صلبه عبد الملك بن مروان سنة ثمانين. (^٥)
وأخذ غيلان الدمشقي عن معبد الجهني (^٦)
قال الهروي: (فتكلم عليه عمرو بن عبيد، وجادل به غيلان بن مسلم الدمشقي وغيلان هو ابن أبي غيلان أبو مروان من موالي عثمان، وكان عنده حظ من العلم، تكلم به أيام عبد الملك بن مروان، واستتابه عمر بن عبد العزيز، ثم ظهر منه تكذيب التوبة (^٧) زمن يزيد بن عبد الملك ثم لما ولى هشام بن عبد الملك سنة (١٠٦ هـ) أرسل إلى غيلان وأحضر له الأوزاعي لمناظرته، ثم قتله (^٨) فصلب على باب الشام بأخزى حالة لقيها بشر. (^٩)
(وأما عمرو بن عبيد فهو عمرو بن كيسان أبو عثمان مولى بني تميم البصري، مات سنة ثلاث وأربعين ومائة في طريق مكة فإنه أول من بسط أساسه فأصبح رأسه، ونظم له كلاما ونصبه إمامًا، ودعا إليه ودل عليه، فصار مذهبًا يسلك، وهو إمام الكلام وداعية الزندقة الأولى رأس المعتزلة، سموا به لاعتزاله حلقة الحسن البصري، وهو الذي لعنه إمام أهل الأثر مالك بن أنس الأصبحي، وإمام أهل الرأي
_________________
(١) الحسنة السيئة ص ١٠٣.
(٢) تهذيب التهذيب ١٠/ ٢٢٥.
(٣) ذم الكلام ص ٣٠٣.
(٤) سير أعلام النبلاء ٤/ ١٨٧.
(٥) تهذيب التهذيب ١٠/ ٢٢٥، سير أعلام النبلاء ٤/ ١٨٧.
(٦) سير أعلام النبلاء ٤/ ١٨٧.
(٧) ذم الكلام ص ٣٠٣.
(٨) الشريعة للآجري ص ٢٢٨، التنبيه والرد للملطي ص ١٦٨.
(٩) ذم الكلام ص ٣٠٣.
[ ١ / ١٥٦ ]
النعمان بن ثابت الكوفي أبو حنيفة، وحذر منه إمام أهل الشرق عبد الله بن المبارك الحنظلي، فسلط الله عليه وعلى من استتبع واخترع، سيفًا من سيوف الإسلام وهو أبوبكر أيوب بن أبي تميمة السختياني، فهتك استاره، وأظهر عواره، ورسمه باللعنة وألحق به بلاء تلك الفتنة) (^١).
ونفاة القدر أرادوا منازعة الله في الربوبية فضاهوا بذلك المجوسية الأولى وهم الزنادقة. (^٢)
وأصل بدعة القدرية كانت من عجز عقولهم عن الإيمان بقدر الله والإيمان بأمره ونهيه ووعده ووعيده، وظنوا أن ذلك ممتنع؛ وكانوا قد آمنوا بدين الله وآمره ونهيه ووعده ووعيده، وظنوا أنه إذا كان كذلك لم يكن قد علم قبل الأمر من يطيع ومن يعصي، لأنهم ظنوا أن من علم ما سيكون لم يحسن منه أن يأمر وهو يعلم أن المأمور يعصيه، وظنوا أيضًا أنه إذا علم أنهم يفسدون لم يحسن أن يخلق من يفسد.
فلما بلغ قولهم بإنكار القدر الصحابة أنكروه إنكارًا عظيمًا وتبرؤا منهم. ثم كثر الخوض في القدر فصار مقتصدوهم وجمهورهم يقرون بالقدر السابق وبالكتاب المتقدم، وصار النزاع في الإرادة وخلق أفعال العباد فصاروا في ذلك حزبين:
١ - "النفاة": يقولون لا إرادة إلا بمعنى المشيئة، وهو لم يرد إلا ما أمر به، ولم يخلق شيئًا من أفعال العباد.
٢ - "المجبرة" كالجهم بن صفوان وأمثاله، قابلوا الفريق الأول فقالوا ليست الإرادة إلا بمعنى المشيئة، والأمر والنهي لا يستلزم إرادة، وقالوا العبد لا فعل له البتة ولا قدرة، بل الله هو الفاعل القادر فقط. (^٣)
مقالة المعتزلة
ثم أحدثت المعتزلة القول بالمنزلة بين المنزلتين وقالوا بإنفاذ الوعيد وخلود أهل التوحيد في النار، وأن النار لا يخرج منها من دخلها. (^٤)
وكانت "الخوارج" قد تكلموا في تكفير أهل الذنوب من أهل القبلة، وقالوا: "إنهم كفار مخلدون في النار، فخاض الناس في ذلك (^٥) وخاض في ذلك المعتزلة
_________________
(١) ذم الكلام ص ٣٠٣.
(٢) ذم الكلام ص ٣٠٥.
(٣) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٦، ٣٧.
(٤) كتاب الحسنة والسيئة ص ١٠٣.
(٥) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٧.
[ ١ / ١٥٧ ]
بعد موت الحسن البصري (١١٠ هـ) في أوائل المائة الثانية، ولم يكن الناس إذ ذاك قد أحدثوا شيئًا من نفي الصفات. (^١)
فقال عمرو عبيد (١٤٣ هـ) وأصحابه لا هم مسلمون ولا كفار بل هم في منزلة بين المنزلتين، وهم مخلدون في النار. فوافقوا الخوارج على أنهم مخلدون، وعلى أنهم ليس معهم من الإسلام والإيمان شيء، ولكن لم يسموهم كفارًا. واعتزلوا حلقة أصحاب الحسن البصري، مثل قتادة وأيوب السختياني وأمثالهما، فسموا معتزلة من ذلك الوقت بعد موت الحسن، وقيل إن قتادة كان يقول: أولئك المعتزلة. (^٢) والمعتزلة الذين كانوا في زمن عمرو بن عبيد وأمثاله لم يكونوا جهمية، وإنما كانوا يتكلمون في الوعيد وإنكار القدر، وإنما حدث فيهم نفي الصفات بعد هذا، ولهذا لما ذكر الإمام أحمد قول جهم في رده على الجهمية قال: (فاتبعه قوم من أصحاب عمرو بن عبيد وغيره، واشتهر هذا القول عن أبي الهذيل العلاف والنظام وأشباههم من أهل الكلام. (^٣)
مقالة المرجئة
وحدثت المرجئة، وكان أكثرهم من أهل الكوفة، فصاروا نقيض الخوارج والمعتزلة فقالوا إن الأعمال ليست من الإيمان. (^٤)
وأول ما ظهرت بدعة الإرجاء بعد فتنة ابن الأشعث سنة (٨٣ هـ) وقيل إن أول من قال به هو ذر بن عبد الله المرهبي الهمداني (توفي قبل المائة).
فقد أخرج عبد الله بن الإمام أحمد بسنده عن سلمة بن كهيل (قال: وصف "ذر" الإرجاء وهو أول من تكلم فيه، ثم قال إني أخاف أن يتخذ هذا دينًا، فلما أتته الكتب من الأفاق قال فسمعته يقول بعد وهل أمر غير هذا)
وقال أبو داود: كان مرجئًا وهجره إبراهيم النخعي وسعيد بن جبير بالإرجاء. (^٥)
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية: (أن حماد بن أبي سليمان (ت ١٢٠ هـ) هو أول من قال بالإرجاء) (^٦)
وكانت بدعة الإرجاء مقتصرة في بدايتها على إرجاء الفقهاء ولذلك كانت هذه
_________________
(١) كتاب الحسنة والسيئة ص ١٠٣.
(٢) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٧، ٣٨.
(٣) شرح الأصفهانية ص ٦٥.
(٤) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٨.
(٥) السنة لعبد الله بن الإمام أحمد (١/ ٣٢٩ رقم ٦٧٧).
(٦) تهذيب التهذيب ٣/ ٢١٨.
[ ١ / ١٥٨ ]
البدعة أخف البدع، فإن كثيرًا من النزاع فيها نزاع في الاسم واللفظ دون الحكم، (^١) إذ كان الفقهاء الذين يضاف إليهم هذا القول مثل حماد بن أبي سليمان وأبي حنيفة وغيرهما مع سائر أهل السنة متفقين على أن الله يعذب من يعذبه من أهل الكبائر بالنار ثم يخرجهم بالشفاعة، وعلى أنه لابد في الإيمان أن يتكلم بلسانه، وعلى أن الأعمال المفروضة واجبة وتاركها مستحق للذم والعقاب. فكان الخلاف معهم في الأعمال هل هي من الإيمان؟، وفي الاستثناء ونحو ذلك عامته نزاع لفظي. (^٢)
وصارت المرجئة بعد ذلك على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الذين قالوا: الإيمان تصديق القلب وقول اللسان، وهؤلاء يسمون مرجئة الفقهاء. وهم علماؤهم وأئمتهم وأحسنهم قولًا.
وقد استقر إرجاء الفقهاء على ثلاثة أسس هي:
١ - زعمهم أن العمل لا يدخل في مسمى الإيمان وأن الإيمان هو التصديق.
٢ - زعمهم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص.
٣ - زعمهم أنه لا يجوز الاستثناء في الإيمان.
القسم الثاني: الذين قالوا: "هو تصديق القلب فقط وإن لم يتكلم به".
وهذا قول الجهمية، وهو الذي نصره الأشعري وأكثر أصحابه. فالجهم كان يقول إن الإيمان مجرد تصديق القلب وإن لم يتكلم به. وهذا القول لا يعرف عن أحد من علماء الأمة وأئمتها، بل أحمد ووكيع وغيرهما كفروا من قال بهذا القول. ولكن هذا هو الذي نصره الأشعري وأكثر أصحابه؟! ولكن قالوا مع ذلك إن كل من حكم الشرع بكفره حكمنا بكفره واستدللنا على تكفير الشارع له على خلو قلبه من المعرفة.
القسم الثالث: الذين يقولون: "الإيمان هو القول فقط".
فمن تكلم به فهو مؤمن كامل الإيمان، لكن إن كان مقرًا بقلبه كان من أهل الجنة، وإن كان مكذبًا بقلبه كان منافقًا مؤمنًا من أهل النار، وهذا قول الكرامية.
وهو آخر ما أحدث من الأقوال في الإيمان، وبعض الناس يحكى عنهم أن من تكلم به بلسانه دون قلبه فهو من أهل الجنة، وهو غلط عليهم، بل يقولون إنه مؤمن
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٧/ ٢٩٧، ٣١١) (٥/ ٥٠٧).
(٢) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٨، ٤٨.
[ ١ / ١٥٩ ]
كامل الإيمان، وإنه من أهل النار. (^١)