(٤٤) "ثم لَمَّا عُرّبت الكتب الرومية في حدود المائة الثالثة زاد البلاء مع ما ألقى الشيطان في قلوب الضلال ابتداء، من جنس ما ألقاه في قلوب أشباههم.
ولما كان في حدود المائة الثالثة انتشرت هذه المقالة التي كان السلف يسمونها مقالة الجهمية بسبب بشر بن غياث المريسي وطبقته،
وبعد مقتل الجهم بن صفوان على يد سلم بن أحوز، قام لهذه المقالة أحمد بن أبي داؤد (٢٤٠ هـ) وبشر المريسي (٢١٨ هـ) فملآ الدنيا محنة والقلوب فتنة دهرًا طويلًا.
(فما إن جاء أول المائة الثالثة، وولي على الناس عبد الله المأمون (١٩٨ هـ -٢١٨ هـ)، وكان يحب أنواع العلوم، وكان مجلسه عامرًا بأنواع المتكلمين في العلوم، فغلب عليه حب المعقولات فأمر بتعريب كتب اليونان، وأقدم لها المترجمين من البلاد فعربت له، واشتغل بها الناس، والملك سوق ما سوق فيه جلب إليه، فغلب على مجلسه جماعة من الجهمية ممن كان أبوه الرشيد قد أقصاهم وتتبعهم بالحبس والقتل. فحشوا بدعة التجهم في أذنه وقلبه، فقبلها، واستحسنها، ودعا الناس إليها، وعاقبهم عليها) (^١)
قال ابن تيمية: (الجهمية لم يكونوا ظاهرين إلا بالمشرق، لكن قوى أمرهم لما مات الرشيد وتولى ابنه الملقب بالمأمون بالمشرق وتلقى عن هؤلاء ما تلقاه. ثم لما تولى الخلافة اجتمع بكثير من هؤلاء، ودعا إلى قولهم في آخر عمره، وكتب وهو بالثغر بطرسوس إلى نائبه ببغداد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب كتابًا يدعو الناس فيه إلى أن يقولوا القرآن مخلوق، فلم يجبه أحد؛ ثم كتب كتابًا ثانيًا يأمر فيه بتقييد من لم يجبه وإرساله إليه، فأجاب أكثرهم، ثم قيدوا سبعة لم يجيبوا فأجاب
_________________
(١) الصواعق المرسلة ٣/ ١٠٧٢.
[ ١ / ٢٣٥ ]
منهم خمسة بعد القيد، وبقي اثنان لم يجيبا: الإمام أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح، فأرسلوهما إليه فمات قبل أن يصلا إليه؛ وكان هذا سنة ثماني عشر ومائتين.) (^١)
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض حديثه عن تلك الحقبة الزمنية وما قبلها وما بعدها: (وتجد الإسلام والإيمان كلما ظهر وقوى كانت السنة وأهلها أظهر وأقوى، وإن ظهر شيء من الكفر والنفاق ظهرت البدع بحسب ذلك، مثل دولة المهدي (١٥٨ - ١٦٩ هـ) والرشيد (١٧٠ - ١٩٤ هـ) ونحوهما ممن كان يعظم الإسلام والإيمان ويغزو أعداءه من الكفار والمنافقين. كان أهل السنة في تلك الأيام أقوى وأكثر، وأهل البدع أذل وأقل. فإن المهدي قتل من المنافقين الزنادقة من لا يحصى عدده إلا الله، والرشيد كان كثير الغزو والحج.
وذلك أنه لما انتشرت الدولة العباسية وكان في أنصارها من أهل المشرق والأعاجم طوائف من الذين نعتهم النبي ﷺ حيث قال: «الفتنة ها هنا»؛ ظهر حينئذ كثير من البدع، وعربت أيضًا إذ ذاك طائفة من كتب الأعاجم من المجوس الفرس، والصابئين الروم، والمشركين الهنود، وكان المهدي من خيار خلفاء بني العباس، وأحسنهم إيمانًا وعدلًا وجودًا، فصار يتتبع المنافقين الزنادقة كذلك.
وفي دولة «أبي العباس المأمون» ظهر «الخرمية» ونحوهم من المنافقين، وعرب من كتب الأوائل المجلوبة من بلاد الروم ما انتشر بسببه مقالات الصابئين، وراسل ملوك المشركين من الهند ونحوهم حتى صار بينه وبينهم مودة.
فلما ظهر ما ظهر من الكفر والنفاق في المسلمين، وقوى ما قوى من حال المشركين وأهل الكتاب، كان من أثر ذلك ما ظهر من استيلاء الجهمية والرافضة وغيرهم من أهل الضلال وتقريب الصابئة ونحوهم من المتفلسفة. وذلك بنوع رأي يحسبه صاحبه عقلًا وعدلًا، وإنما هو جهل وظلم، إذ التسوية بين المؤمن والمنافق، والمسلم والكافر أعظم الظلم، وطلب الهدى عند أهل الضلال أعظم الجهل، فتولد من ذلك محنة الجهمية، حتى امتحنت الأمة بنفي الصفات والتكذيب بكلام الله ورؤيته، وجرى من محنة الإمام أحمد وغيره ما جرى، مما يطول وصفه) (^٢)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ثم بعد انقراض أكابر التابعين ظهرت الجهمية ثم لما عربت كتب الفرس والروم ظهر التشبه بفارس والروم وكتب الهند انتقلت بتوسط الفرس إلى المسلمين وكتب اليونان انتقلت بتوسط الروم إلى المسلمين فظهرت
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٣/ ١٨٣.
(٢) مجموع الفتاوى ٤/ ٢٠، ٢١.
[ ١ / ٢٣٦ ]
الملاحدة الباطنية الذين ركبوا مذهبهم من قول المجوس واليونان مع ما أظهروه من التشيع وكانت قرامطة البحرين أعظم تعطيلا وكفرا كفرهم من جنس كفر فرعون بل شر منه" (^١)
قال ابن تيمية: "وأنه بعد ذلك أواخر المائة الثانية وقبلها وبعدها اجتلبت كتب اليونان وغيرهم من الروم من بلاد النصارى وعربت وانتشر مذهب مبدلة الصابئة مثل أرسطو وذويه، ظهر في ذلك الزمان الخرمية، وهم أول القرامطة الباطنية الذين كانوا في الباطن يأخذون بعض دين الصابئين المبدلين، وبعض دين المجوس، كما أخذوا عن هؤلاء كلامهم في العقل والنفس، وأخذوا عن هؤلاء كلامهم في النور والظلمة، وكسوا ذلك عبارات وتصرفوا فيه وأخرجوه إلى المسلمين، وكان من القرامطة الباطنية في الإسلام ما كان، وهم كانوا يميلون كثيرا إلى طريقة الصابئة المبدلين، وفي زمنهم صنفت رسائل إخوان الصفا، وذكر ابن سينا أن أباه كان من أهل دعوتهم من أهل دعوة المصريين منهم، وكانوا إذ ذاك قد ملكوا مصر وغلبوا عليها، قال ابن سينا وبسبب ذلك اشتغلت في الفلسفة لكونهم كانوا يرونها، وظهر في غير هؤلاء من التجهم ما ظهر، وظهر بذلك تصديق ما أخبر به النبي ﷺ كما ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه" قالوا يا رسول الله: اليهود والنصارى" قال فمن"، وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي مأخذ القرون شبرا بشبر وذراعا بذراع" فقيل يا رسول الله كفارس والروم قال: "فمن الناس إلا أولئك" ومعلوم أن أهل الكتاب أقرب إلى المسلمين من المجوس والصابئين والمشركين فكان أول ما ظهر من البدع فيه شبه من اليهود والنصارى.
والنبوة كل ما ظهر نورها انطفت البدع، وهي في أول الأمر كانت أعظم ظهورا فكان إنما يظهر من البدع ما كان أخف من غيره، كما ظهر في أواخر عصر الخلفاء الراشدين بدعة الخوارج والتشيع، ثم في أواخر عصر الصحابة ظهرت القدرية والمرجئة، ثم بعد انقراض أكابر التابعين ظهرت الجهمية، ثم لما عربت كتب الفرس والروم ظهر التشبه بفارس والروم.
وكتب الهند انتقلت بتوسط الفرس إلى المسلمين، وكتب اليونان انتقلت بتوسط
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية
[ ١ / ٢٣٧ ]
الروم إلى المسلمين، فظهرت الملاحدة الباطنية الذين ركبوا مذهبهم من قول المجوس واليونان، مع ما أظهروه من التشيع، وكانت قرامطة البحرين أعظم تعطيلا وكفرا، كفرهم من جنس كفر فرعون بل شر منه" (^١).
وقال: "وهؤلاء الصابئة المبدلون ومن بدل دينه من اليهود والنصارى وسائر المشركين هم (من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون) هم من الذين اختلفوا من بعد ما كانوا أمة واحدة كما قال تعالى (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم) ولهذا يوجد في هؤلاء الصابئة المتفلسفة وغيرهم من الاختلاف والافتراق في أصول الدين أعظم مما يوجد بين اليهود والنصارى لأن أهل الكتاب أقرب إلى الهدى من الصابئين فمبتدعتهم دون مبتدعة الصابئين والتفرق والاختلاف في الصابئين أكثر ولهذا فيهم من عبادة الأصنام والكواكب والشرك مالا يوجد منه في أهل الكتابين وإن كان قد وجد فيهم من الشرك ما وجد فهو في أولئك أعظم وهؤلاء وأمثالهم هم الذين بدلوا وغيروا ما فطر الله تعالى عليه عباده وأرسل به رسله وصار فيهم من الاستكبار وطلب العلو ودعوى التحقيق في العلوم والمعارف وعلو الهمة في الأعمال ما هم في الحقيقة متصفون عنده كما قال تعالى فيهم (الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه) وقال تعالى وتقدس (فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا) وقال تعالى (وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون) وبالجملة فهؤلاء وأشباههم أعداء الرسل وسائر الملل وخطاب القرآن لهم كثير جدا فإنهم أئمة لأتباعهم وهم من السادة والكبراء الذين قال الله تعالى في أتباعهم (إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا وقالوا ربنا أنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا) وكان فرعون موسى من أكابر
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية ٢/ ٤٧٨.
[ ١ / ٢٣٨ ]
ملوك هؤلاء وقد ذكر الله تعالى في قصته في القرآن ما فيه عبرة وكذلك مشركو قريش الذين كفروا برسول الله صلى الله عليه وسلم أولًا كان فيهم الشبه بهؤلاء أن يكونوا أئمة من كفر بعدهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح "الناس تبع لقريش في هذا الشأن مؤمنهم تبع لمؤمنهم وكافرهم تبع لكافرهم" وكان في أئمة الكفر الوحيد الذي قال الله تعالى (ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا) إلى قوله تعالى (إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر) فاستعمل نظر أهل المنطق من التفكير الذي يطلب به الحد الأوسط ثم التقدير الذي هو القياس الذي ينتقل فيه من الحد الأوسط إلى المطلوب وكذب بكون القرآن كلام الله تعالى وجعله كلام البشر وهذا في الحقيقة قول هؤلاء المتفلسفة كما قد بيناه في غير هذا الكتاب" (^١)
قال الذهبي: (لما تولى المأمون الخلافة على رأس المائتين، نجم التشيع وأبدى صفحته. (وكان المأمون شيعيًا) (^٢)
وبزغ فجر الكلام، وعربت حكمة الأوائل ومنطق اليونان، وعمل رصد الكواكب، ونشأ للناس علم جديد مُرْدٍ مهلك لا يلائم علم النبوة ولا يوافق توحيد المؤمنين، وقد كانت الأمة منه في عافية، وقويت شوكة الرافضة والمعتزلة، وحمل المأمون المسلمين على القول بخلق القرآن، ودعاهم إليه فامتحن العلماء فلا حول ولا قوة إلا بالله. إن من البلاء أن تعرف ما كنت تنكر وتنكر ما كنت تعرف، وتُقَدَّم عقول الفلاسفة، ويُعْزَلَ منقول أتباع الرسل، ويُمارى في القرآن، ويتبرم بالسنن والآثار، وتقع في الحيرة. فالفرار قبل حلول الدمار، وإياك ومضلات الأهواء ومجاراة العقول، ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم) (^٣)
فالمأمون أول من أعلن بدعة القول بخلق القرآن من السلاطين ودعا إليها بقوة السلطان، (وكان كلامه في القرآن سنة اثنتي عشرة ومائتين فأنكر الناس ذلك واضطربوا ولم ينل مقصوده ففتر إلى وقت) (^٤) (ولكنه لم يرجع عن قوله وصمم على امتحان العلماء في سنة ثمان عشرة وشدد عليهم فأخذه الله.) (^٥)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ما أظن أن الله يغفل عن المأمون، ولابد أن يقابله
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية ٢/ ٤٧٩٤٨٣.
(٢) سير أعلام النبلاء ١٠/ ٢٨١.
(٣) تذكرة الحفاظ ١/ ٣٢٨.
(٤) سير أعلام النبلاء ١٠/ ٢٨١.
(٥) سير أعلام النبلاء ١٠/ ٢٨٣، فوات الوفيات ٢/ ٢٣٨.
[ ١ / ٢٣٩ ]
على ما اعتمده مع هذه الأمة من إدخال هذه العلوم الفلسفية بين أهلها) (^١)
قال السيوطي: (أول من أدخل المنطق والفلسفة وسائر علوم اليونان في ملة الإسلام وأحضرها من جزيرة قبرص المأمون.) (^٢)
قال ابن تيمية: "فلما ابتدعت الجهمية هذه المقالات في أثناء المائة الثَّانية أنكر ذلك سلف الأمة وأئمتها، ثم استفحل أمرهم في أوائل المائة الثالثة بسبب ما أدخلوه في شركهم وفريتهم من ولاة الأمور، وجرت المحنة المشهورة" (^٣)
وفي هذه المرحلة قويت شوكت التعطيل واتسعت دائرته ونشط دعاته وكثرت طوائفه. فبعد أن كان خصوم أهل السنة هم الجهمية فقط، ظهر المعتزلة الذين حملوا راية التعطيل ووجهوا دفته، ودخلوا فيه بقوة هيأها لهم المأمون ومن بعده المعتصم ثم الواثق. وشايعهم على ذلك العديد من الفرق الضالة، فجمعت المعتزلة من ذلك الوقت بين بليتين «بلية نفي الصفات» و«بلية نفي القدر». وفي هذه المرحلة ظهر القرامطة، وبدؤوا يظهرون قولهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكانت «محنة الإمام أحمد» سنة عشرين ومائتين، وفيها شرعت القرامطة الباطنية يظهرون قولهم، فإن كتب الفلاسفة قد عربت وعرف الناس أقوالهم فلما رأت الفلاسفة أن القول المنسوب إلى الرسول ﷺ وأهل بيته هو هذا القول الذي يقوله المتكلمون الجهمية ومن اتبعهم، ورأوا أن هذا القول الذي يقولونه فاسد من جهة العقل؛ طمعوا في تغيير الملة. فمنهم من أظهر إنكار الصانع، وأظهر الكفر الصريح، وقاتلوا المسلمين، وأخذوا الحجر الأسود، كما فعلته قرامطة البحرين.) (^٤)
وفي هذه المرحلة أيضًا ظهرت «الصفاتية» وهم وإن كانوا من أقرب المتكلمين إلى السنة إلا أنهم خالفوا قول أهل السنة بنفيهم للصفات الاختيارية، وعلى رأس أولئك عبد الله بن سعيد بن كلاب (٢٣٤ هـ) والحارث بن أسد المحاسبي (ت ٢٣٤) وأبو العباس القلانسي وغيرهم، ومنذ ذلك الحين اتسعت دائرة التعطيل وعظم خطره وكثر خصوم السنة.
وهكذا الشأن إذا مكن لأهل البدع وكان لهم الدولة والسلطة، فإذا مُكِّن لهم بدولة وسلطة رأيت العجب العجاب. وهكذا الرافضة لم يكن لهم دولة حتى كان لهم من الجانب الإسماعيلي،
_________________
(١) لوامع الأنوار البهية ١/ ٩.
(٢) الوسائل إلى مسامرة الأوائل ص ١١٨.
(٣) التسعينية ١/ ٢٩٥
(٤) مجموع الفتاوى ٥/ ٥٥٨.
[ ١ / ٢٤٠ ]
دولة الفاطميين فبدأت لهم دولة، ومن الجانب الاثنا عشري الجعفري الإمامي ظهرت الدولة البويهية فكان لها دور، ثم الدور الأظهر للدولة الصفوية، وكذلك حتى الأشاعرة أصبح لهم دولة لما قام ابن تومرت (^١) وأسَّس دولة الموحدين، فبدأ يُنْشَاأُ لهم دولة، فهكذا الفكر إذا وجد له دولة أصبح له شر وخطر عظيم، إذا كان فكرًا منحرفًا عن الحق، فلما ظهر لهم دولة أصبحت لهم شوكة، وأصبحوا بعد ذلك يُكرِهون الناس كَرْهًا على أقوالهم ومقالاتهم.
ومن هنا نعرف مكانة أهل السنة وكيف أنهم أعرف الناس بالحق، وأرحم الناس بالخلق، فما ألزموا الناس إلزامًا بهذه القوة والإكراه مع أنهم يجتهدون في دعوة الناس وقيام الحق لهم، ولكن ليس بالقوة التي فعلها هؤلاء بحيث يأخذون من السلطان أمرًا، بأن من لم يقل بهذه المقالة كما فعل هؤلاء في عهد المأمون يعزل من منصبه، وبعد ذلك يطرد كما فعل وامتحن القضاة، وامتحن العلماء، وامتحن الأئمة في هذا امتحانًا عظيمًا، وهو ما يعرف بمحنة الإمام أحمد ابن حنبل أو فتنة القول بخلق القرآن، واقرأ هذا تعرف كيف أن هؤلاء المعتزلة والجهمية لما مكن لهم فعلوا الأفاعيل، وفتنة القول بخلق القرآن ليست فقط عند المعتزلة، وإنما تبناها كذلك الجهمية، وتبناها كذلك المرجئة، فهناك مشارب مختلفة اجتمعت على هذا، وامتحنت أهل السنة في ذلك.
فبدأ بعد ذلك شيخ الإسلام يريد أن يبين زمن انتشار المقالة، لأن لها زمن ظهور، وزمن انتشار، فزمن الظهور بدأ مع الجهم، وزمن الانتشار بدأ في عهد المأمون، وفي هذه المرحلة أخذت هذه المقالة أبعادًا متعددة تمثلت في الأمور التالية:
_________________
(١) المهدي بن تومرت (٥٢٤ هـ) صاحب دولة الموحدين واسمه أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن تومرت، الذي تلقب بالمهدي، وكان قد ظهر في المغرب في أوائل المائة الخامسة، وكان قد دخل إلى بلاد العراق، وتعلم طرفًا من العلم، وكان فيه طرف من الزهد والعبادة، ولما رجع إلى المغرب صعد إلى جبال المغرب ونشر دعوته بين أناس من البربر وغيرهم من الجهال الذي لا يعرفون من دين الإسلام إلا ما شاء الله فعلمهم بعض شرائع الإسلام واستجاز أن يظهر لهم أنواعًا من المخاريق ليدعوهم بها إلى الدين، وادعى أنه المهدي الذي بشر به رسول الله ﷺ. وعظم اعتقاد أتباعه فيه، واستحلوا بسبب ما علمهم من المعتقد الأشعري والفلسفي دماء ألوف مؤلفة من أهل المغرب المالكية الذين كانوا على معتقد أهل السنة واتهموهم زورًا وبهتانًا أنهم مشبهة مجسمة ولم يكونوا من أهل هذه المقالة. فكان ابن تومرت هو السبب في إدخال العقيدة الأشعرية في بلاد المغرب التي كانت قبل ذلك سنية سلفية فحسبنا الله ونعم الوكيل.
[ ١ / ٢٤١ ]
الأمر الأول: تدخل بعض خلفاء الدولة العباسية فيها بانتصارهم لخصوم أهل السنة والجماعة من المعتزلة والجهمية ومن وافقهم.
قال ابن تيمية: "فَلَمَّا ظَهَرَ هَؤُلَاءِ الْجَهْمِيَّة أَنْكَرَ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ مَقَالَتَهُمْ وَرَدُّوهَا وَقَابَلُوهَا بِمَا تَسْتَحِقُّ مِنْ الْإِنْكَارِ الشَّرْعِيِّ وَكَانَتْ خَفِيَّةً إلَى أَنْ ظَهَرَتْ وَقَوِيَتْ شَوْكَةُ الْجَهْمِيَّة فِي أَوَاخِرِ " الْمِائَةِ الْأُولَى " وَأَوَائِلِ " الثَّانِيَةِ " فِي دَوْلَةِ أَوْلَادِ الرَّشِيدِ "فَامْتَحَنُوا النَّاسَ الْمِحْنَةَ الْمَشْهُورَةَ الَّتِي دَعَوْا النَّاسَ فِيهَا إلَى الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَلَوَازِمِ ذَلِكَ: مِثْلَ إنْكَارِ الرُّؤْيَةِ وَالصِّفَاتِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَعْرَاضِ؛ فَلَوْ قَامَ بِذَاتِ اللَّهِ لَقَامَتْ بِهِ الْأَعْرَاضُ فَيَلْزَمُ التَّشْبِيهُ وَالتَّجْسِيمُ. " (^١)
الأمر الثاني: تشعب وتوسع رقعة الخلاف في هذه المسائل حيث أصبح هناك ثلاثة أقوال رئيسة في هذه المسألة:
القول الأول: أهل السنة والجماعة.
القول الثاني: المشبهة.
القول الثالث: المعطلة.
قال ابن تيمية واصفًا توسع رقعة الخلاف في هذه المسائل: "وَحَدَثَ مَعَ الْجَهْمِيَّة قَوْمٌ شَبَّهُوا اللَّهَ تَعَالَى بِخَلْقِهِ؛ فَجَعَلُوا صِفَاتِهِ مِنْ جِنْسِ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ فَأَنْكَرَ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ عَلَى الْجَهْمِيَّة الْمُعَطِّلَةِ وَعَلَى الْمُشَبِّهَةِ الْمُمَثِّلَةِ" (^٢)
وقال ابن تيمية موضحًا أقسام خصوم أهل السنة من المعطلة والمشبهة وقسم المعطلة إلى فريقين
الفريق الأول المعتزلة ومن وافقهم.
والفريق الثاني: الكلابية ومن وافقهم
فقال: "وَكَانَ إمَامُ الْمُعْتَزِلَةِ أَبُو الهذيل الْعَلَّافُ وَنَحْوُهُ مِنْ نفاة الصِّفَاتِ قَالُوا: يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ جِسْمًا وَاَللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ.
قَالَ هَؤُلَاءِ (يعني المشبهة): بَلْ هُوَ جِسْمٌ وَالْجِسْمُ هُوَ الْقَائِمُ بِنَفْسِهِ أَوْ الْمَوْجُودُ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْمَقَالَاتِ وَطَعَنُوا فِي أَدِلَّةِ نفاة الْجِسْمِ بِكَلَامِ طَوِيلٍ لَا يَتَّسِعُ لَهُ الْجَوَابُ هُنَا. ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ قَالَ: هُوَ جِسْمٌ كَالْأَجْسَامِ وَمِنْهُمْ مَنْ وَصَفَهُ بِخَصَائِصِ
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٦/ ١٣٥
(٢) مجموع الفتاوى ٦/ ١٣٥
[ ١ / ٢٤٢ ]
الْمَخْلُوقَاتِ وَحُكِيَ عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ مَقَالَاتٌ شَنِيعَةٌ.
وَجَاءَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ كُلَّابٍ فَقَالَ هُوَ وَأَتْبَاعُهُ: هُوَ الْمَوْصُوفُ بِالصِّفَاتِ وَلَكِنْ لَيْسَتْ الصِّفَاتُ أَعْرَاضًا؛ إذْ هِيَ قَدِيمَةٌ بَاقِيَةٌ لَا تَعْرِضُ وَلَا تَزُولُ وَلَكِنْ لَا يُوصَفُ بِالْأَفْعَالِ الْقَائِمَةِ بِهِ كَالْحَرَكَاتِ؛ لِأَنَّهَا تَعْرِضُ وَتَزُولُ.
فَقَالَ ابْنُ كَرَّامٍ وَأَتْبَاعُهُ: لَكِنَّهُ مَوْصُوفٌ بِالصِّفَاتِ وَإِنْ قِيلَ إنَّهَا أَعْرَاضٌ وَمَوْصُوفٌ بِالْأَفْعَالِ الْقَائِمَةِ بِنَفْسِهِ وَإِنْ كَانَتْ حَادِثَةً. وَلَمَّا قِيلَ لَهُمْ: هَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ جِسْمًا قَالُوا: نَعَمْ هُوَ جِسْمٌ كَالْأَجْسَامِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا دَائِمًا وَإِنَّمَا الْمُمْتَنِعُ أَنْ يُشَابِهَ الْمَخْلُوقَاتِ فِيمَا يَجِبُ وَيَجُوزُ وَيَمْتَنِعُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: أَطْلَقَ لَفْظَ الْجِسْمِ لَا مَعْنَاهُ. وَبَيْنَ هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمِينَ النُّظَّارِ بُحُوثٌ طَوِيلَةٌ مُسْتَوْفَاةٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَأَمَّا "السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ" فَلَمْ يَدْخُلُوا مَعَ طَائِفَةٍ مِنْ الطَّوَائِفِ فِيمَا ابْتَدَعُوهُ مِنْ نَفْيٍ أَوْ إثْبَاتٍ بَلْ اعْتَصَمُوا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَرَأَوْا ذَلِكَ هُوَ الْمُوَافِقُ لِصَرِيحِ الْعَقْلِ فَجَعَلُوا كُلَّ لَفْظٍ جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مِنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ حَقًّا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ وَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ حَقِيقَةُ مَعْنَاهُ وَكُلُّ لَفْظٍ أَحْدَثَهُ النَّاسُ فَأَثْبَتَهُ قَوْمٌ وَنَفَاهُ آخَرُونَ فَلَيْسَ عَلَيْنَا أَنْ نُطْلِقَ إثْبَاتَهُ وَلَا نَفْيَهُ حَتَّى نَفْهَمَ مُرَادَ الْمُتَكَلِّمِ" (^١)
ويلاحظ أن كلا الفريقين استعمل لفظ (الجسم) إما إثباتًا وإما نفيًا، هناك فرق بين التشبيه والتجسيم:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وفي الجملة الكلام في التمثيل والتشبيه ونفيه عن الله مقام، والكلام في التجسيم ونفيه مقام آخر.
فإن الأول دل على نفيه الكتاب والسنة وإجماع السلف والأئمة، واستفاض عنهم الإنكار على المشبهة الذين يقولون: يد كيدي، وبصر كبصري، وقدم كقدمي.
وقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء﴾ [الشورى ١١]، وقال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص ٤]، وقال: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِّيَا﴾ [مريم ٦٥]، وقال تعالى ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لله أَنْدَادًا﴾ [البقرة ٢٢]. وأيضا فنفي ذلك معروف بالدلائل العقلية التي لا تقبل النقيض، وأما الكلام في الجسم والجوهر، ونفيهما أو إثباتهما، فبدعة ليس لها أصل في كتاب الله ولا سنة رسوله، ولا تكلم أحد من السلف والأئمة بذلك نفيًا ولا إثباتًا.
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٦/ ٣٥ - ٣٦
[ ١ / ٢٤٣ ]
والنزاع بين المتنازعين في ذلك: بعضه لفظي، وبعضه معنوي، أخطأ هؤلاء من وجه وأخطأ هؤلاء من وجه.
فإن كان النزاع مع من يقول: هو جسم أو جوهر، إذا قال: لا كالأجسام ولا كالجواهر، وإنما هو في اللفظ.
فمن قال: هو كالأجسام والجواهر، يكون الكلام معه بحسب ما يفسره من المعنى.
فإن كان فسر ذلك بالتشبيه الممتنع على الله تعالى، كان قوله مردودًا.
وذلك بأن يتضمن قوله إثبات شيء من خصائص المخلوقين لله، فكل قول تضمن هذا فهو باطل.
وإن فسر قوله: جسم لا كالأجسام بإثبات معنى آخر، مع تنزيه الرب عن خصائص المخلوقين، كان الكلام معه في ثبوت ذلك المعنى وانتفائه.
فلابد أن يلحظ في هذا إثبات شيء من خصائص المخلوقين للرب أولا، وذلك مثل أن يقول: أصفه بالقدر المشترك بين سائر الأجسام والجواهر، كما أصفه بالقدر المشترك بينه وبين سائر الموجودات، وبين كل حي عليم سميع بصير، وإن كنت لا أصفه بما تختص به المخلوقات، وإلا فلو قال الرجل: هو حي لا كالأحياء، وقادر لا كالقادرين، وعليم لا كالعلماء، وسميع لا كالسمعاء، وبصير لا كالبصراء، ونحو ذلك، وأراد بذلك نفي خصائص المخلوقين، فقد أصاب.
وإن أراد نفي الحقيقة التي للحياة والعلم والقدرة ونحو ذلك، مثل أن يثبت الألفاظ وينفي المعنى الذي أثبته الله لنفسه، وهو من صفات كماله، فقد أخطأ.
إذا تبين هذا فالنزاع بين مثبتة الجوهر والجسم ونفاته، يقع من جهة المعنى فسر شيئين: أحدهما: أنهم متنازعون في تماثل الأجسام والجواهر على قولين معروفين.
فمن قال بتماثلها، قال: كل من قال: إنه جسم لزمه التمثيل.
ومن قال إنها لا تتماثل، قال: إنه لا يلزمه التمثيل.
ولهذا كان أولئك يسمون المثبتين للجسم مشبهة، بحسب ما ظنوه لازمًا لهم، كما يسمى نفاة الصفات لمثبتيها مشبهة ومجسمة، حتى سموا جميع المثبتة للصفات مشبهة، ومجسمة، وحشوية، وغثاء، وغثراء، ونحو ذلك، بحسب ما ظنوه لازمًا لهم.
لكن إذا عرف أن صاحب القول لا يلتزم هذه اللوازم، لم يجز نسبتها إليه على
[ ١ / ٢٤٤ ]
أنها قول له، سواء كانت لازمة في نفس الأمر أو غير لازمة، بل إن كانت لازمة مع فسادها، دل على فساد قوله.
وقال: (ولا ريب أن المثبتين لهذه الصفات، أربعة أصناف:
صنف يثبتونها وينفون التجسيم والتركيب والتبعيض مطلقًا، كما هي طريقة الكلابية والأشعرية، وطائفة من الكرامية كابن الهيصم وغيره، وهو قول طوائف من الحنبلية، والمالكية، والشافعية، والحنفية، كأبي الحسن التميمي، وابنه أبي الفضل، ورزق الله التميمي، والشريف أبي علي بن أبي موسى، والقاضي أبي يعلي، والشريف أبي جعفر، وأبي الوفاء بن عقيل، وأبي الحسن بن الزاغوني، -ومن لا يحصى كثرة-؛ يصرِّحون بإثبات هذه الصفات، وبنفي التجسيم والتركيب والتبعيض والتجزي والانقسام ونحو ذلك، وأول من عُرف أنه قال هذا القول هو أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب، ثم اتبعه على ذلك خلائق لا يحصيهم إلا الله.
وصنف يثبتون هذه الصفات، ولا يتعرضون للتركيب والتجسيم والتبعيض ونحو ذلك من الألفاظ المبتدعة، لا بنفي ولا إثبات؛ لكن ينزهون الله عما نزه عنه نفسه، ويقولون إنه أحد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، ويقول من يقول منهم: مأثور عن ابن عباس وغيره: أنه لا يتبعض فينفصل بعضه عن بعض، وهم متفقون على أنه لا يمكن تفريقه ولا تجزئته بمعنى انفصال شيء منه عن شيء، وهذا القول هو الذي يؤثر عن سلف الأمة وأئمتها، وعليه أئمة الفقهاء وأئمة الحديث، وأئمة الصوفية، وأهل الاتباع المحض من الحنبلية على هذا القول يحافظون على الألفاظ المأثورة، ولا يطلقون على الله نفيًا وإثباتًا إلا ما جاء به الأثر، وما كان في معناه.
وصنف ثالث: يثبتون هذه الصفات ويثبتون ما ينفيه النفاة لها، ويقولون: هو جسم لا كالأجسام، ويثبتون المعاني التي ينفيها أولئك بلفظ الجسم، وهذا قول طوائف من أهل الكلام المتقدمين والمتأخرين.
وصنف رابع: يصفونه مع كونه جسمًا بما يوصف به غيره من الأجسام، فهذا قول المشبهة الممثلة، وهم الذين ثبت عن الأمة تبديعهم وتضليلهم) (^١).
وقال ابن تيمية موضحًا أقسام خصوم أهل السنة من المعطلة والمشبهة وقسم المعطلة إلى فريقين:
الفريق الأول: المعتزلة ومن وافقهم.
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية ١/ ٢٦٩.
[ ١ / ٢٤٥ ]
والفريق الثاني: الكلابية ومن وافقهم
فقال: "وَكَانَ إمَامُ الْمُعْتَزِلَةِ أَبُو الهذيل الْعَلَّافُ وَنَحْوُهُ مِنْ نفاة الصِّفَاتِ قَالُوا: يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ جِسْمًا وَاَللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ.
قَالَ هَؤُلَاءِ (يعني المشبهة): بَلْ هُوَ جِسْمٌ وَالْجِسْمُ هُوَ الْقَائِمُ بِنَفْسِهِ أَوْ الْمَوْجُودُ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْمَقَالَاتِ وَطَعَنُوا فِي أَدِلَّةِ نفاة الْجِسْمِ بِكَلَامِ طَوِيلٍ لَا يَتَّسِعُ لَهُ الْجَوَابُ هُنَا. ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ قَالَ: هُوَ جِسْمٌ كَالْأَجْسَامِ وَمِنْهُمْ مَنْ وَصَفَهُ بِخَصَائِصِ الْمَخْلُوقَاتِ وَحُكِيَ عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ مَقَالَاتٌ شَنِيعَةٌ.
وَجَاءَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ كُلَّابٍ فَقَالَ هُوَ وَأَتْبَاعُهُ: هُوَ الْمَوْصُوفُ بِالصِّفَاتِ وَلَكِنْ لَيْسَتْ الصِّفَاتُ أَعْرَاضًا؛ إذْ هِيَ قَدِيمَةٌ بَاقِيَةٌ لَا تَعْرِضُ وَلَا تَزُولُ وَلَكِنْ لَا يُوصَفُ بِالْأَفْعَالِ الْقَائِمَةِ بِهِ كَالْحَرَكَاتِ؛ لِأَنَّهَا تَعْرِضُ وَتَزُولُ.
فَقَالَ ابْنُ كَرَّامٍ وَأَتْبَاعُهُ: لَكِنَّهُ مَوْصُوفٌ بِالصِّفَاتِ وَإِنْ قِيلَ إنَّهَا أَعْرَاضٌ وَمَوْصُوفٌ بِالْأَفْعَالِ الْقَائِمَةِ بِنَفْسِهِ وَإِنْ كَانَتْ حَادِثَةً. وَلَمَّا قِيلَ لَهُمْ: هَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ جِسْمًا قَالُوا: نَعَمْ هُوَ جِسْمٌ كَالْأَجْسَامِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا دَائِمًا وَإِنَّمَا الْمُمْتَنِعُ أَنْ يُشَابِهَ الْمَخْلُوقَاتِ فِيمَا يَجِبُ وَيَجُوزُ وَيَمْتَنِعُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: أَطْلَقَ لَفْظَ الْجِسْمِ لَا مَعْنَاهُ. وَبَيْنَ هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمِينَ النُّظَّارِ بُحُوثٌ طَوِيلَةٌ مُسْتَوْفَاةٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَأَمَّا "السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ" فَلَمْ يَدْخُلُوا مَعَ طَائِفَةٍ مِنْ الطَّوَائِفِ فِيمَا ابْتَدَعُوهُ مِنْ نَفْيٍ أَوْ إثْبَاتٍ بَلْ اعْتَصَمُوا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَرَأَوْا ذَلِكَ هُوَ الْمُوَافِقُ لِصَرِيحِ الْعَقْلِ فَجَعَلُوا كُلَّ لَفْظٍ جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مِنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ حَقًّا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ وَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ حَقِيقَةُ مَعْنَاهُ وَكُلُّ لَفْظٍ أَحْدَثَهُ النَّاسُ فَأَثْبَتَهُ قَوْمٌ وَنَفَاهُ آخَرُونَ فَلَيْسَ عَلَيْنَا أَنْ نُطْلِقَ إثْبَاتَهُ وَلَا نَفْيَهُ حَتَّى نَفْهَمَ مُرَادَ الْمُتَكَلِّمِ" (^١)
وعليه فإن الخلاف مع المعطلة لم يكن مع صنف واحد وإنما هو مع أصناف وطوائف ولكل واحد من هؤلاء قوله الذي يتميز به مع أن السلف في ذلك الحين يطلقون عليهم اسم "الجهمية" والمقام هنا يستدعي أن نعطي نبذة سريعة عن الجهمية فنقول:
كلمة الجهم أو مصطلح الجهمية: يطلق عند العلماء ويراد به أحد الأمرين:
الأمر الأول: الإطلاق الخاص فالمقصود به: الجهمية الفرقة بعينها أي أتباع الجهم بن صفوان.
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٦/ ٣٥ - ٣٦
[ ١ / ٢٤٦ ]
الأمر الثاني: أو الإطلاق العام والمقصود به: الجهمية المقالة ويشمل ذلك مع الجهمية غيرهم من الفرق الذين شاركوا الجهمية في مقالة تعطيل الصفات كالمعتزلة والكلابية والأشاعرة والماتريدية وغيرهم.
قال ابن تيمية: "الجهمية على ثلاث درجات:
فشرها الغالية: الذين ينفون أسماء الله وصفاته، وإن سموه بشيء من أسمائه الحسنى، قالوا: هو مجاز فهو في الحقيقة عندهم ليس بحي ولا عالم ولا قادر ولا سميع ولا بصير ولا تكلم ولا يتكلم، وكذلك وصف العلماء حقيقة قولهم كما ذكره الإمام أحمد فيما أخرجه في الرد على الزنادقة والجهمية:
قال: فعند ذلك تبيّن للناس أنهم لا يثبتون شيئًا، ولكنهم يدفعون عن أنفسهم الشنعة بما يقرون في العلانية، فإذا قيل لهم: فمن تعبدون؟ قالوا: نعبد من يدبر أمر هذا الخلق.
فقلنا: فهذا الذي يدبر أمر هذا الخلق، هو مجهول لا يعرف بصفة؟
قالوا: نعم. قلنا: قد عرف المسلمون أنكم لا تثبتون شيئًا، إنَّما تدفعون عن أنفسكم الشنعة بما تظهرون.
فقلنا لهم: هذا الذي يدبر هو الذي كلم موسى.
قالوا: لم يتكلم ولا يتكلم، لأنَّ الكلام لا يكون إلّا بجارحة والجوارح عن الله منتفية، وإذا سمع الجاهل قولهم يظن أنهم من أشد النَّاس تعظيمًا لله، ولا يعلم أنهم إنَّما يعود قولهم إلى ضلالة وكفر.
وقال أبو الحسن الأشعري في كتاب "الإبانة" باب الرد على الزنادقة الجهمية، في نفيهم علم الله وقدرته، قال الله ﷿: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾، وقال ﷾: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إلا بِعِلْمِهِ﴾ وقال سبحانه: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ وذكر العلم في خمسة مواضع من كتابه، وقال سبحانه: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إلا بِمَا شَاءَ﴾ وذكر تعالى القوة، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ وقال: ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ وقال سبحانه: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾.
وزعمت الجهمية والقدرية أن الله لا علم له ولا قدرة ولا حياة ولا سمع ولا بصر، وأرادوا أن ينفوا أن الله عالم قادر حي سميع بصير، فمنعهم خوف السيف من إظهار نفي ذلك، فأتوا بمعناه لأنهم إذا قالوا: لا علم ولا قدرة لله، فقد قالوا: إنه ليس بعالم ولا قادر، ووجب ذلك عليهم.
[ ١ / ٢٤٧ ]
قال: وهذا إنما أخذوه عن أهل الزندقة والتعطيل، لأنَّ الزنادقة قال كثير منهم: ليس بعالم ولا قادر ولا حي ولا سميع ولا بصير، فلم تقدر المعتزلة أن تفصح بذلك، فاتت بمعناه، وقالت: إن الله ﷿ عالم قادر حي سميع بصير من طريق التّسمية، من غير أن تثبت له علمًا أو قدرة أو سمعًا أو بصرًا.
وكذلك قال في كتاب "المقالات": الحمد لله الذي بصرنا خطأ المخطئين، وعمى العمين، وحيرة المتحيرين، الذين نفوا صفات رب العالمين، وقالوا: إن الله -جل ثناؤه وتقدست أسماؤه-لا صفات له، وإنه لا علم له، ولا قدرة له، ولا حياة له، ولا سمع له، ولا بصر له، ولا عزة له، ولا جلال له، ولا عظمة له، ولا كبرياء له، وكذلك قالوا في سائر صفات الله تعالى التي وصف بها نفسه.
"قال": وهذا قول أخذوه عن إخوانهم من المتفلسفة، الذين يزعمون أن للعالم صانعًا لم يزل، ليس بعالم ولا قادر ولا حي ولا سميع ولا بصير ولا قدير، وعبروا عنه بأنَّ قالوا نقول: عين لم يزل، ولم يزيدوا على ذلك، غير أن هؤلاء الذين وصفنا قولهم من المعتزلة في الصفات، لم يستطيعوا أن يظهروا من ذلك ما كانت الفلاسفة تظهره، فأظهروا معناه فنفوا أن يكون للباري علم وقدرة وحياة وسمع وبصر، ولولا الخوف لأظهروا ما كانت الفلاسفة تظهره من ذلك ولأفصحوا به، غير أن خوف السيف يمنعهم من إظهار ذلك.
"قال": وقد أفصح بذلك رجل يعرف بابن الإيادي، كان ينتحل قولهم، فزعم أن الباري عالم قادر سميع بصير في المجاز لا في الحقيقة.
وهذا القول الذي هو قول الغالية النفاة للأسماء حقيقة هو قول القرامطة الباطنية، ومن سبقهم من إخوانهم الصابئة الفلاسفة.
والدرجة الثَّانية من التجهم: هو تجهم المعتزلة ونحوهم الذين يقرون بأسماء الله الحسنى في الجملة، لكن ينفون صفاته، وهم -أيضًا-لا يقرون بأسماء الله الحسنى كلها على الحقيقة، بل يجعلون كثيرًا منها على المجاز، وهؤلاء هم الجهمية المشهورون.
وأمَّا الدرجة الثالثة: فهم الصفاتية المثبتون المخالفون للجهمية، لكن فيهم نوع من التجهم، كالذين يقرون بأسماء الله وصفاته في الجملة، لكن يردون طائفة من أسمائه وصفاته الخبرية، أو غير الخبرية، ويتأولونها كما تأول الأولون صفاته كلها، ومن هؤلاء من يقر بصفاته الخبرية الواردة في القرآن دون الحديث، كما عليه كثير من
[ ١ / ٢٤٨ ]
أهل الكلام والفقه وطائفة من أهل الحديث، ومنهم من يقر بالصفات الواردة في الأخبار -أيضًا- في الجملة، لكن مع نفي لبعض ما ثبت بالنصوص وبالمعقول، وذلك كأبي محمد بن كلاب ومن اتبعه، وفي هذا القسم يدخل أبو الحسن الأشعري وطوائف من أهل الفقه والكلام والحديث والتصوف، وهؤلاء إلى أهل السنة المحضة أقرب منهم إلى الجهمية والرافضة والخوارج والقدرية، لكن انتسب إليهم طائفة هم إلى الجهمية أقرب منهم إلى أهل السنة المحضة، فإن هؤلاء ينازعون المعتزلة نزاعًا عظيمًا فيما يثبتونه من الصفات وأعظم من منازعتهم سائر أهل الإثبات فيما ينفون.
وأمَّا "المتأخرون" فإنهم والوا المعتزلة وقاربوهم أكثر، وقدموهم على أهل السنة والإثبات، وخالفوا أوليهم، ومنهم من يتقارب نفيه وإثباته، وأكثر النَّاس يقولون: إن هؤلاء يتناقضون فيما يجمعونه من النفي والإثبات. " (^١)
وعليه يعلم أن لفظ الجهمية يطلق أحيانًا على وجه أخصّ، وأحيانًا يطلق على وجه أعمّ، فمثلًا ابن كثير يكتب في الرد على الجهمية، وهو لا يعني الفرقة بعينها أتباع الجهم، وإنما يريد كذلك المعتزلة، ويريد كذلك الكلابية، وأحيانًا يريد معهم الأشاعرة، والماتريدية.
فإذًا مصطلح الجهمية أحيانًا يراد به الغالية منهم وهم أتباع الجهم، وأحيانًا يدخل فيه المعتزلة والكلابية والأشاعرة والماتريدية، فالجهم تلميذ للجعد كما تقدم، أخذ عنه المقالة ولما عرف مصير الجهم فرَّ وهرب، والتحق بخرسان عند الحارث بن سريح لأنه كان خارجًا على بني أمية، وجعله الحارث هو الناطق بدعوته الذي كان يأتي لمجالس الناس ومساجدهم ويدعو إلى الخروج.
واستطاع بذلك أن ينشئ له فرقة، وتمكَّن بذلك أن تكون له مهلة من الوقت استطاع بها أن يكون له أتباع، مع أن هشام بن عبد الملك أصدر أمرًا بقتله، لكن تأخر هذا الأمر إلى قرب نهاية دولة بني أمية، وذلك عام مائة وثمانية وعشرين من الهجرة حتى نُفِّذ هذا الأمر بعد القضاء على فتنة الحارث بن سريح. فانتهى الجهم، وكان آخر أمره القتل، لكن مقالته بعد ذلك استمرت بتلاميذه.
والمعتزلة كانوا في ذلك معاصرين للجهم، لكن ما كان المعتزلة كواصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد يقولون بمقالة نفي الصفات فمقالة نفي الصفات دخلت على
_________________
(١) التسعينية ١/ ٢٦٤ - ٢٧٩
[ ١ / ٢٤٩ ]
المعتزلة بعد ذلك، أما واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، فهؤلاء رؤوس المعتزلة الذين أسَّسوا الاعتزال، فهؤلاء كانوا يعرفون بمقالة القدر، القدرية وكانوا يعرفون كذلك بمسألة مرتكب الكبيرة، وكان لهم أقوال في شأن الصحابة مثل قول واصل بن عطاء: "لو أن الفريقين علي ومعاوية جاءوا يشهدون عندي على حزمة بقل لرددت شهادة الاثنين" (^١) فكان ينظر إليهم هذه النظرة، وموقفهم من الصحابة مذكور ومحفوظ.
فالاعتزال بعد ذلك تطوَّر، فأصبح له عدة مشارب يأخذ منها، فأخذ من القدرية وأخذ من الخوارج، وأخذ من الرافضة، وأخذ من الجهمية، وأصبح يجمع أفكارًا متعددة كما ترى اليوم في بعض الجماعات، وصدق الله إذ يقول: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك: ٢٢]، فتجد في المعتزلة أقوال الخوارج، وتجد فيهم أقوال الروافض، وتجد فيهم أقوال القدرية، وتجد فيهم أقوال الجهمية.
مع أنه لم يكن أوائل المعتزلة يعرفون هذه المقالة أو يقولون بها، وإنما الأمر دخل بعد ذلك بواسطة تلاميذ هؤلاء، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح الأصفهانية أن أوائل المعتزلة "أوائل المعتزلة لم يكونوا يقولون بنفي الصفات".
فالجهمية هم أول من تبنى هذه المقالة إلى أن تلقَّفها عنهم المعتزلة، فكان هذا الأمر موجودًا حتى بعد مقتل الجهم، فمثلًا بشر بن غياث المريسي الذي يرد عليه الدارمي وغيره، ما كان معتزليًا، وإنما كان جهميًا، لأنه في مسائل الإيمان ليس مع المعتزلة وإنما هو مع المرجئة، فبالتالي الذين كانوا في فتنة القول بخلق القرآن ليس هم المعتزلة وحدهم، وإنما هو جمعٌ من أهل البدع، منهم المعتزلة، ومنهم النجارية، ومنهم الجهمية، ومنهم المرجئة، كل هؤلاء تألُّبوا على أهل السنة، ومنهم حتى الخوارج، لأن الخوارج إلى يومنا هذا يحمِلون شيئًا من هذه الأفكار كالإباضية.
فالإباضية أفكارهم المذهبية هي نفس وعين أفكار المعتزلة، يتفقون معهم في قضايا نفي الصفات، فاتفقوا في ذلك جميعًا على أهل السنة، فالمسألة ليست مقتصرة على المعتزلة. والشاهد أن الجهمية لهم وجود حتى بعد مقتل الجهم، ولهم كيان، ولم يكن أوائل المعتزلة في ذلك العهد وذلك الحين قد تلقَّفوا أقوال الجهم
_________________
(١) انظر كتاب العرش للذهبي الجزء الأول، صفحة (٥١).
[ ١ / ٢٥٠ ]
وإن كان كما هو معروف أن في تاريخ المقالات، أنَّ المقالة قد تتبناها فرقة بعينها، ثم بسبب ذلك تتلاشى الفرقة الأولى التي أحدثتها ثم بعد ذلك تنشأ فرقة أخرى تتبنى تلك المقالة، كما في مقالة القدرية.
فالقدرية الأوائل لم يكونوا معتزلة، إلى أن جاء المعتزلة وتبنُّوا فكرة القدر وحملوها، بعد ذلك تلاشى ما يسمى بالقدرية، واشتهر بعد ذلك أن القدرية هم المعتزلة، هذا معروف لمن درس في تاريخ المقالات والفرق، ولهذا الجانب أهميته ولابد أن يعتني به لأنه يعطي الصورة العامة لوقائع الأمور، فالانشغال بجزئيات المسائل لا يغني عن أخذ تصوُّر عام عن المسألة وعن نشأتها وعن تاريخها ونشأتها وتطورها، ولماذا جاء الجهمية والمعتزلة والكلابية والأشاعرة والماتريدية، كل هذا لابد أن يفهم تاريخياًّ كما يفهم في جانب الاعتقاد، فجانب تاريخ الفرق ونشأت المقالات أمر لا يستهان به؛ لأنه يضع في الذهن التصور العام عن مجمل القضية، وإن كان لا يغني عن معرفة تفاصيل المسائل، فلابد من معرفة تاريخ المعتزلة، وتاريخ الكلابية، وتاريخ الأشاعرة، وتاريخ الماتريدية، فكل هذه المسائل ينبغي أن يتم الوقوف عندها لأنها مهمة، وتعطي تصوُّرًا يعين على فهم سير الأمور كيف سارت، وكيف إلى اليوم لا يزال لذلك الفكر وجود، ولا يزال لتلك المقالات أنصار وأعوان على تغير البعض أو تلاشي البعض من تلك الفرق، وظهور مسميات أخرى.
وعلى سبيل المثال لابد وأنت تدرس هذا الباب أن تفهم ما علاقة الإباضية بنفي الصفات، فالإباضية اليوم لهم وجود، ويتبنون ويحملون فكر نفي الصفات، فمن أين جاء هذا؟
والرافضة، الإمامية أيضًا يتبنون هذا الأمر، ولو اجتمعت بأحد منهم سيعرض عليك نفس شُبَه المعتزلة، فما هي العلاقة الوثيقة التي جعلت الرافضة يتبنون الفكر الاعتزالي، كل هذا لابد أن يفهمه الدارس لهذا الباب حتى يتصور المسألة تصوُّرًا عامًا، فالقاعدة تقول: الحكم على الشيء فرع عن تصوُّره، فالتصوَّر لمجمل المسألة، ومجمل الخلاف فيها، ومجمل سيرها تاريخًا، هذا يعينك على الفصل بين المسائل لأن الكثير عندما تسأله ما قول المعتزلة في المسألة؟
تجده لا يفرق بين قولهم وقول الأشاعرة، فليس عنده تصوُّر ولا تمييز بين هؤلاء، والبعض أيضًا قد لا يتصور أن لهذا الكلام وجود إلا في المعتزلة الأوائل
[ ١ / ٢٥١ ]
وأن الاعتزال قد تلاشى وانتهى، مع أنه لم يتلاشى ولم ينتهي. فهو أمر لابد من فهمه لأنه له علاقة بنشأة المقالات وتاريخ الفرق.
ومن هنا ينبغي أن يتنبَّه أن لهذه اللفظة (الجهمية) معنىً عاماًّ، ومعنىً خاصاَّ. فتارة يراد بالجهمية كل من تلقَّف مقالة التعطيل، فيشمل ذلك أتباع جهم، ويشمل المعتزلة، ويشمل ما يسمُّون بالصفاتية وهم: الكلابية، والأشعرة، والماتريدية، فلفظ الجهمية يشمل هؤلاء؛ لأن خصوم أهل السنة في ذلك الحين ليسوا فقط المعتزلة.
فمثلًا بشر المريسي لم يكن معتزليًا؛ لأن للمعتزلة شرط في الانتساب إليهم وهو: أن الذي يكون على الاعتزال عليه أن يقول بالأصول الخمسة، وهي:
١. العدل.
٢. والتوحيد.
٣. والمنزلة بين المنزلتين.
٤. والوعد والوعيد.
٥. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فالتوحيد عندهم: نفي الصفات.
والعدل: هو القول بالقدر.
والوعد والوعيد: هو قولهم في مسائل الإيمان.
والمنزلة بين المنزلتين: هذه في مسألة مرتكب الكبيرة.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وهذا هو الأصل الخامس عند هؤلاء.
فلابد لمن يكون معتزلياًّ أن يكون على هذا.
فمثلًا بشر المريسي لم يكن يوافق هؤلاء في مسألة الإيمان، لأنه كان على الإرجاء كما هو مذهب الجهم، فلو جئت في مسائل الإيمان تجد أن الناس ثلاثة أقسام:
القسم الأول: المرجئة.
القسم الثاني: الخوارج، والمعتزلة.
القسم الثالث: أهل السنة.
فالمرجئة: هم من قالوا بمقالة الإرجاء: وهي تأخير العمل عن مسمَّى الإيمان، فالمرجئة ليسوا صنفًا واحدًا، وإنما هم أصناف خمسة وهي: الجهمية، والكرامية،
[ ١ / ٢٥٢ ]
والأشاعرة، والماتريدية، ومرجئة الفقهاء، فهم خمسة أصناف، ومقالة الإرجاء تشمل كل هؤلاء.
وكذلك مقالة التجهم تشمل: أتباع الجهم الجهمية، والمعتزلة، والكلابية، والأشاعرة، والماتريدية.
إذًا كما أن أهل الإرجاء خمسة، فإن أهل التجهم خمسة. فلذلك لفظ الجهمية تارة يراد به معنىً عامًّا يشمل كل من قال بنفي الصفات، فيدخل في ذلك أتباع الجهم، والمعتزلة، والكلابية، والأشاعرة، والماتريدية، وتارة يراد به الجهمية المحضة.
فعلى المعنى الأول يقسمونهم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الغالية أتباع الجهم.
القسم الثاني: المعتزلة.
القسم الثالث: الصفاتية.
أو يقسمونهم إلى ثلاثة درجات:
الدرجة الأولى: الغالية ويراد بهم أتباع الجهم؛ لأن هؤلاء يقولون بإنكار جميع الأسماء والصفات، لا يثبتون اسمًا، فالجهم يقول: "إن الله لا يسمَّى بشيء" (^١)، وهناك قول آخر يقول فيه: "إن الله يسمَّى باسمين فقط: الخالق، والقادر" (^٢)؛ لأنه يزعم أن هذين الاسمين ليس فيهما تشبيه، باعتبار أنه جبري فبالتالي يرى أن القدرة أمر يختص له الخالق، وأن العبد لا قدرة له ولا اختيار، فيقول: لأن الله تعالى يتفرد بالخلق والقدرة، فبالتالي لا تشبيه في هذين الاسمين فلا مانع من ذلك.
فهو تارة يقول: إن الله لا يسمَّى بشيء، وتارة يجيز اسمين فقط وهما الخالق والقادر، وأما الصفات فإنه ينفيها جميعًا، ينفي جميع الصفات، فلذلك يقال عنهم: الغالية.
والدرجة الثانية: وهم المعتزلة وتعطيلهم أقل درجة، لأنهم يقتصرون على نفي الصفات، ويثبتون الأسماء، وإن كان ينبغي أن تفهم أن إثباتهم للأسماء إنما هو إثبات شكلي، لأنهم يثبتون ألفاظها وينفون معانيها، وهم يقولون: سميع بلا سمع، ويثبتون الأسماء إثباتًا شكليًّا وينفون الصفات.
_________________
(١) انظر كتاب العرش للذهبي الجزء الأول، صفحة (٧٨).
(٢) انظر كتاب العرش للذهبي الجزء الأول، صفحة (٨٢).
[ ١ / ٢٥٣ ]
الدرجة الثالثة: هم الصفاتية، وإذا قيل: الصفاتية، فإن هذا المصطلح يعني الكلابية، والأشاعرة، والماتريدية.
وهؤلاء ينقسمون إلى قسمين:
القسم الأول: الكلابية ومعهم قدماء الأشاعرة، وإثباتهم أكثر من إثبات المتأخرين، فهم يثبتون الصفات ما عدا الصفات الاختيارية، صفات الأفعال مثل: النزول، والاستواء، والغضب، والرضا، والضحك، وغير ذلك هذه يحرِّفونها، وأما الصفات الذاتية فإنهم يثبتونها.
القسم الثاني: متأخرو الأشاعرة لأن الأشاعرة ينقسمون إلى قسمين: متقدمين، ومتأخرين. فمن طبقة الجويني ومن بعده كالغزالي والرازي، إلى يومنا هذا هؤلاء هم المتأخرون الذين يقولون بإثبات سبع صفات فقط، ونفي ما عدا السبع.
ولذلك لو جمعت بين كتاب للبيهقي وكتاب للجويني أو الغزالي أو الرازي، تجد أن إثبات البيهقي وهو من قدماء الأشاعرة أكثر بكثير مما عند الجويني أو الغزالي أو الرازي لأن المتأخرين كانوا أكثر قربًا إلى المعتزلة، فلذلك نفيهم كان أكثر وأكثر، هؤلاء المتأخرون كانوا أكثر قربًا إلى المعتزلة، فلذلك هم في النفي أكثر. أما المتقدمون من الأشاعرة فكانوا أقرب إلى أهل السنة فلذلك كان إثباتهم أكثر.
فهذا من حيث إطلاق لفظ الجهمية، فتارة يراد به جميع من قال بنفي الصفات، فلفظ الجهمية كلفظة الإرجاء، يشمل عددًا من الفرق وهي خمسة، كما أن الإرجاء خمسة. فإذا قيل الجهمية على هذا، فإن المقصود به المقالة، وفرقٌ بين المقالة والفرقة، فالمقالة قد يشترك فيها أكثر من طائفة، والفرقة تختص بطائفة معينة لها عدد من الأقوال والمقالات.
والجهمية استمرت مقالاتهم حتى القرن الخامس الهجري تقريبًا، كان يذكرون أنه ما يزال منهم في المشرق من يقول بمقالتهم، وكان آخر ما ذكر في ذلك أنها كانت في نهاوند إلى أن تلاشت ودخل أتباعها في الأشعرية، هذا أخر ما ذكر عن تاريخ الجهمية. فهذا يعني أنه كان لهم وجود.
وأما المعتزلة فأول ما تأسَّست على يد واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد وكانت البصرة مركزًا للمعتزلة، وكانت كما يقولون: البصرة عشَّ القدرية، والكوفة عشَّ التشيُّع، فكانت مقالة القدرية أظهر في البصرة.
[ ١ / ٢٥٤ ]
وواصل بن عطاء له قصة في مسألة مرتكب الكبيرة عندما جاء السائل يسأل الحسن البصري، وكان هو في مجلس الحسن البصري ومن أحد تلاميذه، وجاء السائل يسأل عن هذه المسألة، فسارع واصل بالإجابة وقال: أنه في منزلة بين المنزلتين، فجاء بمسألة مرتكب الكبيرة بقول أحدثه في هذا، إذ لم يكن هناك في ذلك الحين إلا قول الخوارج، وحكمهم على مرتكب الكبيرة، وقول أهل السنة، وقول المرجئة. فجاء واصل بقول يوافق فيه الخوارج من حيث النتيجة؛ لأن الفرق بين مقالة الخوارج ومقالة المعتزلة في هذه المسألة هو أنهم اختلفوا في حكم مرتكب الكبيرة في الدنيا، وإنما في المآل أي في الآخرة هم على قول واحد، إذ أن كلًّا من الخوارج والمعتزلة يقول: إنه خالد مخلد في النار، لكن المعتزلة يجعلونه في الدنيا لا مؤمن ولا كافر، ويقولون في منزلة بين المنزلتين.
فأظهر واصل بن عطاء هذه المقالة واعتزل مجلس الحسن البصري، ومن هنا من بعد ذلك سمي أتباعه المعتزلة. فنشأ الاعتزال في البصرة، وكانت في ذلك الوقت مرتع للبدع فكان فيها الخوارج والقدرية والمرجئة، وكذلك كان فيها شيء من التشيُّع.
فمن هنا كان الاعتزال مركبًا من عدة مقالات، فأخذ شيئًا من القدرية، وأخذ شيئًا من الخوارج، وأخذ كذلك شيئًا من الجهمية وإن كان هذا بعد ذلك. فمثلًا تأثرهم بالخوارج لأن واصل بن عطاء كان يقول في مسألة أهل صفين، ومسألة التحكيم كان يقول: إن أحد الطائفتين يعني فاسق لا بعينه، فيفسق ولكن بدون تحديث أو تعيين أي الطائفتين كذلك. وكان يقال عنه: "لو جاء علي وأصحابه ومعاوية أصحابه يشهدون عندي على حزمة بقل، لرددت شهادة الاثنين" (^١).
فبالتالي هذا يظهر مدى العلاقة بين الخوارج وبين المعتزلة فيما بعد، لأنه لا يزال إلى اليوم فكر الاعتزال موجودًا عند بقية الخوارج وهم الإباضية، والإباضية اليوم في مسائل الصفات وفي بعض المسائل على عقيدة الاعتزال، يدعون إليها بنفس الكلام الذي يقوله المعتزلة. وللاعتزال كذلك صلة بالتشيُّع لأن المعتزلة لو درسْت في تاريخهم، يزعمون أن واصل بن عطاء تتلمذ على الحسن والحسين ابني عليٍّ ﵃، فيزعمون ويدَّعون ذلك.
وبالتالي بعد هذا كان هناك تقارب بين المعتزلة والروافض، ولذلك الروافض اليوم الإمامية الاثنا عشرية، والزيدية في مسائل الأسماء والصفات يحملون فكر
_________________
(١) انظر كتاب العرش للذهبي الجزء الأول، صفحة (٥١).
[ ١ / ٢٥٥ ]
الاعتزال، فلو جئت إلى الزيدية، ولو جئت إلى الروافض تناقشهم في مسائل الصفات تجد أن ما عندهم هو ما عند المعتزلة.
وكان من أشهر مقالات واصل بن عطاء مسألة المنزلة بين المنزلتين، ومقالة القدرية، وكذلك ميله في مسائل الإيمان إلى قول الخوارج في ذلك لأنهم يقولون: "إن الإيمان قول واعتقاد وعمل لكن لا يزيد ولا ينقص" (^١).
فالناس في الإيمان ثلاثة: المرجئة، وأهل السنة والجماعة، والخوارج والمعتزلة، لأن هؤلاء يقولون: إن الإيمان لا يتفاضل ولا يتبعَّض، ويقولون: الإيمان قول واعتقاد وعمل لكنه لا يزيد ولا ينقص. فالفرق بينهم وبين أهل السنة الزيادة والنقصان، وأهل السنة يقولون: إنه يتفاضل، ويتبعضُّ، ويزيد، وينقص، أما هؤلاء يقولون: أنه شيء واحد إذا ذهب بعضه ذهب كله.
فإذًا هذه بعض أفكار المعتزلة في ذلك الحين:
- مقالة القدر، فقد تلقَّف المعتزلة مقالة القدرية حتى بعد ذلك أصبح إذا قيل: القدرية، فإن الذي يعنى بذلك هم المعتزلة في ذلك الحين، هذه واحدة، مقالة القدر.
- المقالة الثانية في مسألة الإيمان، وأنه لا يزيد ولا ينقص.
- المقالة الثالثة في مسألة مرتكب الكبيرة.
- والرابعة قولهم في مسألة التحكيم وأهل صفين.
ولم يكن عندهم في ذلك الحين مقالة التجهم، إنما هي دخلت عليهم بعد ذلك، فتلاميذ واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد هم الذين تلقَّفوا مقالة الجهمية وأضافوها إلى مقالاتهم، وهذا أمر ليس بمستبعد لأن هؤلاء مقولاتهم مركَّبة من عدد من الطوائف، فأخذوا من الخوارج شيئًا، وأخذوا من القدرية شيئًا، وأخذوا من التشيع شيئًا، فلا مانع بعد ذلك أن يأخذوا من التجهم شيئًا.
وأوائل المعتزلة لم يكونوا على مقالة الجهم، وإنما دخل فيهم التجهم بعد هذا. وكان المعتزلة بعد ذلك هم رؤوس الفتنة في مقالة الصفات، والقول بخلق القرآن فقد تزعموا هذه المسألة في زمن المأمون.
والمعتزلة استمرت إلى القرن السادس كفرقة ووجود، لكن بعد ذلك تلاشى وجودها كأفراد، ولكن بقي وجودها كمقالة.
لكن بعض مقالات المعتزلة احتضنها الأشاعرة، فالأشاعرة تأثروا تأثرًا وليس
_________________
(١) انظر كتاب التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع، صفحة (٤٣).
[ ١ / ٢٥٦ ]
احتضانًا، وكذلك الإباضية والخوارج فلو نظرت لمقالاتهم ترى اليوم مقالات المعتزلة.
وهكذا الرافضة الإمامية، فإنهم كانوا في بداية أمرهم يقولون بقول المشبهة، لكنهم تبنوا بعد ذلك قول المعتزلة في باب الصفات.
وكذلك فإن مقالة المعتزلة موجودة عند الزيدية، وإن كان الزيدية أقدم تأثرا بالاعتزال من الرافضة الإمامية الاثنا عشرية؛ لأن الرافضة في أوائلهم مشبِّهة، كانوا على التشبيه، ولكن بعد ذلك تأثروا بالمعتزلة.
فإذًا لم تمت مقالات الاعتزال وإنما هي موجودة إلى يومنا هذا بين الإباضية والزيدية والإمامية الاثنا عشرية ومتأخري الأشاعرة كما سيأتي تفصيله.
مع أن تأثر متأخري الأشاعرة بالمعتزلة كان كبيرًا وقويًا، فإن بعض أقوال المعتزلة بين الحين والآخر تظهر على أيدي بعض الأشاعرة.
وكذلك حاول المستشرقون أن يحيوا هذه الأفكار، وذلك بواسطة مدارسهم الموجودة اليوم في الغرب، فهم يتبنون الفكر الاعتزالي ويحيون تراثه، ويسعون في ذلك سعيًا حثيثًا.
والمدرسة العقلية والطعن في السنة وغير ذلك من الأمور، كل هذه أصولها عند المعتزلة، ويظهرها بين الحين والآخر أفراد يسعون إلى إظهار هذه المقالات التي هي في حقيقتها مقالات المعتزلة.
فمثلًا التشكيك في السنة، إنما بهو بعينه هو قول المعتزلة فالذي يظهر على أيدي هؤلاء العقلانيين هو في حقيقته تراث اعتزالي، فالذي يظهر في زمننا هذا ويشكك في أبي هريرة مثلًا ﵁-فإن هذا الكلام بعينه موجود عند المعتزلة يردِّدونه ويطعنون في كبار الصحابة وفي مسائل السنة، فهو ليس بجديد.
وكذلك تظهر اليوم فرق وأقوال وجماعات تُظهر شيئًا من الاعتزال، فهذا التفكير الذي أصبح له صولة وجولة ويتردد في كثير من شباب المسلمين هو فكر اعتزالي، يظهر في صور جماعات معينة وأسماء جديدة، لكن بعينها هي شُبَهُ المعتزلة نفسها تكررت وأعيدت فأحيت هذه المقالات.
فهذا يعني أن على الدارس لهذا الباب أن يعرف شيئًا من تاريخ هذه الفرق ويعرف شيئًا من مقالات هذه الفرق؛ لأنه لا يعني انتهاء فرقة بعينها كأشخاص أنه انتهت مقالاتهم، بل تظهر وتتجدد بصور ومسميات جديدة لكن هي بعينها المقالات القديمة التي توجد عند تلك الفرقة أو هذه.
[ ١ / ٢٥٧ ]
فكما أن المعتزلة احتوت مقالات عدد من الفرق، وكما أن الروافض والزيدية والإباضية احتووا الاعتزال، لكن لا يعني هذا أنه بذهاب هذه الفرق قد تلاشت، بل تتبدل، فكانوا في الماضي قدرية معتزلة، ثم هم اليوم إباضية واثنا عشرية وزيدية، ثم هم في عصرنا الحاضر تجدهم في مسمَّيات جديدة، كمن يسمُّونهم التكفير والهجرة أو جماعة الجهاد، كذلك هي الأفكار التي عند هؤلاء ولكن بمسميات جديدة.
فهنا ينبغي أن يدرس تاريخ الفرق والمقالات، وأن المقالة لا يعني وجودها، ارتباطها بفئة معينة.
فبعض طلبة العلم يربط فكرة نفي الصفات بالمعتزلة، فلا يفهم مع ذلك أنه بهذا قد يتخيل ويتوهم أن فكرة نفي الصفات انتهت بانتهاء المعتزلة كوجود وكمدرسة، ولا يعلم أن الأفكار تنتقل ويتغير وتتبدل أصحابها.
وعلى سبيل المثال الماتريدية اليوم قد تظهر في صور مختلفة، فالماتريدية في القارة الهندية تسلك خطين:
الخط الأول: خط دعوي.
يتمثل في جماعة التبليغ، فهي في أصلها ماتريدية صوفية، تتبنى الخط الصوفي الموجود عند الماتريدية.
والخط الثاني: خط تعليمي.
يتمثل في الديوبندية، فمدارس الديوبندية هي مدارس ماتريدية، فالمسميات تتجدد، فيقال عنها المدارس الديوبندية، لكن ينبغي أن تفهم أن الديوبندية هي الماتريدية. وأهل الهند يعرفون هذا
فمن هنا ينبغي أن تعرف المقالات ما أصولها، ويعرف تاريخ الفرق، وأن يعرف أنه من طبيعة المقالات أنهم قد يتلقفها البعض ثم بعد ذلك يتلقفها آخرون، فلا يعني هذا أنه بانتهاء الأشخاص انتهت المقالة، بل قد يتواصل وجودها ويتجدد، وهذا لا يعني أن انتهاء المقالة ينتهي بانتهاء من قال بها.
فقد تظهر في مسميات وصور جديدة، ومثلُ هذا يدعونا إلى أن نبحث عن تاريخ هذه المقالة ونبسط الحديث فيها، حتى يتسع أفق طالب العلم ويعرف أنه لا يتحدث عن مقالات قد انتهت وانتهى عهدها، بل هي مقالات موجودة وإن كانت مسميات هؤلاء قد تغيرت.
فلا يعني تغير مسميات هؤلاء، أن تلك المقالات قد تلاشت وتبددت بل هي اليوم موجودة.
[ ١ / ٢٥٨ ]