تنقسم البيعة إلى قسمين:
القسم الأول بيعة الانعقاد وهذه يتولاها أهل الحل والعقد.
والقسم الثاني: بيعة العامة أي بيعة سائر المسلمين للخليفة، وهذا ما تم بالنسبة للخلفاء الراشدين جميعا، فأبو بكر الصديق-﵁-بعد أن بايعه أهل الحل والعقد من المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة، دُعِي المسلمون للبيعة العامة في المسجد، فصعد المنبر بعد أن أخبرهم عمر بن الخطاب-﵁-باختيارهم له، ومبايعتهم إياه، وأمرهم بمبايعته فبايعه المسلمون، وما حدث مع أبي بكر الصديق حدث مع كل الخلفاء الراشدين.
وهذا القسم هو ما أراده المصنف هنا، أمر البيعة هو أن يكون في عنق المسلم بيعة لولي الأمر فهذا أمرٌ بما جاءت به النصوص، كما في الحديث: «وأنه من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» (^١)، لقوله ﷺ: " ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر" (^٢).
فلا يحل لأحدٍ أن يبيت ليلة ولا يرى أن عليه إمامًا برًا كان أو فاجرًا ما دام أمر المسلمين قائمًا، سواء كانت الولاية على الشروط الشرعية أو تخلفت فيها الشروط الشرعية، فيجب أن يكون في عنق المسلم بيعة للإمام الواقع أو للإمامة الحاصلة في وقته، سواء كان هذا الإمام متوفرة فيه شروط الإمامة أو لا تتوفر، كما ذكر أهل العلم، بناء على الأحاديث الواردة الثابتة عن النبي ﷺ.
_________________
(١) انظر صحيح مسلم كتاب الإمارة، بَابُ الْأَمْرِ بِلُزُومِ الْجَمَاعَةِ عِنْدَ ظُهُورِ الْفِتَنِ وتحذير الدعاة إلى الكفر، برقم (١٨٥١)، والإمام أحمد في المسند مسند المكثرين من الصحابة برقم (٦٤٢٣).
(٢) رواه مسلم (١٨٤٤).
[ ٢ / ١٨١ ]
«وذكر اتفاق المهاجرين والأنصار على تقديم الصديق ﵁، وأنه أفضل الأمة».
قال ابن تيمية ﵀ في بيان معتقد أهل السنة: «ويقرُّون بما تَوَاتَرَ به النَّقْلُ عن أميرِ المؤمنينَ عليِّ بْنِ أبي طالبٍ ﵁ وغيرِه، مِنْ أَنَّ خَيْرَ هذه الأُمَّةِ بعد نَبِيِّهَا: أبو بكرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ويثُلِّثُونَ بِعُثْمَان، ويُرَبِّعُونَ بِعَلِيٍّ ﵃، كما دلَّت عليه الآثارُ».
وقد أجمع الصحابة على تقديم عثمان في البيعة، وإن كان بعض السلف قد اختلفوا في التفضيل بين عثمان وعلي-فإنهم لم يختلفوا في الترتيب في البيعة للخلافة، وكل مَنْ خالف الترتيب في الخلافة فإنه من أهل البدع.
وترتيب أهل السنة: (أبو بكرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ويثُلِّثُونَ بِعُثْمَان، ويُرَبِّعُونَ بِعَلِيٍّ ﵃.
وإن كان ثَمَّ خلاف في التفضيل بين عثمان وعليٍّ، ولكنه لا يترتب عليه أي أثر في الانتساب لأهل السنة؛ «فقدَّم قومٌ عثمانَ، وسكتوا، وربَّعوا بعليٍّ، وقدَّم قومٌ عليًّا، وقومٌ توقَّفوا، لكن استقرَّ أمرُ أهلُ السُّنَّة على تقديم عُثْمَان ثم عليٍّ.
وإنْ كانتْ هذه المَسْأَلَةُ (مَسْأَلَةُ عُثْمَانَ وعليٍّ) ليستْ من الأصولِ التي يُضَلَّلُ المخالفُ فيها عند جمهورِ أَهْلِ السُّنَّة، لكن التي يُضَلَّلُ فيها مسألةُ الخلافةِ؛ وذلك لأنهم يؤمنون أنَّ الخليفةَ بَعْدَ رسولِ الله ﷺ أبو بكرٍ، ثم عمرُ، ثم عثمانُ، ثم عليٌّ، ومَن طَعَنَ في خلافة أحدٍ مِنْ هؤلاء فهو أضلُّ مِنْ حِمَارِ أَهْلِهِ».
فلهم مِنْ الفضل ومِن المكانة ما هو مُجمع عليه بين أهل السُّنَّة.
قال ابن حجر: «الإجماع انعقد بأخره بين أهل السنة أن ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة» (^١)
_________________
(١) فتح الباري ٧/ ٣٤.
[ ٢ / ١٨٢ ]
«ثم قال: وكان الاختلاف في خَلْق الأفعال: هل هي مُقَدَّرة أم لا؟ قال: وقولنا فيها أن أفعال العباد مقدرة معلومة، وذكر إثبات القَدَر».
ما يتعلق بالإيمان بالقدر خيره وشره، وهو أصلٌ مِنْ أُصُول اعتقادِ أهل السُّنَّة والجَمَاعَة، وركنٌ مِنْ أركان الإيمان.
قال العلَّامة ابنُ القيِّم ﵀: «إنَّ أهمَّ ما يَجب معرفتُه على المُكَلَّف النَّبيل فضلًا عن الفاضل الجليل ما وَرَدَ في القضاء والقَدَر والحِكمة والتَّعليل، فهو مِنْ أَسْنَى المقاصد، والإيمانُ به قُطْب رَحَى التَّوحيد ونِظامه، ومبدأُ الدِّين المُبين وخِتامه، فهو أحدُ أركان الإيمان وقاعدة أساس الإحسان التي يَرجع إليها ويَدور في جميع تصاريفه عليها، فالعدلُ قِوَام المُلك، والحِكمة مَظهر الحمد، والتَّوحيد مُتضمن لنهاية الحِكمة وكمال النِّعمة، ولا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، له المُلك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير؛ فبالقدرة والحكمة ظَهَر خَلْقُه وشَرعه المُبين؛ ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]» (^١).
والقَدَر في اللغة: مَصدر قَدَرْتُ الشَّيء إذا أَحَطْتُ بمقداره.
وهو عند أهل السُّنَّة والجَمَاعَة: قُدرة الله وعِلمه ومَشيئته وخَلقه وكتابته، فلا تتحرك ذَرَّةٌ فما فوقها إلا بمشيئته وعِلمه وقُدرته (^٢).
ومن أدلة القَدَر:
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، وقوله جل وعلا: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، وقوله ﷿: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: ١ - ٢].
وحديثُ جِبريل لمَّا سأل رسولَ الله ﷺ عن الإيمان، فقال له رسولُ الله ﷺ: «أن
_________________
(١) مُقَدِّمة كتابه «شِفاء العَليل» (ص ٣).
(٢) انظر: «شفاء العليل» لابن القَيِّم (ص ١١٤).
[ ٢ / ١٨٣ ]
تُؤمن باللهِ ومَلائكته وكُتُبه ورُسله واليوم الآخر، وتُؤمن بالقَدَر؛ خَيره وشَرِّه» (^١).
وقوله ﵀: «الإيمانُ بالقَدَر على درجتين، كل درجة تتضمن شيئين» بَيَّن فيه مَراتب القَدَر الأربع التي هي: (العِلم والكتابة والمَشيئة والخَلْق).
فذكر هنا مراتب القَدَر، وجمع هنا بين مرتبتين؛ مرتبة العلم ومرتبة الكتابة؛ باعتبار أنهما متلازمتان، كما أنَّه بالدرجة الثانية جمع بين الخلق والمشيئة، فالقسمة إما ثنائية وإمَّا رباعية، فإذا قلت: رباعية، فتقول: (العلم، الكتابة، الخلق، المشيئة).
وإذا قلت ثنائية، فتقول: (العلم، الكتابة)، أي: عَلِم ﷾ ذلك وكَتَبَه، ثم خَلَقَه وشاءه.
فقال: «الإيمانُ بالقَدَر على دَرجتين؛ كل درجة تتضمن شيئين:
فالدَّرجة الأولى: الإيمانُ بالعلم والكتابة»؛ فالله-تَعالى علم الأشياء قبل كونها، ويعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، كما أخبر-مثلًا-عن شأن أهل النار فقال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]؛ فلو رُدُّوا إلى الدنيا فسيكون منهم عودة إلى ما نَهاهم الله عنه، وهذا لا يكون ولكنه لو كان فسيكون بهذه الحال، فالله ﷾ علم الأشياء قبل كونها، وهو عليم بها أثناء كونها، وعليم بما سيكون، وعليم بما لم يكن لو كان كيف يكون، فسبحان مَنْ وَسِع علمُه كل شيء!
فهو عليمٌ بما الخلقُ عاملون بعلمِه القديم الذي هو مَوصوفٌ به أزلًا وأبدًا؛ ونحن نؤمن أن الله متصف بجميع الصفات أزلًا وأبدًا.
وغُلاة القدرية-كما أشار المصنف-يقولون والعياذ بالله-: إن الله لا يعلم أنَّ العبد سيَعمل هذا العمل إلَّا عند وقوعه. تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
والله ﷾ عالمٌ بكل شيء أزلًا، قال عبادة بن الصامت لابنه: يا بُني، إنَّك لن تجد طعم حقيقة الإيمان حتى تعلم أنَّ ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليُصيبك، سمعتُ رسول الله ﷺ، يقول: «إنَّ أول ما خَلق اللهُ القلم، فقال له: اكتب. قال: ربِّ وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كلِّ شيء حتى تقوم الساعة»، يا بُني إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ مات على غير هذا فليس مِنِّي» (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٠) من حديث أبي هريرة؟، ومسلم (٨) من حديث عبد الله بن عمر ﵄.
(٢) أخرجه أبو داود (٤٧٠٠) والترمذي (٢١٥٥)، وصححه الألباني في «صحيح الترمذي» (٢٦٤٥).
[ ٢ / ١٨٤ ]
فمقادير كلِّ شيء حتى قيام السَّاعة قد كُتبت في اللوح المحفوظ.
وعن ابن عباس؟ما، قال: «كنتُ خلفَ رسول الله ﷺ يومًا، فقال: «يا غلام، إني أُعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أنَّ الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يَضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه اللهُ عليك، رُفِعَت الأقلام وجَفَّت الصحف» (^١).
فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه؛ فهذا سابق في القدر، سابق في علم الله، والنصوص في العلم والكتابة-بحمد الله تعالى-كثيرة وواضحة في الدلالة على هاتين المرتبتين: العلم والكتابة.