فمن صور الولاية وهي: (ومن ولي الخلافة بإجماع الناس عليه ورضاهم به فهو أمير المؤمنين).
وصور الخلافة متعددة منها:
الصورة الأولى: وهى الصورة المثلى لقيام الخلافة أو الولاية، هي أن تكون الخلافة بإجماع الناس، وإجماع الناس يتحقق بصور شتى، فغالبًا ما يكون باتفاق أهل الحل والعقد؛ لأن الناس في شعائر الدين الكبرى مثل الحج والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي مصالح الدنيا العظمى مثل البيعة والسمع والطاعة وغيرها، لا يتم أمرهم إلا بأهل الحل والعقد منهم، ومن سوى أهل الحل والعقد تبع لأهل الحل والعقد بالضرورة؛ لأن الدهماء والعامة والغوغاء والسواد الأعظم لا يمكن تحقيق رغبتهم جميعًا أو التعرف على آرائهم بطريق سليم، ولا يمكن أيضًا أن يكون عندهم من الفقه والرشد ما يجعلهم يعرفون المصالح العظمى للأمة كما يريد الله ﷿، وكما هو على قواعد الشرع.
فإذا اجتمع على الخليفة أهل الحل والعقد، وليس المراد بإجماع الناس كل فرد بعينه، بل المراد أهل الحل والعقد ورؤساء القبائل والأعيان والوجهاء فإذا بايعوه تمت البيعة، ولا يشترط أن يبايع كل واحد بعينه،
فعلى هذا فالإجماع ينعقد في مسألة الولاية والخلافة ببيعة أهل الحل والعقد، وهذه صورة من صور الولاية تتبعها أو تأتي دونها صور أخرى.
قال الشوكانيُّ ﵀: «طريقُها أَنْ يجتمع جماعةٌ مِنْ أهلِ الحَلِّ والعقد فيعقدون له البَيْعةَ ويقبل ذلك، سواءٌ تَقَدَّمَ منه الطلبُ لذلك أم لا، لكنَّه إذا تَقَدَّمَ منه الطلبُ فقَدْ وَقَعَ النهيُ الثابتُ عنه ﷺ عن طَلَبِ الإمارة (^١)؛ فإذا بُويِعَ بعد هذا الطلبِ انعقدَتْ ولايتُه وإِنْ أَثِمَ بالطلب، هكذا ينبغي أَنْ يُقالَ على مقتضى ما تَدُلُّ عليه السنَّةُ
_________________
(١) وذلك في حديثِ عبد الرحمن بنِ سَمُرَةَ ﵁ قال: قال النبيُّ ﷺ: «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ، لَا تَسْأَلِ الإِمَارَةَ؛ فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا …» الحديث [مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الأحكام» بابُ مَنْ لم يَسْألِ الإمارةَ أعانَهُ اللهُ عليها (٧١٤٦)، ومسلمٌ في «الأيمان» (١٦٥٢) [.
[ ٢ / ١٧٥ ]
المطهَّرة، … والحاصلُ: أنَّ المُعْتَبَرَ هو وقوعُ البَيْعةِ له مِنْ أهلِ الحَلِّ والعقد؛ فإنها هي الأمرُ الذي يجب بَعْدَه الطاعةُ ويَثْبُتُ به الولايةُ وتَحْرُمُ معه المُخالَفةُ، وقد قامَتْ على ذلك الأدلَّةُ وثَبَتَتْ به الحجَّةُ …»، ثمَّ قال: «قد أَغْنَى اللهُ عن هذا النهوضِ وتَجَشُّمِ السفر وقَطْعِ المَفاوِزِ ببَيْعةِ مَنْ بايَعَ الإمامَ مِنْ أهل الحَلِّ والعقد؛ فإنها قد ثَبَتَتْ إمامتُه بذلك ووَجَبَتْ على المسلمين طاعتُه، وليس مِنْ شرطِ ثبوتِ الإمامةِ أَنْ يُبايِعَهُ كُلُّ مَنْ يصلح للمُبايَعة، ولا مِنْ شرطِ الطاعةِ على الرجل أَنْ يكون مِنْ جملةِ المُبايِعِين؛ فإنَّ هذا الاشتراطَ في الأمرين مردودٌ بإجماع المسلمين: أوَّلِهم وآخِرِهم، سابِقِهم ولاحِقِهم» (^١).
الصورة الثانية: ثبوت البيعة بتعيين جماعةٍ تختار وليَّ العهد:
وذلك بأَنْ يَعْهَدَ ولِيُّ الأمرِ الأوَّلُ إلى جماعةٍ معدودةٍ تَتوفَّرُ فيها شروطُ الإمامةِ العُظْمى؛ لِتقومَ باختيارِ وليِّ العهدِ المُناسِبِ فيما بينهم يَتوالَوْن عليه ويُبايِعونه، كمِثْلِ ما فَعَلَ عمرُ بنُ الخطَّاب ﵁، حيث عَهِدَ إلى نَفَرٍ مِنْ أهل الشورى لاختيارِ واحدٍ منهم، قال الخطَّابيُّ ﵀: «ثمَّ إنَّ عُمَرَ لم يُهْمِلِ الأمرَ ولم يُبْطِلِ الاستخلاف، ولكِنْ جَعَلَهُ شُورَى في قومٍ معدودين لا يَعْدُوهم؛ فكُلُّ مَنْ أقامَ بها كان رِضًا ولها أهلًا؛ فاختاروا عثمانَ وعَقَدوا له البَيْعةَ» (^٢)، ثمَّ لَمَّا اسْتُشْهِدَ عثمانُ ﵁ بايَعُوا عليًّا ﵁.
فتصلح الخلافة بالانتخاب والاختيار كما ثبتت الخلافة ل أبي بكر الصديق ﵁ بالاختيار والانتخاب، وكما ثبتت الولاية أيضًا ل عثمان باختيار أهل الحل والعقد وبالإجماع، وكما ثبتت الخلافة ل علي بمبايعة أكثر أهل الحل والعقد.
الصورة الثالثة: الخلافة بولاية العهد من الخليفة السابق.
فتثبت الخلافة بولاية العهد من الخليفة السابق كما ثبتت الخلافة ل عمر ﵁ بولاية العهد من أبي بكر.
وذلك بأَنْ يَعْهَدَ وليُّ الأمرِ إلى مَنْ يَرَاهُ أَقْدَرَ على مَهَمَّةِ حمايةِ الدِّين وسياسةِ الدنيا فيَخْلُفَه مِنْ بَعْدِه؛ فإنَّ بَيْعَته على الإمامةِ تَلْزَمُ بعهدِ مَنْ قَبْلَه، كمِثْلِ ما وَقَعَ مِنْ عهدِ أبي بكرٍ لعُمَرَ ﵄؛ فإنَّ الصدِّيقَ ﵁ لَمَّا حَضَرَتْه الوفاةُ عَهِدَ إلى عُمَرَ ﵁ في الإمامة، ولم يُنْكِرْ ذلك الصحابةُ ﵃، وقَدِ اتَّفَقَتِ الأمَّةُ على انعقادِ الإمامة بولايةِ
_________________
(١) «السيل الجرَّار» للشوكاني (٤/ ٥١١ - ٥١٣).
(٢) «مَعالِم السنن» للخطَّابي مع «سنن أبي داود» (٣/ ٣٥١).
[ ٢ / ١٧٦ ]
العهد، وقد عَهِدَ مُعاويةُ ﵁ إلى ابنه يَزيدَ كما عَهِدَ غيرُهم، ويدلُّ عليه أنَّ رسول الله ﷺ أعطى الرايةَ يوم مُؤْتَةَ زيد بنَ حارثةَ وقال: «فَإِنْ قُتِلَ زَيْدٌ أَوِ اسْتُشْهِدَ فَأَمِيرُكُمْ جَعْفَرٌ، فَإِنْ قُتِلَ أَوِ اسْتُشْهِدَ فَأَمِيرُكُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ» (^١)، فاسْتُشْهِدُوا جميعًا، ثمَّ أَخَذَها خالدُ بنُ الوليدِ ولم يكن رسولُ الله ﷺ تَقَدَّمَ إليه في ذلك، والحديثُ دلَّ على وجوبِ نَصْبِ الإمامِ والاستخلافِ، قال الخطَّابيُّ ﵀: «فالاستخلافُ سنَّةٌ اتَّفَقَ عليها المَلَأُ مِنَ الصحابة، وهو اتِّفاقُ الأمَّة، لم يُخالِفْ فيه إلَّا الخوارجُ والمارقةُ الذين شَقُّوا العَصَا وخَلَعُوا رِبْقَةَ الطاعة» (^٢).
الصورة الرابعة: من صور الخلافة بالقوَّة والغلبة والقهر.
فهو صورة من صور إقامة الإمامة في الدين، فإمامة الناس في دينهم ودنياهم وهي الإمارة التي لها السمع والطاعة فقد تكون بالغلبة أيضًا، وتثبت الخلافة أيضًا بالقوة والغلبة إذا غلب الناس بسيفه وقهرهم بسيفه واجتمعت عليه الكلمة فتمت له البيعة ولا يجوز الخروج عليه، حتى لو لم يكن الأمر برضا أهل الحل والعقد.
فإذا غَلَبَ على الناسِ حاكمٌ بالقوَّة والسيف حتَّى أَذْعَنُوا له واستقرَّ له الأمرُ في الحكمِ وتمَّ له التمكينُ؛ صارَ المتغلِّبُ إمامًا للمسلمين وإِنْ لم يَسْتَجْمِعْ شروطَ الإمامة، وأحكامُه نافذةٌ، بل تجب طاعتُه في المعروف وتَحْرُمُ مُنازَعتُه ومعصيتُه والخروجُ عليه قولًا واحدًا عند أهلِ السنَّة؛ ذلك لأنَّ طاعته خيرٌ مِنَ الخروج عليه؛ لِمَا في ذلك مِنْ حَقْنِ الدماءِ وتسكينِ الدَّهْماء، ولِمَا في الخروجِ عليه مِنْ شَقِّ عَصَا المسلمين وإراقةِ دمائهم، وذهابِ أموالهم وتسلُّطِ أعداء الإسلام عليهم، قال الإمامُ أحمد ﵀: «ومَنْ خَرَجَ على إمامٍ مِنْ أئمَّةِ المسلمين وقد كان الناسُ اجتمعوا عليه وأَقَرُّوا له بالخلافة بأيِّ وجهٍ كان بالرِّضَا أو الغَلَبة؛ فقَدْ شَقَّ هذا الخارجُ عَصَا المسلمين، وخالَفَ الآثارَ عن رسول الله ﷺ، فإِنْ مات الخارجُ ماتَ مِيتةً جاهليَّةً، ولا يَحِلُّ قتالُ السلطانِ ولا الخروجُ عليه لأَحَدٍ مِنَ الناس؛ فمَنْ فَعَلَ ذلك فهو مُبْتَدِعٌ على غيرِ السنَّةِ والطريق» (^٣).
وقد حَكَى الإجماعَ على وجوبِ طاعةِ الحاكمِ المُتغلِّبِ الحافظُ ابنُ حجرٍ ﵀
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» (١٧٥٠) مِنْ حديثِ عبد الله بنِ جعفرٍ ﵄. وصحَّحه أحمد شاكر في تحقيقه ل: «مسند أحمد» (٣/ ١٩٢)، والألبانيُّ في «أحكام الجنائز» (٢٠٩).
(٢) «مَعالِم السنن» للخطَّابي مع «سنن أبي داود» (٣/ ٣٥١).
(٣) «المسائل والرسائل» للأحمدي (٢/ ٥).
[ ٢ / ١٧٧ ]
في «الفتح» (^١)، والشيخُ محمَّد بنُ عبد الوهَّاب ﵀ كما في «الدُّرَر السنيَّة» (^٢).
فمن ولي الخلافة إما بإجماع المسلمين ورضاهم به، فهو بهذا أميرٌ عليهم أو حتى لو كان عن غلبة بحيث استتب له الأمر في ذلك فإنه عند أهل السنة لابد من السمع والطاعة له، أما إذا كان هناك إمامان وكان أولهما قد بويع وجاء آخر وأراد أن يخرج على هذا الإمام ويدعي الإمامة له فإنه يُقاتل الثاني ويكون الأمر والطاعة للأول منهما.
لقوله ﷺ: "ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر" (^٣).
وقوله ﷺ: " إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما " (^٤).
قال النوويُّ ﵀: «وأمَّا الطريقُ الثالثُ فهو القهرُ والاستيلاء: فإذا ماتَ الإمامُ فتَصَدَّى للإمامة مَنْ جَمَعَ شرائطَها مِنْ غيرِ استخلافٍ ولا بيعةٍ، وقَهَرَ الناسَ بشوكته وجنوده؛ انعقدَتْ خلافتُه ليَنْتَظِمَ شَمْلُ المسلمين، فإِنْ لم يكن جامعًا للشرائط بأَنْ كان فاسقًا أو جاهلًا فوجهانِ: أَصَحُّهما: انعقادُها لِمَا ذَكَرْناهُ وإِنْ كان عاصيًا بفِعْلِه» (^٥).
وبعد بيان طرق الولاية العامة يتبقى هنا ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: انعقادُ الولايةِ أو الإمامةِ العُظْمى بأساليبِ النُّظُمِ المُسْتَوْرَدَةِ
أمَّا انعقادُ الولايةِ أو الإمامةِ العُظْمى بأساليبِ النُّظُمِ المُسْتَوْرَدَةِ الفاقدةِ للشرعية الدينية فبغضِّ النظر عن فسادِ هذه الأنظمةِ وخَطَرِ العملِ بها على دِينِ المسلم وعقيدتِه فإنَّ مَنْصِبَ الإمامةِ أو الولايةِ يَثْبُتُ بها ويجري مجرى طريقِ الغَلَبةِ والاستيلاءِ والقهر، وتنعقدُ إمامةُ الحاكمِ وإِنْ لم يكن مُسْتَجْمِعًا لشرائطِ الإمامة، ولو تَمَكَّنَ لها دون اختيارٍ أو استخلافٍ ولا بَيْعةٍ.
المسألة الثانية:
إذا تَعَدَّدَ الأئمَّةُ والسلاطينُ فالطاعةُ بالمعروف إنَّما تجب لكُلِّ واحدٍ منهم بعد البَيْعةِ له على أهل القطر الذي تَنْفُذُ فيه أوامِرُه ونواهيه، وضِمْنَ هذا السياقِ يقول
_________________
(١) «فتح الباري» لابن حجر (١٣/ ٧)، وقد حكاهُ عن ابنِ بطَّالٍ ﵀
(٢) انظر: «الدُّرَر السنيَّة في الأجوبة النجدية» لعبد الرحمن بنِ محمَّد بنِ قاسم (٧/ ٢٣٩).
(٣) رواه مسلم (١٨٤٤).
(٤) رواه مسلم (١٨٥٣).
(٥) «روضة الطالبين» للنووي (١٠/ ٤٦).
[ ٢ / ١٧٨ ]
الشوكانيُّ ﵀: «وأمَّا بعد انتشارِ الإسلام واتِّساعِ رقعته وتَباعُدِ أطرافه، فمعلومٌ أنه قد صارَ في كُلِّ قطرٍ أو أقطارٍ الولايةُ إلى إمامٍ أو سلطانٍ، وفي القطر الآخَرِ أو الأقطار كذلك، ولا يَنْفُذُ لبَعْضِهم أمرٌ ولا نهيٌ في قُطْرِ الآخَرِ وأقطاره التي رجعَتْ إلى ولايته؛ فلا بأسَ بتَعَدُّدِ الأئمَّةِ والسلاطين، ويجب الطاعةُ لكُلِّ واحدٍ منهم بعد البَيْعةِ له على أهل القُطْر الذي ينفذ فيه أوامرُه ونواهيه، وكذلك صاحِبُ القطر الآخَر، فإذا قامَ مَنْ يُنازِعُه في القطر الذي قد ثَبَتَتْ فيه ولايتُه وبايَعَهُ أهلُه كان الحكمُ فيه أَنْ يُقْتَلَ إذا لم يَتُبْ، ولا تجب على أهل القطر الآخَرِ طاعتُه ولا الدخولُ تحت ولايته لِتَباعُدِ الأقطار، …
فاعْرِفْ هذا فإنه المُناسِبُ للقواعد الشرعية، والمُطابِقُ لِمَا تدلُّ عليه الأدلَّةُ، ودَعْ عنك ما يُقالُ في مُخالَفته؛ فإنَّ الفرق بين ما كانَتْ عليه الولايةُ الإسلاميةُ في أوَّلِ الإسلامِ وما هي عليه الآنَ أَوْضَحُ مِنْ شمس النهار، ومَنْ أَنْكَرَ هذا فهو مُباهِتٌ لا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُخَاطَبَ بالحجَّة لأنه لا يَعْقِلُها» (^١).
المسألة الثالثة: تَوَلَّى الكافرُ الحُكْمَ.
وأمَّا إِنْ تَوَلَّى الكافرُ الحُكْمَ: فإِنْ تَوفَّرَتِ القدرةُ والاستطاعةُ على تنحيته وتبديلِه بمسلمٍ كُفْءٍ للإمامة مع أَمْنِ الوقوعِ في المَفاسِدِ وَجَبَتْ إزالتُه إجماعًا؛
• لأنَّ الله تعالى قال: ﴿وَأُولِي الأَمرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، والكافرُ لا يُعَدُّ مِنَ المسلمين.
• وقال الله-﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ١١٨].
قال القرطبيُّ: "نَهى الله المؤمنين بِهذه الآية أن يَتَّخِذوا من الكُفَّار واليهود وأهل الأهواء دُخلاءَ ووُلَجاء يُفاوضونهم في الآراء، ويُسندون إليهم أمورَهم" (^٢).
• قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١].
قال القاضي ابن العربيِّ: "إنَّ الله سبحانه لا يَجعل للكافرين على المؤمنين سبيلًا بالشَّرع، فإن وجد فبِخلاف الشرع" (^٣).
_________________
(١) «السيل الجرَّار» للشوكاني (٤/ ٥١٢).
(٢) تفسير "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (٤/ ١٧٩).
(٣) "شرح صحيح مسلم" للنووي (٦/ ٣١٤ (.
[ ٢ / ١٧٩ ]
قال القاضي عياض: "فلو طرأَ عليه كُفرٌ وتغيير للشَّرع، أو بدعةٌ، خرجَ عن حكم الولاية، وسقطَت طاعته، ووجب على المسلمين القيامُ عليه وخَلْعُه، ونصب إمام عادلٍ إن أمكنَهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلاَّ لطائفةٍ وجب عليهم القيامُ بِخَلع الكافر" (^١).
• وقولِه ﷺ: «لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ» (^٢)، وقولِه ﷺ: «إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ» (^٣)، وقولِه ﷺ: «لَا، مَا صَلَّوْا» (^٤)، قال ابنُ حجرٍ ﵀: «ومُلخَّصُه أنَّه يَنْعَزِلُ بالكفر إجماعًا؛ فيجبُ على كُلِّ مسلمٍ القيامُ في ذلك: فمَنْ قَوِيَ على ذلك فله الثَّوابُ، ومَنْ داهَنَ فعليه الإثمُ» (^٥).
فإِنْ عَجَزُوا عن إزالتِه وإقامةِ البديل، أو لا تنتظمُ أمورُ السِّياسة والحكمِ بإزالتِه في الحالِ خشيةَ الاضطراب والفوضى وسُوءِ المآل؛ فالواجبُ الصَّبرُ عليه وهُمْ معذورون؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا استَطَعتُم﴾ [التغابن: ١٦]، وقولِه ﷺ: «فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (^٦)، وهذا أحَقُّ موقفًا مِنَ الخروج عليه؛ لأنَّ «دَرْءَ المَفَاسِدِ أَوْلَى مِنْ جَلْبِ المَصَالِحِ»؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلقُوا بِأَيدِيكُم إِلَى التَّهلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥].
قال العلَّامةُ ابنُ بازٍ ﵀: «إذا رأى المسلمون كفرًا بَواحًا عندهم مِنَ اللهِ فيه برهانٌ فلا بَأْسَ أَنْ يخرجوا على هذا السلطانِ لإزالته إذا كان عندهم قدرةٌ، أمَّا إذا لم تكن عندهم قدرةٌ فلا يخرجون، أو كان الخروجُ يُسبِّبُ شرًّا أَكْثَرَ فليس لهم الخروجُ؛ رعايةً للمَصالِحِ العامَّة، والقاعدةِ الشرعية المُجْمَعِ عليها أنه: لا يجوز إزالةُ الشرِّ بما هو أَشَرُّ منه، بل يجب دَرْءُ الشرِّ بما يُزيلُه أو يُخفِّفُه، أمَّا دَرْءُ الشرِّ بشرٍّ أَكْثَرَ فلا يجوز بإجماعِ المسلمين» (^٧).
_________________
(١) "أحكام القرآن" (١/ ٦٤١)، وانظر: تفسير "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (٥/ ٤٢١ (.
(٢) أخرجه مسلمٌ في «الإمارة» (١٨٥٥) مِنْ حديثِ عوف بنِ مالكٍ ﵁.
(٣) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الفِتَن» بابُ قولِ النبيِّ ﷺ: «سَتَرَوْنَ بَعْدِي أُمُورًا تُنْكِرُونَهَا» (٧٠٥٦)، ومسلمٌ في «الإمارة» (١٧٠٩)، مِنْ حديثِ عُبادةَ بنِ الصامت ﵁.
(٤) أخرجه مسلمٌ في «الإمارة» (١٨٥٤) مِنْ حديثِ أمِّ سَلَمة ﵂.
(٥) «فتح الباري» لابن حجر (١٣/ ١٢٣ (.
(٦) هو جزءٌ مِنْ حديثٍ مُتَّفَقٍ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الاعتصام بالكتاب والسنَّة» باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ (٧٢٨٨)، ومسلمٌ واللفظُ له في «الحجِّ» (١٣٣٧)، مِنْ حديثِ أبي هريرة ﵁.
(٧) انظر: «مُراجَعات في فقه الواقع السياسيِّ والفكري» للرفاعي (٢٤). وللشيخ ابنِ عثيمين ﵀ كلامٌ نفيسٌ في «الشرح المُمْتِع على زاد المُسْتَقْنِع» (١١/ ٣٢٣).
[ ٢ / ١٨٠ ]