قال المصنف: "وأخذها عنه الجهم بن صفوان، وأظهرها"؛ فهذه المقالة نسبت إلى الجهم واشتهرت عنه أكثر من اشتهارها عن الجعد، والسبب في ذلك يرجع إلى
_________________
(١) الفرق بين الفرق ص ١٨ - ١٩.
(٢) الفرق بين الفرق ص ٢٧٨ - ٢٧٩.
(٣) الفرق بين الفرق ص ٢٧٩.
(٤) لسان الميزان ٢/ ١٠٥.
(٥) الكامل ٥/ ٤٢٩.
(٦) انظر مأثر الإنافة في معالم الخلافة للقلقشندي ١/ ١٦٢.
(٧) الرد على الجهمية للدارمي (ص ٧) ط: المكتب الإسلامي.
[ ١ / ١٩٣ ]
قوة السلطان وموقفه من أهل البدع، بحيث لم يتمكن الجعد من بثِّ هذه المقالة ونشرها إلا على نطاق ضيق محدود.
ولهذا السبب ما اشتهرت نسبة هذه المقالة للجعد، وإنما اشتهرت نسبتها إلى الجهم، لأن الجهم بعد ذلك فرَّ إلى خرسان واستطاع أن يكون له مهلة من الوقت، إذ أنه وجد هناك من هو خارج على بني أمية، وهو الحارث بن سريج الذي خرج على بني أمية، ولحق به الجهم بن صفوان فوجده خارجًا، وتحالف معه، وكان الحارث قد عيَّن الجهم في وظيفة، ما يسمى الداعي، أي الناطق الرسمي باسم الحارث، فكان الجهم هو الذي يذهب إلى مجامع الناس وإلى مساجدهم، وينشر الدعوة إلى الخروج على بني أمية وعلى هشام بالذات، والدعوة إلى بدعته التي هو عليها، فوجد مرتعًا خصبًا في ذلك.
فالجهم اشتهرت عنه هذه المقالة؛ لأنه هو الذي تمكن من إظهارها بسبب خروجه إلى خرسان، وكون الأمر في ذلك الحين، يعني في تلك المناطق غير مستتب لبني أمية، مع أن هشام أرسل جيشًا بقيادة سلمة بن أحوز إلى خرسان لأجل أن يستتب الأمر هناك، وفعلًا استطاع هذا الجيش بعد وفاة هشام أن يقتل الحارث، واستطاع أن يقبض على الجهم بن صفوان، ويقتله، وقال قائد الجيش: "والله لو كنت في بطن أمي لشققته لكي أخرجك وأقتلك" (^١). فلم يكن قائد هذا الجيش بالمتهاون أو المتساهل مع الجهم بن صفوان بل أمر بقتله، وكان شديدًا على الخارجين على بني أمية في ذلك الحين.
والجهم هو الذي نشر ذلك المذهب وتكلم عليه فبسطه وطراه ودعا إليه، وامتاز عن شيخه الجعد بمزية المبالغة في النفي وكثرة إظهار ذلك والدعوة إليه، نظرًا لما كان عليه من سلاطة في اللسان، وكثرة الجدل والمراء.
فهو صاحب ذلك المذهب الخبيث الذي اشتهر بنسبته إليه والذي صار به مذهبًا، فلم يزل هو يدعو إليه الرجال، وامرأته «زهرة» تدعو إليه النساء، حتى استهويا به خلقًا من خلق الله كثيرًا.
وكانت فتنته بالمشرق، فهناك بسطت ومهدت ثم سارت في البلاد (^٢)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ثم ظهر جهم بن صفوان من ناحية المشرق من ترمذ، ومنها ظهر رأي جهم. ولهذا كان علماء السنة والحديث بالمشرق أكثر كلامًا
_________________
(١) انظر كتاب البداية والنهاية الجزء العاشر صفحة (٢٩).
(٢) ذم الكلام للهروي ص ٣٠٥.
[ ١ / ١٩٤ ]
في رد مذهب جهم من أهل الحجاز، مثل إبراهيم بن طهمان، وخارجة بن مصعب، ومثل عبد الله بن المبارك، وأمثالهم وقد تكلم في ذمهم ابن الماجشون، وغيرهما وكذلك الأوزاعي، وحماد بن زيد وغيرهم.) (^١)
وقد ظهر الجهم في آخر دولة بني أمية. وقد قتل في بعض الحروب (^٢) سنة (١٢٨ هـ).
اسمه وكنيته ونسبه (^٣)
اتفق جميع من ذكره على اسمه واسم أبيه، وأنه (جهم بن صفوان) (^٤)، إلا أن بعضهم أضافوا (ال) قبل اسمه، فجعلوه «الجهم بن صفوان» (^٥). والأمر في هذا واسع، حيث إن بعض الأسماء العربية تجوز فيها إضافة (ال) قبلها، مثل (حسن) و(الحسن)، و(حسين) و(الحسين).
ولم يذكر نسبه بعد أبيه، ولعل السبب في ذلك أن الجهم كان من العجم، ومن المعروف عنهم -إلى يومنا هذا-أنهم لا يهتمون بحفظ أنسابهم كما هو موجود عند العرب.
إلا أن يوسف بن موسي (^٦)، ذكر أن الجعد بن درهم هو أبو الجهم أو جده، حيث قال: «أتعرف الجعد؟ هو أبو الجهم أو جده (شك الراوي) الذي شك في الله أربعين صباحًا») (^٧)، ولا شك أن هذا ليس بصحيح، فهو قول شاذ يخالف أقوال جميع العلماء الآخرين، حيث
اتفقوا على أن الجعد شيخ الجهم، وليس أبا له. ويمكن أن تحمل كلمة (الأبوة) على غير معناها الحقيقي، فلعله قصد أن الجهم أخذ عن الجعد ولازمه ملازمة الابن لأبيه، والله أعلم.
كما اتفق جميع من ذكر كنيته على أنها «أبو محرز (^٨). ويظهر أنه كان مشهورًا
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٤/ ٣٥١.
(٢) مجموع الفتاوى ١٣/ ١٨٢.
(٣) المصدر كتاب مقالات الجهم بن صفوان وأثرها على الفرق الإسلامية
(٤) انظر على سبيل المثال: تاريخ الطبري (٧/ ٣٣٠)، والوافي بالوفيات للصفدي (١١/ ١٦٠ - ١٦١)، والبداية والنهاية لابن كثير (٩/ ٤٣٩)، وميزان الاعتدال للذهبي (١/ ٤٢٦).
(٥) مثل الذهبي في تاريخ الإسلام (حوادث ووفيات سنة ١٢١ - ١٤٠، ص ٦٥).
(٦) هو: يوسف بن موسي بن راشد القطان، أبو يعقوب الكوفي، من شيوخ البخاري والترمذي. وثقه غير واحد من أهل العلم. توفي سنة ٢٠٣ هـ. انظر: تهذيب التهذيب (٤/ ٤٦٢).
(٧) السنة للخلال (٥/ ٨٨)، والرد على الجهمية لابن بطة (٢/ ١٢١).
(٨) انظر على سبيل المثال: تاريخ الطبري (٧/ ٣٣٠)، والفصل لابن حزم (٤/ ٢٩٩)، ولسان الميزان لابن حجر (٢/ ٣٩٩).
[ ١ / ١٩٥ ]
بهذه الكنية، لأنه لما قتل صاح الناس: «قتل أبو محرز» (^١).
بلده ونسبته (^٢)
كان الجهم بن صفوان من الموالي، حيث ذكرت بعض المصادر أنه مولي لبني راسب، ولا يوجد خلاف في هذا (^٣). والأغلب في الولاء أنه ولاء عتق، وقد يكون ولاء إسلام
والراسبي: «بفتح الراء وسكون الألف وكسر السين المهملة وفي آخرها باء موحدة» (^٤)، إما نسبة إلى بني راسب، «وهي قبيلة نزلت البصرة … وراسب هو ابن ميدغان بن مالك بن نصر بن الأزد، بطن من الأزد» (^٥)، أو إلى راسب بن الخزرج بن جدة بن جرم بن ربان، رجل جاهلي، بنوه بطن من جرم من القحطانية. وهذا الثاني هو الذي رجحه ابن الأثير حيث قال: «ينسب إليه جهم بن صفوان رأس الجهمية» (^٦).
واختلف العلماء في بلده، فنسبه ابن حزم، والذهبي، وابن حجر وجماعة (^٧) إلى (سمرقند) (^٨).
وقال مقاتل بن سليمان، وأبو إسماعيل الهروي، وعبد القادر الجيلاني وفخر الدين الرازي، والمقريزي وغيرهم (^٩) أنه من (أهل ترمذ) (^١٠). كما نقل اللالكائي
_________________
(١) تاريخ الطبري (٧/ ٣٣٠).
(٢) المصدر كتاب مقالات الجهم بن صفوان وأثرها على الفرق الإسلامية ١/ ٧٠ - ٧٤
(٣) انظر: تاريخ الطبري، (٧/ ٣٣٠)، والفصل لابن حزم، (٤/ ٢٩٦)، وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث ووفيات سنة ١٢١ - ١٤٠، ص. ٦٥)، والبداية والنهاية لابن كثير، (٩/ ٤٣٩)، ولسان الميزان، لابن حجر (٢/ ٣٥٠)
(٤) اللباب في تهذيب الأنساب لابن الأثير (٢/ ٧).
(٥) اللباب في تهذيب الأنساب لابن الأثير (٢/ ٧).
(٦) اللباب في تهذيب الأنساب لابن الأثير (٢/ ٧).
(٧) انظر: الفصل، لابن حزم (٤/ ٢٩٦)، وميزان الاعتدال، للذهبي (١/ ٤٢٦)، ولسان الميزان، لابن حجر (٢/ ٣٤٩).
(٨) سمرقند: بلد معروف في بلاد ما رواء النهر، وتقع شمال مدينة (ترمذ). انظر: معجم البلدان، للحموي (٣/ ٦٦). ومدينة سمرقند تقع حالية في أوزبكستان.
(٩) الإبانة لابن بطة، كتاب الرد على الجهمية (٢/ ٨٧ - ٨٩)، وذم الكلام وأهله للهروي (٥/ ١٢٠)، والغنية للجيلاني (ص ١١٨)، واعتقاد فرق المسلمين والمشركين للرازي (ص ١٠٣)، والخطط للمقريزي (٢/ ٣٤٦).
(١٠) ترمذ: بكسر التاء على المشهور، وقيل بفتحها، وقيل بضمها، مدينة مشهورة راكبة على نهر جيحون من جانبه الشرقي. انظر: معجم البلدان، اللحموي (١/ ٤٤٠). وتقع حالية بين حدود أوزبكستان وأفغانستان.
[ ١ / ١٩٦ ]
من كتاب ابن أبي حاتم عن أبي معاذ خلف بن سليمان البلخي أنه قال: «كان جهم على معبر ترمذ (^١)، وذكر الصفدي أن بدعته ظهرت في ترمذ (^٢)
وهذا الذي جزم به شيخ الإسلام ابن تيمية أيضا حيث قال: «ثم ظهر جهم بن صفوان من ناحية المشرق، من ترمذ» (^٣).
وتردد ابن كثير في نسبته، فقال إنه (الخزري) (^٤)، وقيل: الترمذي (^٥). ولم أقف على من نسبه إلى (الخزر) غير ابن كثير (^٦).
ونسبه السمعاني (^٧) إلى مدينة بلخ (^٨)، كما نسب إلى الكوفة (^٩)، وإلى مرو (^١٠).
ونقل الخلال بسند فيه مجاهيل عن الإمام أحمد أنه قال: سمعت بعض ولد ساسان يقول: سمعت جهما يقول: «أنا من حران من قدار» (^١١).
ويلاحظ أن أكثر هذه المدن متقاربة بعضها من بعض، مثل: ترمذ، وسمرقند، وبلخ، فكلها في شمال شرقي خراسان.
يقول الباحث ياسر قاضي: "والذي يظهر أنه ولد في سمرقند، ثم انتقل إلى ترمذ، وذلك أن بعض المصادر ذكرت أنه نفي إلى ترمذ (^١٢)، والعادة أن الرجل لا ينفى إلى بلده، ثم إن أكثر المصادر نسبته إلى سمرقند.
_________________
(١) شرح أصول الاعتقاد (٣/ ٤٢٤).
(٢) الوافي بالوفيات (١١/ ١٩٠ - ١٩١).
(٣) مجموع فتاوى شيخ الإسلام (١٩/ ٣٠١).
(٤) الخزر: هو بلاد الترك خلف باب الأبواب، المعروف بالدربند، وهو اسم إقليم أيضا، كما هو اسم مملكة. انظر: معجم البلدان للحموي (٢/ ٢٣١). وهو يقع حاليا في وسط روسيا.
(٥) البداية والنهاية (٩/ ٤٠٥).
(٦) قال الدكتور ياسر قاضي: ربما وقع هنا خطأ مطبعي، وأراد أن يقول إنه (جزري) الأصل، فإذا كان هذا، فلعله التبس عليه أمر الجعد، فهو الذي كان جزري الأصل. انظر: ذم الكلام وأهله للهروي (٥/ ١٢٠).
(٧) انظر: الأنساب للسمعاني (١/ ٤٧٨).
(٨) بلخ: مدينة مشهورة بخراسان، بينها وبين ترمذ اثنا عشر فرسخا. انظر: معجم البلدان (١/ ٣٧٨). وتقع حالية في أفغانستان.
(٩) انظر: شرح أصول الاعتقاد للالكائي (٣/ ٤٣٤).
(١٠) انظر: الغنية للجيلاني (ص. ١١٨).
(١١) السنة للخلال (٥/ ٨٣).
(١٢) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (٩/ ٤٠٥).
[ ١ / ١٩٧ ]
فالجمع بين النسبين أن يقال: إنه من سمرقند، ولكن نشأ في ترمذ، لذلك ظهرت بدعته فيها كما صرح بذلك غير واحد من أهل العلم. " (^١)
نشأته (^٢):
لم تذكر كتب التاريخ معلومات عن نشأته، ولا عن أبويه أو طفولته ولكن بالاستقراء بعض المدن التي زارها.
فمما سبق علمنا أن له علاقة بمدينتي سمرقند وترمذ، بل ظهر أول أمره في ترمذ (^٣)، ونفي إليها (^٤).
وذكر عنه أنه أقام ببلخ مدة من الزمن، يصلي في مسجد مقاتل بن سليمان ويتناظر معه (^٥)، وأنه زار الكوفة ولقي شيخه الجعد أول ما لقيه هناك (^٦). كما نعلم من سيرته مع الحارث بن سريج أنه ذهب إلى مرو (^٧)، حيث قتل هناك.
ولم أجد من نص على تاريخ بدء دعوته، ولكن ذكر شيخ الإسلام أن «ظهور جهم (كان) بخراسان في خلافة هشام بن عبد الملك» (^٨)، يعني بين سنة ١٠٥ - ١٢٠
علمه (^٩)
عاش الجهم بن صفوان في وقت مبكر في تاريخ الإسلام، حيث كان التابعون والعلماء متوافرين، ولكنه أعرض عن العلم تماما، وآثر علم الكلام والفلسفة على علم الكتاب والسنة.
وقد شهد غير واحد من أهل العلم على جهله، وعلى أنه لم يجالس العلماء قط، فقال عبد العزيز بن أبي سلمة: «إن كلام جهم صفة بلا معني، وبناء بلا أساس، ولم يعد قط من أهل العلم. ولقد سئل جهم عن رجل طلق امرأته قبل أن يدخل بها، فقال: عليها العدة. فخالف كتاب الله بجهله، وقال سبحانه: (ثم طلقتموهن من
_________________
(١) مقالات الجهم بن صفوان ١/ ٧٢ - ٧٣.
(٢) المصدر كتاب مقالات الجهم بن صفوان وأثرها على الفرق الإسلامية ١/ ٧٦ - ٨٢.
(٣) الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٧٣)، والوافي بالوفيات للصفدي (١١/ ١٩١ - ١٩٠).
(٤) البداية والنهاية لابن كثير (٩/ ٤٠٥).
(٥) نفس المصدر (٩/ ٤٠٥).
(٦) نفس المصدر (٩/ ٤٠٥).
(٧) مرو: وتعرف بمرو الشاهجان، أشهر مدن خراسان وقصبتها، يتخللها أنهار كثيرة. انظر: معجم البلدان للحموي (٤/ ٢٠٣). وتقع حاليا في تركمنستان.
(٨) مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٠/ ٣٠٢).
(٩) المصدر: كتاب مقالات الجهم بن صفوان ١/ ٩٥
[ ١ / ١٩٨ ]
قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ٤ [الأحزاب: ٤٩]. (^١)
وقال أيوب بن أبي تميمة: «كان جهم فيما بلغنا لا يعرف بفقه ولا ورع ولا صلاح، أعطي لسانا منكرًا فكان يجادل ويقول برأيه» (^٢).
وقال مقاتل بن سليمان: «إن جهما والله ما حج هذا البيت قط ولا جالس العلماء، وإنما كان رجلا أعطى لساناُ» (^٣).
وقال الذهبي، ونقله عنه الحافظ ابن حجر: «وما علمته روي شيئًا» (^٤).
ولم يكن الجهم معرضا عن علم الوحي فحسب، بل كان مقبلا على علم الكلام، ناظرًا فيه، داعية إليه. ذكر ابن أبي حاتم عن أبي معاذ خلف بن سليمان البلخي أنه قال: «كان جهم على معبر ترمذ، وكان رجلا كوفي الأصل، فصيح اللسان، لم يكن له علم ولا مجالسة الأهل العلم. كان تكلم كلام المتكلمين …» (^٥).
وقال الإمام أحمد عنه: «وكان صاحب خصومات وكلام» (^٦).
ويكفي للدلالة على موقفه من العلم موقفه من كتاب الله ﷿، فقد قال أبو نعيم البلخي: «كان رجل من أهل مرو صديقًا لجهم (وفي رواية: وكان خاصًا به)، ثم قطعه وجفاه (وفي رواية: ثم تركهـ وجعل يهتف بكفره)، فقيل له: لم جفوته؟ فقال: جاء منه ما لا يحتمل، قرأت عليه يومًا آية كذا وكذا نسيها الراوي -فقال: ما كان أظرف محمدًا (وفي رواية زيادة: حين قالها)، فاحتملتها. ثم قرأ سورة طه فلما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، قال: أما والله لو وجدت سبيلا إلى حكها، لحككتها من المصحف، فاحتملتها. ثم قرأ القصص، فلما انتهى إلى ذكر موسى قال: ما هذا؟ ذكر قصة في موضع فلم يتمها، ثم ذكر ههنا فلم يتمها، ثم رمى بالمصحف من حجره برجليه، فوثب عليه».
وفي رواية: «جمع يديه ورجليه ثم دفع المصحف، ثم قال: أي شيء هذا؟ ذكره هاهنا فلم يتم ذكره، وذكره ثم فلم يتم ذكره».
_________________
(١) خلق أفعال العباد للبخاري (ص ١١).
(٢) ذكره شيخ الإسلام في التسعينية (١/ ٢٤٠).
(٣) السنة للخلال (٥/ ٨٥)، ومسائل الإمام أحمد لأبي داود (ص ٢٦٩)، وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي (١٣/ ١٦١)، وتاريخ دمشق لابن عساكر. (٦٠/ ١٢٠).
(٤) ميزان الاعتدال (١/ ٤٢٦)، و: لسان الميزان (٢/ ٣٤٩).
(٥) شرح أصول الاعتقاد للالكائي (٣/ ٤٢٤).
(٦) الرد على الجهمية (ص ١٠٢).
[ ١ / ١٩٩ ]
وفي رواية ثالثة: «دفع المصحف بيديه جميعا من حجره، فرمي به أبعد ما يقدر عليه، ودفعه برجله» (^١).
ولأجل هذه الأفعال القبيحة وغيرها، نسبه أهل العلم إلى الكفر والزندقة.
ومع هذا الجهل المركب، كتب جهم كتابا في بيان عقيدته والرد على مقاتل بن سليمان، فذكر ابن عساكر أن مقاتل بن سليمان كان يقص في جامع مرو، فقدم عليه جهم وجلس إليه، ثم وقعت العصبية بينهما، فوضع كل واحد منهما على الآخر كتابا ينقض على صاحبه (^٢).
كما ذكرت بعض المصادر أنه ألف كتابا في نفي الصفات -ولعله هو الكتاب نفسه في الرد على مقاتل، أو كتاب آخر (^٣).
كما ذكر عبد الله بن أحمد أثرا فيه إشارة إلى أن الجهم كان يؤلف في خراسان ويرسل كتاباته إلى الآخرين يدعو إلى مقالاته (^٤).
وقد كتب بعض أتباعه كلامه كذلك، فقال الإمام أحمد: «كتب إلي ذاك المغازلي بكتاب فيه كلام جهم (^٥).
وذكر في ترجمة إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى أنه كان قدرية جهمية، وأنه أعطى نعيم بن حماد كتابا فيه رأي جهم، فدفع إليه كتاب جهم، فمزقه نعيم وطرحه (^٦).
وكان الجهم يقف في المساجد ويدعو الناس إلى قوله في التعطيل، فروي عن مكي بن إبراهيم أنه قال: «رأيته في مسجد بلخ، يقول بتعطيل الله عن عرشه وأن العرش منه خال» (^٧).
وقيل: إن واصل بن عطاء أرسل حفص بن سالم إلى ترمذ لمناظرة جهم بن صفوان، فناظره «فقطعه، فرجع إلى قول أهل الحق يقصد المعتزلة، فلما عاد
_________________
(١) خلق أفعال العباد للبخاري (ص ٢٠)، والرواية الثانية في الرد على الجهمية لابن بطة (٢/ ٩٢). قال الألباني في مختصر العلو (ص ١٩٢) وسنده صحيح.
(٢) تاريخ دمشق (٦٠/ ١٢٠)، ويغلب على الظن أن كتابه هذا كان في الصفات، حيث خالفه مقاتل في هذه المسألة.
(٣) الغنية للجيلاني (ص ١١٨).
(٤) انظر: كتاب السنة (١/ ١٨٣).
(٥) السنة للخلال (٥/ ١٤٥).
(٦) انظر: الكامل لابن عدي (١/ ٢٢١)، وفي التهذيب لابن حجر أن إبراهيم هذا توفي سنة ١٨٤ هـ (تهذيب التهذيب، ١/ ٨٤).
(٧) تاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة ١٢١ - ١٤٠ هـ، ص ٦٧).
[ ١ / ٢٠٠ ]
حفص إلى البصرة، رجع جهم إلى قول الباطل» (^١).
وقد ثبت أن الجهم خالف أهل السنة في مسائل كثيرة، أوصلها الإمام أحمد إلى سبعين مسألة. نقل الخلال عن إسحاق بن عيسى البار أنه قال: «قدم علينا رجل من صور، معرف بالصوري، متكلم، حسن الهيئة كأنه راهب، فأعجبنا أمره، ثم إنما لقي سائل فجعل يقول لنا: الإيمان مخلوق، والزكاة مخلوق، والحج مخلوق، والجهاد مخلوق. فجعلنا لا ندري ما نرد عليه، فأتينا عبد الواهب الوراق، فقصصنا عليه أمره، فقال: ما أدري ما هذا؟ ائتوا أبا عبد الله أحمد بن حنبل، فإنه جهبذ هذا الأمر.
قال: فأتينا أبا عبد الله، فأخبرناه بما أخبرنا عبد الوهاب من المسائل التي ألقاها علينا. فقال لنا أبو عبد الله: «هذه مسائل الجهم بن صفوان، وهي سبعون مسألة، اذهبوا فاطردوا هذا من عندكم (^٢).
إذا ثبت أن الجهم ابتدع أقوالا كثيرة، ولكن الذي وصلنا منه أقل من هذا بكثير، ولله تعالى حكم بالغة في ذلك، والله أعلى وأعلم.
ومما نعرف عنه أنه كان رجلا فصيحًا، فعن مقاتل أنه قال في الجهم: إنما كان رجلا أعطي لسانا (^٣).
ونقل اللالكائي عن كتاب ابن أبي حاتم عن أبي معاذ خلف بن سليمان البلخي أنه قال: «كان جهم على معبر ترمذ، وكان رجلا كوفي الأصل، فصيح اللسان» (^٤).
وقال أيوب بن أبي تميمة: «كان جهم فيما بلغنا لا يعرف بفقه ولا ورع ولا صلاح، أعطي لسانا منكرًا فكان يجادل ويقول برأيه» (^٥).
ووصفه غير واحد من أهل العلم بأنه كان ذا أدب ونظر وذكاء وفكر وجدال ومراء (^٦).
_________________
(١) فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة للقاضي عبد الجبار (ص ١٩٣)، والمنية والأمل لابن المرتضى (ص ١٩).
(٢) انظر: السنة (٥/ ٩٣)
(٣) الرد على الجهمية لابن بطة (٢/ ٩٠)، ومسائل أحمد لأبي دواد (ص ٢٦٩).
(٤) شرح أصول الاعتقاد (٣/ ٤٢٤).
(٥) ذكره شيخ الإسلام في التسعينية (١/ ٢٤٠).
(٦) الوافي بالوفيات للصفدي (١١/ ١٦٠ - ١٦١)، وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة ١٢١ - ١٤٠ هـ، ص ٦٦).
[ ١ / ٢٠١ ]
وهذا النوع من دعاة الضلال وصفهم شيخ الإسلام في هذه الفتوى بقوله: " أوتوا ذكاء وما أوتوا زكاءً، وأعطوا فهومًا وما أعطوا علومًا، وأعطوا سمعًا وأبصارًا وأفئدة ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ الله وَحَاقَ بِهِمْ مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون﴾ [الأحقاف: ٢٦].
هذا، وقد ذكرت بعض المصادر أن جهما كانت له زوجة تدعو إلى القول بخلق القرآن، اسمها زهرة، كما ترك ولدًا نهج نهجه وكان من الدعاة إلى خلق القرآن، وهو محمد بن الجهم بن صفوان.
قال أبو إسماعيل الهروي: إن جهما كان يدعو إليه (يعني القول بخلق القرآن) الرجال، وامرأته زهرة تدعو إليه النساء، حتى استهويا خلقا من خلق الله كثيرًا» (^١).
وعن مكي بن إبراهيم أنه قال: «دخلت امرأة جهم على امرأتي أم إبراهيم - وكانت امرأة ديدانية تبدو أسنانها - فقالت: يا أم إبراهيم! إن زوجك هذا الذي يحدث عن العرش، العرش، من نجره؟ فقالت لها: نجره الذي نجر أسنانك هذه!! (^٢).
وعن الأصمعي أنه قال: «قدمت امرأة جهم، فقال رجل عندها: الله على عرشه، فقالت: محدود على محدود». فقال الأصمعي: «هي كافرة بهذه المقالة» (^٣).
وكان لابنه محمد منصب عند الخليفة العباسي المأمون، فذكر الكناني: «وكان الناس في ذلك الزمان في أمر عظيم، ومنع الفقهاء والمحدثون والمذكرون والدعاؤون من القعود في الجامعين ببغداد، وفي غيرهما من سائر المواضع، إلا بشرًا المريسي، ومحمد بن الجهم بن صفوان (وفي نسخة زيادة: الذي به تعرف الجهمية)، ومن كان موافقة لهما على مذهبهما، فإنهم كانوا يقعدون ويجتمع الناس إليهم، فيعلمونهم الكفر والضلال» (^٤) وكان محمد هذا يحضر مجالس المأمون ويدعو إلى بدعته، ويناظر من حضر مجالس المأمون من علماء أهل السنة؟ (^٥)
وقد ذكر هذا الرجل في بعض المصادر الأخرى (^٦).
_________________
(١) ذم الكلام وأهله (٥/ ١٢٠).
(٢) الرد على الجهمية لابن بطة (٣/ ١٨٩).
(٣) مختصر العلو للذهبي، اختصار الألباني (ص ١٧٠، أثر ١٨٩).
(٤) كتاب الحيدة (ص ٤).
(٥) انظر: نفس المصدر (ص ٥، و٣٦، و١٢٣).
(٦) انطر: تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة (ص ٤٥، وص ٥٠)، حيث قال عنه: «ثم نصير إلى محمد بن الجهم البرمكي، فنجد مصحفه كتب أرستطاطاليس، في الكون والفساد والكيان، وحدود المنطق بها، يقطع دهره ولا يصوم شهر رمضان لأنه -فيما ذكر-لا يقدر على الصوم …».
[ ١ / ٢٠٢ ]
وكان أتباعه في حياته محدودين، فقد ذكر ابن كلاب في كتابه الصفات أنه لم يكن للجهم سوى خمسين أتباعه، وقيل: بل رجلان فقط) (^١).
شيخه وسلسلة إسناد مقالاته (^٢)
اشتهر بين العلماء أن الجهم كان تلميذا للجعد بن درهم، ومن خاصته بحيث لم يشتهر بين تلاميذ الجعد سواه.
قال البخاري: «قال قتيبة بن سعيد: بلغني أن جهمًا كان يأخذ الكلام من الجعد بن درهم» (^٣)، فالجعد إذا هو الشيخ الأساسي للجهم بن صفوان.
وذكر بعض المؤرخين أن الجهم لقي الجعد في الكوفة، بعد ما هرب الجعد من بني أمية، حيث نص ابن كثير أن الجعد «أقام بدمشق حتى أظهر القول بخلق القرآن، فطلبته بنو أمية فهرب منهم فسكن الكوفة، فلقيه فيها الجهم بن صفوان فتقلد هذا القول منه» (^٤).
يقول شيخ الإسلام: «فإن جهما أول من ظهرت عنه بدعة نفي الأسماء والصفات، وبالغ في نفي ذلك، فله في هذه البدعة مزية المبالغة في النفي والابتداء بكثرة إظهار ذلك والدعوة إليه، وإن كان الجعد بن درهم قد سبقه إلى بعض ذلك» (^٥).
وبين شيخ الإسلام أن «… أصل قولهم هذا مأخوذ من المشركين والصابئة من البراهمة والمتفلسفة ومبتدعة أهل الكتاب الذين يزعمون أن الرب ليس له صفة ثبوتية أصلًا» (^٦).
وذكر في موضع آخر أن إسناد جهم في مقالاته متلقي من الصابئة الفلاسفة، والمشركين البراهمة، واليهود السحرة (^٧).
_________________
(١) نقله من كتاب ابن فورك شيخ الإسلام في درء التعارض (٦/ ١٩٤)، بينما في مجموع الفتاوي (٥/ ٣٢٠) قيل إنهما رجلان فقط.
(٢) المصدر: كتاب مقالات الجهم بن صفوان وأثرها على الفرق الإسلامية ١/ ٧٦ - ٨٢
(٣) خلق أفعال العباد للبخاري (ص ٨)، وذكره كذلك السمعاني في الأنساب (١/ ٤٦٨).
(٤) البداية والنهاية (٩/ ٤٠٥).
(٥) مجموع فتاوى شيخ الإسلام (١٢/ ١١٩).
(٦) مجموع فتاوى ابن تيمية (١٠/ ٩٧).
(٧) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٦/ ٥١).
[ ١ / ٢٠٣ ]
مقتله (^١)
تاريخ قتله: قتل الجهم بن صفوان، يوم الثلاثاء، التاسع عشر من شهر جمادى الآخرة، سنة ثمان وعشرين ومائة من الهجرة. ويؤخذ يوم وتاريخ قتله من الأحداث التي صاحبت القتال الذي حصل بين الحارث بن سريج ونصر ابن سيار، فنعلم أن القتال بدأ يوم الاثنين، ٢٨ جمادى الآخرة، ١٢٨ هـ (^٢)، واستمر القتال إلى اليوم الثاني، حيث انهزم فريق الحارث، ودخل سلم معسكره، وأسر الجهم وقتله في ذلك اليوم.
مكان قتله: قتل بخراسان، خارج سور مدينة مرو، على شط نهر بلخ. لأن معسكر الحارث كان خارج سور مدينة مرو، ولما انهزم الحارث، دخل سلم معسكره وأسر فيه الجهم بن صفوان، ثم قتله سلم على شط النهر (^٣).
من قتله وتفاصيل القتل: فالذي قتله هو عبد ربه بن سيسن، غلام سلم بن أحوز، والي الشرطة لنصر بن سيار، بأمر من سلم، بعد أن رفض قبول الأمان الذي أخذه الجهم من ابنه. والقتل كان بضرب عنق الجهم بالسيف.
فقد فذكر الطبري أنه لما أسر الجهم بن صفوان، قال جهم لسلم: «إن لي ولثا (^٤) من ابنك حارث»، فقال له سلم: «ما كان ينبغي له أن يفعل، ولو فعل ما آمنتك، ولو ملأت هذه الملاءة كواكب، وأبرأك إلي عيسي بن مريم ما نجوت، والله لو كنت في بطني لشققت بطني حتى أقتلك، والله لا يقوم علينا مع اليمانية أكثر مما قمت»، وأمر غلامه عبد ربه بن سيسن فقتله (^٥).
ولا ينافي هذا أن كثيرا من العلماء ذكروا أن سلم هو الذي قتله (^٦)» وذلك لأن سلم أمر بقتله، وقتله غلامه، فجاز نسبة الفعل إليه.
_________________
(١) المصدر: كتاب مقالات الجهم بن صفوان (١/ ١٠٩ - ١١٥)
(٢) ذكر هذا التاريخ الطبري في تاريخه (٧/ ٣٣٣)، وابن الأثير في الكامل. (٤/ ٣٤٨).
(٣) تاريخ الطبري (٧/ ٣٣٥)، وكذلك نقل الزركلي من كتاب (الحور العين) أن الجهم قتل في مرو على شط نهر بلخ (انظر: الأعلام، ٢/ ١٤١). وذكر المكان أيضا اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (١/ ٣٤٤)، والأشعري في مقالات الإسلاميين (ص ٢٨٠)، والشهرستاني في الملل والنحل (١/ ٧٣).
(٤) الولث: العهد بين القوم، يقع من غير قصد، ويكون غير مؤكد، أو: الوعد الضعيف. انظر: المعجم الوسيط (٢/ ١٠٥٥).
(٥) تاريخ الطبري (٧/ ٣٣٠).
(٦) منهم: البخاري في خلق أفعال العباد (ص ٢٢)، والأشعري في مقالات الإسلاميين (ص ٢٨٠)، ويزيد بن هارون، كما في كتاب السنة لعبد الله بن أحمد (ص ١٩٧)، وشرح أصول الاعتقاد للالكائي (٣/ ٤٢١)، والبغدادي في الفرق بين الفرق (ص. ١٩٥)، وابن حزم في الفصل (٤/ ٢٩٦)، والشهرستاني في الملل والنحل (١/ ٧٣)، وابن الأثير في اللباب في تهذيب الأنساب (١/ ٣١٧) والذهبي في السير (٦/ ٢٧).
[ ١ / ٢٠٤ ]
ووصف لنا بكير بن معروف ما حصل للجهم حين قتل، فقال: «رأيت سلم بن أحوز حين ضرب عنق الجهم فاسود وجهه -أي وجه جهم (^١)، وهذا الأثر يبين طريقة قتله.
سبب قتله:
أكد العلماء (^٢) بأنه قتل من أجل مقالاته وأفعاله الدينية المنحرفة. وهناك بعض الآثار تؤيد هذا القول، فعن يزيد بن هارون أنه قال: «لعن الله الجهم ومن قال بقوله، كان كافرًا جاحدًا ترك الصلاة أربعين يوما يزعم أنه يرتاد دينا، وذلك أنه شك في الإسلام. قال يزيد: قتله سلم بن أحوز على هذا القول (^٣).
ونقل ابن حجر من كتاب ابن أبي حاتم من طريق محمد بن صالح مولي بني هاشم قال: «قال سلم حيث أخذه، يا جهم! إني لست أقتلك لأنك قاتلتني، أنت عندي أحقر من ذلك. ولكني سمعتك تتكلم بكلام أعطيت الله عهدا أن لا أملكك إلا قتلتك، فقتله».
ومن طريق معتمر بن سليمان عن خلاد الطفواي: «بلغ سلم بن أحوز وكان على شرطة خراسان أن جهم بن صفوان ينكر أن الله كلم موسي تكليمًا، فقتله» (^٤).
وروى أحمد بن حنبل عن علي بن عاصم أنه قال: «ذهبت إلى محمد بن سوقة، فقال: ههنا رجل قد بلغني أنه لم يصل، فمررت معه إليه، فقال: يا جهم، ما هذا؟ بلغني أنك لا تصلي. قال: نعم. قال: مذ كم؟ قال: من تسعة وثلاثين يوما، واليوم أربعين. قال: فلم لا تصلي؟ قال: حتى يتبين لي لمن أصلي. قال: فجهد به ابن
_________________
(١) شرح أصول الاعتقاد للالكائي (٣/ ٤٢٤).
(٢) مال إلى هذا القول الذهبي، حيث قال: قيل إن سلم بن أحوز قتل الجهم لإنكاره أن الله كلم موسي، (السير ٦/ ٢٧)، وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: «والداعي إلى البدعة مستحق العقوبة باتفاق المسلمين، وعقوبته تكون تارة بالقتل وتارة بما دونه، كما قتل السلف جهم بن صفوان والجعد بن درهم وغيلان القدري وغيرهم …» (مجموع الفتاوي ٣٥/ ٤١٤).
(٣) كتاب السنة للخلال (ص ١٦٧)، وشرح أصول الاعتقاد للالكائي. (٣/ ٤٢١).
(٤) هذان الأثران ذكرهما الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١٣/ ٣٠٨)، ولم أجدهما مسندين في المصادر التي راجعتها. ومن المعلوم أن كتاب ابن أبي حاتم في عداد المفقود.
[ ١ / ٢٠٥ ]
سوقة أن يرجع، أو أن يتوب، أو يقلع، فلم يفعل. فذهب إلى الوالي، فأخذه فضرب عنقه وصلبه» (^١).
وقد جاء من المتأخرين من رأى أن قتله كان لأسباب سياسية فحسب (^٢)، ونص كثير منهم على قول سلم له حين قتله: «لا تقوم علينا مع اليمانية أكثر مما قمت»، ويرون أن هذا صريح في أن سبب قتله أمر سياسي. حيث ورد هذا السبب في عدد من الروايات قال الحافظ ابن حجر: «وكان قتل جهم بن صفوان سنة ثمان وعشرين، وسببه أنه كان يقص في عسكر الحارث بن سريج، الخارج على أمراء خراسان، فقبض عليه نصر بن سيار، فقال له: استبقني. فقال: لو ملأت هذا الملأ كواكب، وأنزلت إلي عيسي ابن مريم، ما نجوتك. والله لوكنت في بطني لشققت بطني حتى أقتلك، ولا تقوم علينا مع اليمانية أكثر مما قمت، وأمر بقتله (^٣).
والذي يترجح أن التعبير بمقولة أسباب سياسة هي مقولة محدثة نقلها بعض المتأخرين من كلام بعض المستشرقين فمما وقفت عليه أن المستشرق "شارل بلاذا" في كتابه "الجاحظ" حيث قال عن مقتل الجعد بن درهم: (وقد تكون هناك أسباب سياسية أو عداء شخصي بين هشام والجعد لا تشير إليه المصادر، وجعلت هشام بن عبد الملك يأمر بقتل الجعد) وكذلك علي سامي النشار حيث قال: (لا نستطيع أن نصدق أن قتله -أي الجعد-كان لآرائه الفكرية، بل يبدو أنه لسبب سياسي) وهذا التشكيك لا مستند له إلا التخرصات والأوهام ولذلك لم يستطع أحد منهما أن يبرهن لذلك ويدلل عليه.
وجمال الدين القاسمي في كتابه تاريخ الجهمية والمعتزلة حيث قال: " ومن تأمل ما قص يعلم أن قتل جهم إنما كان الأمر سياسي لا ديني، وقد صرح بذلك سلم (رئيس شرطة نصر) قاتله بقوله: والله لا يقوم علينا من اليمانية أكثر مما قمت فتفطن
_________________
(١) تاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة ١٢١ - ١٤ خ هـ، ص ٦٧).
(٢) منهم الشيخ جمال الدين القاسمي ﵀-في كتابه (تاريخ الجهمية والمعتزلة، ص ١٦). وينبه أن الشيخ، مع جلالته وعلمه، وقع في أخطاء فاحشة في هذا الكتاب، حيث وصف جهما بأنه كان «داعية للكتاب والسنة، ناقمًا على من انحرف عنهما، مجتهدًا في أبواب من مسائل الصفات … (ص ١٨)»، وعلى كل حال، فكل يؤخذ من قوله ويرد إلا محمد ﷺ، ولعله كان يرى هذا الرأي في المرحلة الأولى من حياته حيث كان -كما صرح بنفسه -أشعري المعتقد، ثم انتسب إلى أهل السنة.
(٣) لسان الميزان لابن حجر (٢/ ٣٠٠).
[ ١ / ٢٠٦ ]
ولا تكن أسير التقليد" (^١).
ولا شك أن هذا لا يمكن اعتباره مستندًا فاصلًا في هذه المسألة، لأن من كان على جهاز الشرطة قد يكون كلامه نابعًا مما يعيشه من صورة الأمر فقد يعبر عن الأسباب من عدة جوانب، ولو أنصف القاسمي لأورد الروايات الأخرى التي تؤكد أنه ورد في سياق حواره أنه قتله لمقالته في التعطيل فقد قال سلم حيث أخذه، يا جهم! إني لست أقتلك لأنك قاتلتني، أنت عندي أحقر من ذلك. ولكني سمعتك تتكلم بكلام أعطيت الله عهدا أن لا أملكك إلا قتلتك، فقتله».
ومن طريق معتمر بن سليمان عن خلاد الطفواي: «بلغ سلم بن أحوز وكان على شرطة خراسان أن جهم بن صفوان ينكر أن الله كلم موسي تكليمًا، فقتله» (^٢).
وعلى هذا فقتل الجهم اجتمعت فيه عدة عوامل، ذلك لأن الجهم خرج على جماعة المسلمين، وقاتل ولاة الأمر، فارتكب جريمة تستحق القتال، علاوة على أن الجهم لم يكن مجهولا لدى بني أمية. فكان قد طلبه بنو أمية قبل قتله بسنوات الأجل مقالاته.
فقد نقل اللالكائي عن عبيد بن هاشم أنه قال: «أول من قال القرآن مخلوق: جهم، فأرسلت إليه بنو أمية، فطلبته -يعني قتلته-فطفي الأمر … (^٣). وثقل أيضا عن هارون بن معروف أنه قال: «كتب هشام بن عبد الملك -أو بعض ملوك بني أمية -إلى سلم بن أحوز أن يقتل جهما حيثما لقيه، فقتله سلم بن أحوز وكان والي مرو (^٤).
ونقل عن صالح بن أبي عبد الله أنه قال: «قرأت في دواوين هشام بن عبد الملك إلى عامله بخراسان نصر بن سيار: أما بعد، فقد نجم (^٥) قبلك رجل من الدهرية من الزنادقة يقال له جهم بن صفوان. فإن أنت ظفرت به فاقتله وإلا فادسس إليه من الرجال غيلة ليقتلوه» (^٦).
وقال أبو إسماعيل الهروي: «وأما الجعد بن درهم، فضحي به خالد بن عبد الله
_________________
(١) تاريخ الجهمية والمعتزلة ص ١٦ - ١٧.
(٢) هذان الأثران ذكرهما الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١٣/ ٣٠٨)، ولم أجدهما مسندين في المصادر التي راجعتها. ومن المعلوم أن كتاب ابن أبي حاتم في عداد المفقود.
(٣) شرح أصول الاعتقاد (٣/ ٤٢٢).
(٤) نفس المصدر (٣/ ٤٢٤).
(٥) نجم: طلع وظهر. انظر: المعجم الوسيط (٢/ ٩٠٤).
(٦) شرح أصول الاعتقاد للالكائي (٣/ ٤٢٤).
[ ١ / ٢٠٧ ]
القسري على رؤوس الخلائق، وما له يومئذ نكير، وذلك سنة نيف وعشرين ومئة. وأما الجهم، فكان بمرو، فكتب هشام بن عبد الملك إلى واليه على خراسان نصر بن سيار يأمره بقتله، فكتب إلى سلم بن أحوز وكان على مرو، فضرب عنقه بين نظارة أهل العلم وهم يحمدون ذلك (^١).
وقد قال بعض الباحثين المعاصرين بالجمع بين السببين، قال د. يوسف الوابل: «لا يمنع أن يكون قتله لأمر سياسي، وإن كان قد أمر الخليفة هشام بن عبد الملك بقتله قبل ذلك الأمر ديني، وهو اشتهر عنه من شكهـ وتركه الصلاة أربعين يوما … فكان ذلك سببًا قويًا في أن يأمر الخليفة هشام بن عبد الملك عامله على خراسان نصر بن سيار أن يقتله، ولكنه لم يظفر به إلا حينما خرج مع الحارث بن سريج، فعند ذلك أمر بقتله» (^٢) وبناء على ما سبق، يرى فريق أنه نستطيع أن نجمع بين السبين، حيث لا منافاة بينهما، ونقول: إن بني أمية أمروا نصر بن سيار بقتله، فكتب نصر إلى والي شرطه سلم بن أحوز بذلك، ولكنه لم يستطع العثور عليه إلا بعد هزيمة الحارث بن سريج، فقتل من أجل مقالاته ومن أجل خروجه مع الحارث بن سريج. ومما يقوي هذا الأمر أنه لم يذكر أن سلمة قتل أسيرًا غيره، حيث نص المؤرخون على أن سلمة أسر أناسًا كثيرين من جيش الحارث، وقتل جهم. فربما قصده من بين سائر الأسارى لأجل الحكم السابق من خلفاء بني أمية.
هذا، وقد قيل إن جهما تاب قبل موته، فروى أبوداود وغيره عن أحمد بن حفص بن عبد الله، قال حدثني أبي، قال إبراهيم بن طهمان: حدثنا من لا يتهم-غير واحد-أن جهما رجع عن قوله ونزع عنه، وتاب إلى الله منه، فما ذكرته ولا ذكر عندي إلا دعوت الله عليه! ما أعظم ما أورث أهل القبلة من منطقه هذا العظيم!» (^٣).
وهذا الإسناد صحيح إلى إبراهيم بن طهمان، ولكنه منقطع لأنه توفي سنة ١٦٨ هـ (^٤)، ولم يسم لنا شيوخه، ثم هو مخالف لجميع ما وصل إلينا من الأخبار عنه، فالله أعلم.
_________________
(١) ذم الكلام وأهله (٥/ ١٢٢).
(٢) انظر: مقدمته الكتاب الإبانة، الرد على الجهمية لابن بطة (١/ ٦٩).
(٣) مسائل أحمد لأبي داود (ص ٢٦٩)، والرد على الجهمية لابن بطة. (٢/ ٩١).
(٤) انظر: تهذيب التهذيب لابن حجر (١/ ٧٨)، وقد ذكر بعض الروايات الأخرى في تاريخ وفاته كلها متقاربة.
[ ١ / ٢٠٨ ]
بدع الجهم
إن جهم بن صفوان -كغيره من أهل البدع -لم يعط الكتاب والسنة حقهما، بل استدل بآيات متشابهات، وأول القرآن على غير تأويله (^١)، وحرفه عن مواضعه.
ولا غرو في ذلك، فإنه كان يزعم أن القرآن مخلوق، وهو قول يتوصل به إلى إنكار الوحي، والحط من علو مرتبة القرآن وهيبته في النفس".
لذا بني مقالته في الصفات على آيات ثلاث فقط، وأهمل الآلاف من الآيات المحكمات، وأول هذه الآيات المتشابهات على غير تأويلها. يقول الإمام أحمد عنه أنه «وجد ثلاث آيات في كتاب الله ﷿ من المتشابه، قوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشوري: ١١]، وقوله: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ)» [الأنعام: ٣]، وقوله تعالى: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ) [الأنعام: ١٠٣). فبنى أصل كلامه على هذه الثلاث الآيات، ووضع دين الجهمية، … وتأول كتاب الله على غير تأويله» (^٢).
ويكفي للدلالة على موقفه من الكتاب العزيز ما رواه غير واحد من علماء السلف بأسانيدهم عن أبي نعيم البلخي أنه قال: «كان رجل من أهل مرو صديقًا لجهم (وفي رواية: وكأن خاض به)، ثم قطعه وجفاه (وفي رواية: ثم تركهـ وجعل يهتف بكفره)، فقيل له: لم جفوته؟
فقال: جاء منه ما لا يحتمل، قرأت عليه يوما آية كذا وكذا -نسيها الراوي -فقال: ما كان أظرف محمدا (وفي رواية زيادة: حين قالها)، فاحتملتها.
ثم قرأ سورة طه فلما قال: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه: ٥]، قال: أما والله لو وجدت سبيلا إلى حكها، لحككتها من المصحف، فاحتملتها.
ثم قرأ القصص، فلما انتهى إلى ذكر موسى قال: ما هذا؟ ذكر قصة في موضع فلم يتمها، ثم ذكرها ههنا فلم يتمها، ثم رمى بالمصحف من حجره برجليه، فوثب عليه.
وفي رواية: «جمع يديه ورجليه ثم دفع المصحف، ثم قال: أي شيء هذا؟ ذكره ها هنا فلم يتم ذكره، وذكره ثم فلم يتم ذكره».
وفي رواية ثالثة: «دفع المصحف بيديه جميعا من حجره، فرمي به أبعد ما يقدر
_________________
(١) انظر كلام الإمام أحمد هذا في رده على الجهمية (ص ١٠٨).
(٢) الرد على الجهمية (ص ١٠٢ - ١٠٨)، ورواه ابن بطة في الإبانة، كتاب الرد على الجهمية (٢/ ٨٧ - ٨٩)، مع اختلاف يسير في بعض ألفاظه.
[ ١ / ٢٠٩ ]
عليه، ودفعه برجله» (^١).
بل تجاسر على القول بأن القرآن غير محفوظ.
فعن زر بن صالح السدوسي أنه قال: «لقيت جهما فقلت: هل نطق الرب؟
قال: لا.
قلت: فينطق؟
قال: لا.
فقلت: فمن يقول (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ)، ومن يرد عليه و(لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) [غافر: ١٦]؟
فقال: لا أدري، زادوا في هذا القرآن ونقصوا» (^٢).
فالقرآن عنده كلام مخلوق مبدل محرف، فما عسى يكون قيمته عنده حينئذ؟
وإذا كان هذا موقفه من كلام رب البرية، هل يحتاج بعد ذلك لبيان موقفه من كلام أصدق البشرية ورسول رب الأرض والسموات؟
ولقد نص الإمام أحمد على أن الجهم … كذب بأحاديث رسول الله ﷺ (^٣). ولما بلغ الإمام أحمد قول أحدهم: «لو ترك أصحاب الحديث عشرة أحاديث -يعني التي في الرؤية»، قال أحمد: «كأنه نزع إلى رأي جهم (^٤)، وفيه إشارة إلى أن الجهم كان ينكر الأحاديث.
ولم يعرف عنه استشهاد واحد منه بحديث رسول الله -صحيح أو ضعيف أو موضوع -للمقالات التي ذهب إليها.
ويدل على جهله المركب شهادة علماء الحديث فيه، فقد سئل جهم عن رجل طلق امرأته قبل أن يدخل بها، فقال: عليها العدة (^٥)، وهذا جهل واضح بكتاب الله تعالى إذ يقول سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا) [الأحزاب: ٤٩].
_________________
(١) خلق أفعال العباد للبخاري (ص ٢٠)، والرد على الجهمية لابن بطة (٢/ ٩٢)، والسنة لعبد الله بن أحمد (١/ ١٩٧). قال الألباني في مختصر العلو (ص ١٩٢): وسنده صحيح، وقد سبق ذكره.
(٢) ذم الكلام وأهله، للهروي (٥/ ١٢٧، أثر ١٤٥٣)، وذكره شيخ الإسلام في التسعينية (١/ ٢٤١).
(٣) الرد على الجهمية والزنادقة (ص ١٠٤).
(٤) سير أعلام النبلاء للذهبي (١٠/ ٤٥٥).
(٥) خلق أفعال العباد للبخاري (ص ١١).
[ ١ / ٢١٠ ]
وشهد عليه علماء الحديث أنه لا يعرف بفقه ولا ورع ولا صلاح (^١)، وعرف عنه أنه لم يجالس العلماء، ولا روي شيئا من الأحاديث (^٢).
والذي يعرض عن المصدرين الأساسين سيقع حتما في مخالفة السلف الصالح وإجماع المسلمين، كما نص غير واحد من علماء الإسلام على ذلك. وقد بين كثير من العلماء مخالفة جهم لإجماع المسلمين (^٣)، بل ومخالفة جماهير العقلاء من الأولين والآخرين (^٤).
فهذه الأمور -أعني الإعراض عن الكتاب والسنة وسلف الأمة-يجتمع فيها جميع أهل البدع على خلاف بينهم في درجة ومستوى مخالفتهم لهذه الأصول (^٥).
غير أن الذي ابتدعه جهم بن صفوان وأختص به من بين سائر الفرق قبله هو معارضة النصوص بما يزعم أنه عقل. فقد بين ابن القيم أن الجهمية هم أول من عارض السمعيات بالعقليات من بين الطوائف.
فالشيعة، والخوارج، والقدرية، والمرجئة، مع أنهم ابتعدوا عن النور الذي كان عليه أوائل الأمة، إلا أنهم لم يفارقوه بالكلية، بل كانوا للنصوص معظمين، وبها مستدلين، ولها على العقول والآراء مقدمين، ولم يدع أحد منهم أن عنده عقليات تعارض النصوص، وإنما أتوا من سوء الفهم للنصوص، «فلما كثرت الجهمية في أواخر عصر التابعين، كانوا هم أول من عارض الوحي بالرأي … وأولهم شيخهم الجعد بن درهم»، إلى أن قال: «… وأصل طريقهم أن الذي أخبرت به الرسل قد عارضه العقل، وإذا تعارض العقل والنقل، قدمنا العقل. قالوا: نحن أنصار العقل، الداعون إليه، المخاصمون له، المتحاكمون إليه … إلخ (^٦).
وقال ابن تيمية: «ومعلوم أن عصر الصحابة وكبار التابعين لم يكن فيه من يعارض النصوص بالعقليات، فإن الخوارج والشيعة حدثوا في آخر خلافة علي، والمرجئة
_________________
(١) ذكره شيخ الإسلام في التسعينية (١/ ٢٩٠).
(٢) السنة للخلال (٥/ ٨٥)، ومسائل الإمام أحمد لأبي داود (ص ٢٩٩)، وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي (١٣/ ١٩١)، وتاريخ دمشق لابن عساكر (٤٠/ ١٢٠).
(٣) ميزان الاعتدال للذهبي، (١/ ٤٣٦)، ولسان الميزان لابن حجر (٢/ ٣٤٩).
(٤) انظر مثلا: رد الدارمي على بشر المريسي (ص ٢٢٣)، والشريعة للآجري (١/ ٢٣٢)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام (٤/ ٥).
(٥) انظر: درء التعارض لابن تيمية (٣/ ٥١).
(٦) انظر: الصواعق المرسلة (٣/ ١٠٧ - ١٠٩).
[ ١ / ٢١١ ]
والقدرية حدثوا في أواخر عصر الصحابة، وهؤلاء كانوا ينتحلون النصوص ويستدلون بها على قولهم، لا يدعون أنهم عندهم عقليات تعارض النصوص. ولكن لما حدثت الجهمية في أواخر عصر التابعين، كانوا هم المعارضين للنصوص برأيهم، ومع هذا فكانوا قليلين مقموعين في الأمة، وأولهم الجعد بن درهم …» (^١)
كما ذكر ابن القيم أن جميع الفرق الإسلامية قبل الجهمية، إذا تؤملت أصولهم، وجدت أنها كلها متفقة على تقديم الوحي على العقل، فلم يؤسسوا مقالاتهم على ما أسسها المتكلمون، من تقديم عقولهم على نصوص الوحي (^٢).
ويؤيد هذا ما حكاه الشهرستاني والصفدي عن الجهم أنه موافق للمعتزلة في إيجاب المعارف بالعقل قبل ورود الشرع (^٣).
كما يدل على منهجه هذا: مقالاته الكثيرة التي ليس عليها أدني دليل لا من الكتاب ولا من السنة، بل كلها مبنية على ما يزعمه أصول عقلية، وهي في الحقيقة أصول يونانية جاهلية.
فمثلا قوله في الإيمان وأنه مجرد المعرفة، وأخذه بدليل الأعراض وحدوث الأجسام، إنكاره ما ورد من الكتاب والسنة من الأسماء والصفات، وإنكاره الشفاعة، وعذاب القبر، والصراط، وإنكاره للملائكة، وغير ذلك من عقائده، يدل
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٥/ ٢٤٤).
(٢) انظر: الصواعق المرسلة لابن القيم (٣/ ٨٢١).
(٣) الملل والنحل (١/ ٧٤)، و: الوافي بالوفيات (١١/ ١٩٠ - ١٩١). وهذه الجملة تحتمل معاني عدة: الأول: القول بالتحسين والتقبيح العقليين، كما هو قول المعتزلة. الثاني: وجوب معرفة الله تعالى بالعقل، بمعنى أن من لم يعرف الله قبل ورود الشرع فهو آثم ويستحق العذاب. وهذا هو أقوى الاحتمالات، لأن مسألة وجوب معرفة الله تعالى، أهو عقلي أم شرعي؟ من أشهر مسائل علم الكلام. الثالث: أن هذه الجملة تشير إلى منهج جهم العام في تقديم العقل على النقل. وهذا، وإن كان أضعف من الاحتمال الأول والثاني، إلا أنه لازمه. الرابع: حصول معرفة الله تعالى بالعقل، بمعنى أن معرفة الله تعالى أمر عقلي. وهذا الرابع -وإن كان يقول به الجهم-إلا أنه ليس مراد الشهرستاني، بدليل أنه قال إن جهما (موافق للمعتزلة) في هذا الأمر، مخالف للأشعرية، كما يدل السياق على ذلك. فالأشاعرة وافقوا المعتزلة في قولهم إن معرفة الله تعالى أمر عقلي، ولكنهم خالفوهم في وجوب المعرفة: هل هو شرعي أم عقلي؟ فثبت أن هذا المعنى الرابع ليس مرادًا للشهرستاني، والله أعلم.
[ ١ / ٢١٢ ]
دلالة واضحة بأنه لم يكن يهتم بنصوص الكتاب والسنة، ولا يعطي لهما وزنة، بل جميع هذه الأقوال مبنية على أصول فاسدة وأقوال مستوردة.
فشأن جهم كشأن من بعده من أرباب الكلام المتبعين له، «ومعلوم أن أئمة الجهمية النفاة والمعتزلة وأمثالهم من أبعد الناس عن العلم بمعاني القرآن والأخبار وأقوال السلف، وتجد أئمتهم من أبعد الناس عن الاستدلال بالكتاب والسنة.
وإنما عمدتهم في الشرعيات على ما يظنونه إجماعا، مع كثرة خطئهم فيما يظنونه إجماعًا، وليس بإجماع. وعمدتهم في أصول الدين على ما يظنونه عقليات، وهي جهليات» (^١).
فخلاصة القول إن الجهم كان يدعو لأمور منها:
١ - إنكار الأسماء والصفات.
فالجهم بن صفوان أنكر الأسماء والصفات.
٢ - قوله بأن الإيمان هو المعرفة.
فقد كان في مسائل الإيمان على الإرجاء يقول: "إن الإيمان هو مجرد المعرفة" (^٢).
٣ - القول بفناء الجنة والنار.
كذلك كان يدعو للقول بفناء الجنة والنار معًا.
٤ - القول بالجبر في باب القدر.
فقد كان كذلك جبريًا في باب القدر، يقول: "إن العبد مجبور" (^٣).
والمعتزلة كانوا في الصفِّ المقابل إذ ذاك لأنهم يقولون بمقالة القدرية، أي إنكار قدرة الله ﷾، وأما الجهم فهو ينكر قدرة العبد ويقول: إن العبد مجبور على فعله، والناس في القدر ثلاثة: إما أن يكونوا قدرية، أو جبرية، أو أهل السنة والجماعة.
فالجبرية الذين ينكرون قدرة العبد ويقولون: إن العبد مجبور على فعله وهذا قول الجهمية، أتباع جهم.
والقدرية الذين يقولون: إن الله ﷾ ليس له قدرة ولا تصرُّف في فعل العبد وإنما
_________________
(١) من كلام شيخ الإسلام في درء التعارض (٧/ ٢٩).
(٢) انظر كتاب سير اعلام النبلاء الجزء السادس، صفحة (٢٧).
(٣) انظر كتاب الملل والنحل الجزء الأول، صفحة (٨٥).
[ ١ / ٢١٣ ]
العبد هو الذي يخلق فعل نفسه، وليس لله تعالى قدرة أو تصرُّف في فعل العبد، فهم في مقابل الجهمية إذ ذاك.
فهذه أشهر ما عند الجهم من المقالات، ومقالات الجهم كان لها أتباعها، وكان أتباعها في المشرق جهة خرسان.
لذلك كان أئمة السنة في المشرق أقوالهم وآثارهم أكثر في مسائل الجهمية من العلماء في الشام، أو العلماء في الحجاز، أو علماء السنة كذلك في مصر وغيرها؛ لأن ظهور المقالة كان في جهة المشرق جهة خرسان. ولذلك كان تأثر الأحناف بهذه المقالة أكثر من تأثر غيرهم في ذلك الحين، حتى أن بشر المريسي كان من الحنفية ولذلك أبو يوسف تلميذ أبي حنيفة عنَّف بشرًا وحاكمه على مقولته هذه.
فكان تأثر الأحناف بهذه المقالة باعتبار أن ظهورها كان في المشرق، وكان لمذهب أبي حنيفة قبولًا في ذلك الاتجاه أي في خرسان. فالمعتزلة في ذلك الحين لم يكونوا بعد قد تأثروا بمقالة الجهمية في نفي الصفات، ولذلك فإن العلماء إذا نسبوا هذه المقالة قالوا: مقالة الجهمية.