تحدث المصنف عن أصول وجذور هذه المقالة وذكر أنها تعود في أصلها إلى ثلاثة مشارب.
المشرب الأول: المشرب اليهودي.
المشرب الثاني المشرب الصابئ.
المشرب الثالث: المشرب الوثني.
أما المشرب الأول: فهو ما أشار إليه المصنف فقال: "وقد قيل إن الجعد أخذ مقالته عن أبان بن سمعان" (^١)، فأراد هنا أن يبين المشرب اليهودي في هذه المقالة، فهناك مشرب يهودي وهذه تسمى سلسلة الخشب كما يقول عنها علماء السلف، فهناك سلسلة الذهب، وهناك سلسلة الخشب، فاعلم أن هذه سلسلة الخشب، وأما سلسلة الذهب فهي مالك عن نافع عن ابن عمر.
فإليك سلسلة الخشب: الجهم عن الجعد بن درهم عن أبان بن سمعان، وأبان تارة يقال عنه: أبان، وتارة يقال عنه بيان بن سمعان، وأخذها أبان عن طالوت ابن
_________________
(١) انظر كتاب الفتوى الحموية الكبرى لابن تيمية الجزء الأول، صفحة (٢٣٤).
[ ١ / ٢١٤ ]
أخت لبيد بن الأعصم، وأخذها طالوت من لبيد بن الأعصم اليهودي، واليهود معروف عنهم موقفهم من الله تعالى في أسمائه وصفاته، فهم في جانب الصفات تنقَّصوا الله ﷿ ووصفوه بالبخل، ووصفوه بالتعب، ووصفوه بصفات نزَّه الله تعالى نفسه عنها في كتابه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤].
فإذًا هذا موقف اليهود من الصفات، اليهود يسمُّون الإله يهوى، يقولون عنه: يهوى، وأصل هذه الكلمة استفهام، تعني، ما هو، لأنهم لا يثبتون لله اسما، فمن مقالاتهم إنكار الأسماء لله ﷾.
فحاول اليهود بثُّ هذا الفكر الذي عندهم، لأن من اليهود من لا يثبت اسمًا لله تعالى إلا على سبيل الاستفهام، يعني ما هو. فهذا مأخذ كلمة يهوى عندهم، فيهوى يعني الإله، فهي أصلها استفهام، ما هو؟
فما يجعلون له اسما، فبالتالي ظهرت هذه المقالة من هذا الأمر الذي هو موجود عند اليهود، ومعروف في عقائدهم وتاريخهم، ومن يقرأ في عقائد اليهود في هذه الجوانب يعرف أن لهم صلة وعلاقة وثيقة بظهور هذه المقالة، وقد أشار هنا إلى شيء من أصولها. فلبيد ابن الأعصم اختُلِف، هل هو من اليهود أو حليفٌ لليهود؟ والخلاف في هذا مبثوث في كتب أهل العلم، فالشاهد أن هذا هو أصل المقالة من جهة المشرب اليهودي. فهنا قال المصنف: "إنما هو مأخوذ من تلامذة اليهود".
وأما المشرب الثاني: وهو المشرب الصابئ: فهو ما أشار إليه المصنف فقال: "وكَانَ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ هَذَا -فِيمَا قِيلَ-مِنْ أَهْلِ حَرَّانَ وَكَانَ فِيهِمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ الصَّابِئَةِ وَالْفَلَاسِفَةِ" فقيل إنه من أهل حران، وقيل: أنه دخل حران، وحران بلد الصابئة، بقايا دين النمرود، فما زال في حران إلى ذلك الوقت كثير من الصابئة والفلاسفة، بقايا أهل دين النمرود الكنعانيين، ونعرف أن إبراهيم ﵇ دعا النمرود ودعا قومه إلى الإسلام، وكانوا -أي هؤلاء-يبنون الهياكل، ويعبدون الكواكب.
فكان لهؤلاء يعني خطَّان: خط فلسفي، وخط وثني يتخذ من الهياكل أماكن للعبادة، فهناك هيكل للقمر، وهيكل للشمس، وهيكل للزهرة، وهيكل … هكذا للكواكب، كانوا يعبدون تلك الكواكب. فقال المصنف: "بَقَايَا أَهْلِ دِينِ نمرود والكنعانيين الَّذِينَ صَنَّفَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي سِحْرِهِمْ" ولعله يشير إلى ما نسب إلى الرازي من تصنيفه كتابًا في ذلك، وهو كتاب مشهور ومعروف إلى يومنا هذا،
[ ١ / ٢١٥ ]
يذكر أنه منسوب إلى الرازي وهو: السر المكتوم في السحر ومخاطبة النجوم.
فصنفه مصنفه على مذهب هؤلاء المشركين عباد الهياكل والكواكب.
وقال المصنف: "ونمرود هُوَ مَلِكُ الصَّابِئَةِ الْكَلْدَانِيِّينَ الْمُشْرِكِينَ كَمَا أَنَّ كِسْرَى مَلِكُ الْفُرْسِ وَالْمَجُوسِ وَفِرْعَوْنَ مَلِكُ مِصْرَ وَالنَّجَاشِيَّ مَلِكُ الْحَبَشَةِ وَبَطْلَيْمُوسَ مَلِكُ الْيُونَانِ وَقَيْصَرَ مَلِكُ الرُّومِ. فَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ لَا اسْمَ عَلَمٍ. " ذكر المصنف هنا أن النمرود إنما هو اسم جنس لا اسم علم، كما يقال لملك المصريين (فرعون)، وكما يقال لملك الحبشة (النجاشي)، وكما يقال يعني (قيصر) ملك الروم، وهكذا فهو اسم جنس لا اسم علم، هذا استطراد من المصنف في بيان معنى النمرود.
[ ١ / ٢١٦ ]
(٤١) "فَكَانَتْ الصَّابِئَةُ -إلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ- إذْ ذَاكَ عَلَى الشِّرْكِ وَعُلَمَاؤُهُمْ هُمْ الْفَلَاسِفَةُ وَإِنْ كَانَ الصَّابِئُ قَدْ لَا يَكُونُ مُشْرِكًا؛ بَلْ مُؤْمِنًا بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢]، وَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [المائدة: ٦٩]. لَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ أَوْ أَكْثَرَهُمْ كَانُوا كُفَّارًا أَوْ مُشْرِكِينَ؛ كَمَا أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بَدَّلُوا وَحَرَّفُوا وَصَارُوا كُفَّارًا أَوْ مُشْرِكِينَ فَأُولَئِكَ الصَّابِئُونَ -الَّذِينَ كَانُوا إذْ ذَاكَ -كَانُوا كُفَّارًا أَوْ مُشْرِكِينَ وَكَانُوا يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ وَيَبْنُونَ لَهَا الْهَيَاكِلَ. وَمَذْهَبُ الْنُّفَاةِ مِنْ هَؤُلَاءِ فِي الرَّبِّ: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلَّا صِفَاتٌ سَلْبِيَّةٌ أَوْ إضَافِيَّةٌ أَوْ مُرَكَّبَةٌ مِنْهُمَا وَهُمْ الَّذِينَ بُعَثَ إلَيْهِمْ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ ﷺ فَيَكُونُ الْجَعْدُ قَدْ أَخَذَهَا عَنْ الصَّابِئَةِ الْفَلَاسِفَةِ. وَكَذَلِكَ أَبُو نَصْرٍ الْفَارَابِيُّ دَخَلَ حَرَّانَ وَأَخَذَ عَنْ فَلَاسِفَةِ الصَّابِئِينَ تَمَامَ فَلْسَفَتِهِ".
فهؤلاء الصابئة بقايا دين النمرود كان لهم خطَّان، خط فلسفي، وخط وثني. فالخط الفلسفي عند علمائهم، والخط الوثني عند عبادهم وعوامهم، فقال المصنف هنا: "فَكَانَتْ الصَّابِئَةُ -إلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ-إذْ ذَاكَ عَلَى الشِّرْكِ، وَعُلَمَاؤُهُمْ هُمْ الْفَلَاسِفَةُ" إذًا كان عندهم بقايا فلسفة، وبعد هذا بين شيخ الإسلام، أن لفظ الصابئة جاء في القرآن في موضعين: في موضع ذم، وفي موضع مدح؛ لأن أوائل الفلاسفة كانوا يقرُّون بوجود الله تعالى، وإنما عُرِف القول بقدم العالم وإنكار وجود الله من عهد أرسطو، بدأ أرسطو هو الذي ينكر وجود الله ﷾.
فالصابئة الذين أثني الله عليهم في القرآن، كانوا أناسًا يعبدون الله تعالى على غير شريعة، أي على غير اتباع نبيٍّ بعينه، فهذا قسْمٌ من هؤلاء، وقد ذكرهم الله ﷾
[ ١ / ٢١٧ ]
فيمن ذكر من الأصناف الأخرى كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢]، فكانوا يتعبَّدون لله تعالى على غير شريعة بعينها، وهذا الذي قيل في هذا الصنف من الصابئة: قوم يعبدون الله تعالى على غير شريعة بعينها، فهؤلاء صنف قد دخلوا في هذا الحال الذي هو حال مدح.
وذمُّوا في مواضع: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧]، هذه ستة أصناف كما يقول عنها ابن عباس: "الأديان ستة خمسة للشيطان، وواحد للرحمن" (^١)، فهذا مقام ذمِّ لهؤلاء.
فإذًا لفظ الصابئة يطلق أحيانًا ويراد به، الصنف منهم الذين عبدوا الله تعالى على غير شريعة بعينها، وصنف مذموم وهم الذين كانوا على دين النمرود.
"لَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ أَوْ أَكْثَرَهُمْ كَانُوا كُفَّارًا أَوْ مُشْرِكِينَ؛ كَمَا أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بَدَّلُوا وَحَرَّفُوا وَصَارُوا كُفَّارًا أَوْ مُشْرِكِينَ"
ذكر المصنف أن قليلًا منهم كان يشملهم هذا الحال، أما أكثرهم فهم على الشرك، كما أن اليهود فيهم كذلك من حرَّف وبدَّل وغيَّر، وكذلك النصارى فيهم من حرَّف وبدَّل وغيَّر، وسائر الأصناف على هذا الحال.
لذلك تجد أن هناك آيات تثني أحيانًا على أهل الكتاب، وآيات تذمُّهم، وآيات تثني عليهم وتمدحهم. فالمدح يكون لأهل الخير منهم، والذمُّ يكون على الذين بدَّلوا وحرَّفوا دينهم، فالثناء يكون لمن تقدم منهم ولم يغيِّر، ولم يبدِّل، ولم يحرِّف، أو لمن أدرك الإسلام فكان له الفضل بحيث كان له سبق في الحق، وكان له أيضًا فضل اتباع النبي ﷺ، وهكذا تجد هذا كثيرًا في القرآن، تجده كثيرًا في القرآن.
"فَأُولَئِكَ الصَّابِئُونَ -الَّذِينَ كَانُوا إذْ ذَاكَ -كَانُوا كُفَّارًا أَوْ مُشْرِكِينَ وَكَانُوا يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ وَيَبْنُونَ لَهَا الْهَيَاكِلَ. " ومقصود المصنف أنه انتهى صنف الصابئة الذين كانوا يتعبَّدون الله على غير شريعة، فلا يكون ولا يعقل أن يكون لهؤلاء وجود أو أمر يُمدحون عليه بعد بعثت النبي ﷺ، إذ إن نبوءة النبي ﷺ كانت عامة لكل الخلق، ولا يسع أحد أن يخرج عنها. فإذًا عندما دخل الجعد حران كانت حران إذ ذاك فيها من
_________________
(١) انظر كتاب الدر المنثور للسيوطي الجزء السادس، صفحة (١٦).
[ ١ / ٢١٨ ]
كان على الشرك، وعبادة الكواكب، وبناء الهياكل، "فأولئك الصابئون" يقصد بهم الذين دخل عليهم الجعد كانوا إذ ذاك كفارًا أو مشركين، وكانوا يعبدون الكواكب ويبنون لها الهياكل.
"وَمَذْهَبُ الْنُّفَاةِ مِنْ هَؤُلَاءِ فِي الرَّبِّ: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلَّا صِفَاتٌ سَلْبِيَّةٌ أَوْ إضَافِيَّةٌ أَوْ مُرَكَّبَةٌ مِنْهُمَا وَهُمْ الَّذِينَ بُعَثَ إلَيْهِمْ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ ﷺ فَيَكُونُ الْجَعْدُ قَدْ أَخَذَهَا عَنْ الصَّابِئَةِ الْفَلَاسِفَةِ. " ومذهب النفاة من هؤلاء الذين هم فلاسفتهم: أنه ليس له إلاَّ صفات سلبية أو إضافية أو مركَّبة منهما، ويقصد بهؤلاء الذين تلقَّى عنهم الجعد وأخذ منهم الجعد، فقد كانوا أصحاب فلسفة صابئة، وفلاسفة الصابئة كان قولهم في هذه المسائل: عدم إثبات صفات الله تعالى، إذ أنه كما أسلفنا الفلاسفة عمومًا لا يرون أن هناك وجودًا لله تعالى على الحقيقة.
وبالتالي يدور كلامهم بين صفات سلبية أو إضافية.
فالسلبية مثل قولهم: لا داخل العالم، ولا خارجه، ولا فوقه، ولا تحته، ولا مباين، ولا، ولا … وتأتي اللاأت اللامتناهية، هذا جانب.
والإضافية مثل قولهم عنه: واجب الوجود، هي عبارات في حقيقتها لا تدل على أنه له صفة ثابتة، وهي عبارات يثبتونها، المقصد منها أنه ليس لله ﷿ صفات والإضافات عندهم هي أمر لا يتعلق بالذات، لأنهم في حقيقتهم لا يريدون إثبات ذاته، بل أمر خارج عن الذات كما يقولون: واجب الوجود.
فإذا قلت لهم: ما واجب الوجود؟ قال قائلهم: "واحد بسيط لا تكثر فيه بوجه من الوجوه، ولا قسمة له لا في الكَمِّ، ولا في الكيف، ولا في المعقول، ولا في اللامعقول، ولا في الهيلولي، ولا في الصورة، ولا، ولا، ولا … " عبارات منتهاها أنه في الذهن دون الخارج، أنه موجود وجودًا ذهنيًا في الخيال لا حقيقة له، فهذا كلامهم يقول لك: "واحد بسيط"، وهذه عبارات فلسفية، لابد لفهمها أن تنظر إلى تفسير معنى الواحد عندهم، فهم لا يقصدون بالواحد الوحدانية، وهكذا معنى البسيط عندهم؟
إذًا قولهم "واحد بسيط" معناه: أن وجوده وجودًا مطلقًا أي وجود ذهني، فلو فسرت هذا في عباراتهم لوجدت أن معنى الواحد عندهم: هو الوجود المطلق الذي هو في الخيال لا في الحقيقة.
وهذا هو السِتَار الذي استطاع به هؤلاء أن ينشروا كتبهم، ويبثوا مقالاتهم لأن كل
[ ١ / ٢١٩ ]
حرف، وكل كلمة تحتاج إلى قاموس لا يستطيع فهمه إلا من تربى على أيديهم، فلا يمكن أن يأتيك الواحد منهم ويقول لك مباشرة: إن وجود الله تعالى وجود ذهني لا حقيقة له في الخارج، هذه المسألة لا يمكن أن يقولها صراحة لكن يغلِّفها بغلاف فلسفي وعبارات فلسفية، حتى إذا قرأتها لم تفهم منها حرفًا، فمعنى "واحد بسيط لا تكثر فيه"؟! وما معنى "الوجود"؟! وما معنى "لا قسمة له لا في الكَمِّ ولا في الكيف؟! ولا في المعقول ولا في اللامعقول؟! ولا في المتناهي ولا في اللامتناهي؟! ولا في الهيلولي ولا في الصورة"؟!
كل هذا الكلام بحاجة إلى قاموس يوضح معنى كل عبارة وماذا تعني.
فإذًا هذا هو أصل كلام هؤلاء، ومن يدرس طريقة الفلسفة، وحبذا لو يقرأ كتاب ابن تيمية [الرد على المنطقيين] فقد أشار إلى شيء من تاريخ الفلاسفة، ومن أقوالهم، ومقالاتهم، ومن ضمنهم هؤلاء فلاسفة حران، وحران في بلاد الشام. وعلى التقسيم السياسي الآن تقع قرب الحدود التركية.
قال المصنف: "وَكَذَلِكَ أَبُو نَصْرٍ الْفَارَابِيُّ دَخَلَ حَرَّانَ وَأَخَذَ عَنْ فَلَاسِفَةِ الصَّابِئِينَ تَمَامَ فَلْسَفَتِهِ"
المصنف أراد هنا أن ما دامت المسألة تتعلق بحران، أراد أن يشير إشارة إلى الفارابي، لأن الفارابي هو أول من ترجم كتب أرسطو، وأرسطو هو أول الفلاسفة القائلين بقدم العالم، فقد أخذ الفارابي كتب أرسطو وترجمها إلى العربية، وحاول أن يصبغها بصبغة الإسلام. فالفارابي معروف تاريخه أنه من الفلاسفة الزنادقة، وكان يشتهر بالموسيقى، حتى أنهم ينسبون إليه أنه هو أول من اخترع آلة القانون، هذا من آلات الموسيقى هذا تاريخه هذا يعني مجده الذي يرجع إليه، وكما يقول يعني ابن كثير: "إن كان مات على ما كان عليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" فهو أول من ترجم كتب أرسطو، وابن سينا عيال على الفارابي في هذه المسألة، فأول من ترجم كتب هذا الملحد، يعني بشاعة هذا كمن يأخذ يعني مبادئ ستالين أو لينين ويأخذها ويترجمها إلى العربية، فكيف تأخذ كلام ملحد من ملاحدة اليونان ينكر وجود الله تعالى؟، وهو أول من قال بقدم العالم، ثم تُتَرْجِم هذا وتنقله إلى المسلمين، وتصبغه بصبغة إسلامية كالذي صبغ الشيوعية بصبغة إسلامية وسماها اشتراكية في الإسلام، فأراد أن يخضع الإسلام للاشتراكية، وأراد هذا أن يخضع الإسلام للفلسفة، فهذا في بشاعة هذا بل إن ذاك أبشع منه.
[ ١ / ٢٢٠ ]
فالفارابي دخل حران وأخذ عن فلاسفة الصابئين تمام فلسفته، وهذا يشير إلى استمرار هذه المدرسة حتى إلى عهد الفارابي، فالفارابي كان متأخرا، ومع ذلك ما زال في حران من يدعو إلى تلك الفلسفات.
قال ابن تيمية: "قيل إن أرسطو هذا بدل طريقة الصابئة الذين كانوا قبله والذين كانوا مؤمنين بالله واليوم الآخر الذين أثنى عليهم القرآن فهذا الكلام المنقول عنه يوافق ذلك وهؤلاء المحرفة المبدلة في هذه الأمة من الجهمية وغيرهم اتبعوا سنن من كان قبلهم من اليهود والنصارى وفارس والروم فغيروا فطرة الله تعالى وبدلوا كتاب الله والله ﷾ خلق عباده على الفطرة التي فطرهم عليها وبعث إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه فصلاح العباد وقوامهم بالفطرة المكملة بالشريعة المنزلة وهؤلاء بدلوا وغيروا فطرة الله وشرعته خلقه وأمره" (^١)
وهذا من حيث الأصل الصابئي.
وأما المشرب الثالث: وهو المشرب الوثني فقال عنه المصنف:
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية
[ ١ / ٢٢١ ]