الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﷺ، وبعد،
فقد من الله علي بعونه ومنه وتوفيقه بالقيام بشرح رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية المسماة " الفتوى الحموية الكبرى" في عدة دروس على بعض الطلبة، ويسر الله لي معاودة النظر في ذلك الشرح المسموع بعد تفريغ أشرطته، وكنت أمام أحد خيارين:
الخيار الأول: إما أن أكتفي بذلك الشرح الذي هو عبارة عن تعليقات مختصرة تناسب ذلك المقام، وكما يفعل البعض من الذين شرحوا تلك الكتب والرسائل والمسائل، وكما هو الحال فيما وقفت عليه من شروح للفتوى الحموية الكبرى.
والخيار الثاني: -وهو الذي اخترته هنا-وهو أن أقوم بشرح موسع لهذه الفتوى وذلك ليتناسب مع مقام التأليف كما قيل لكل مقام مقال، وسيرًا على نهج من توسع في الشروح كما فعل شارح العقيدة الطحاوية -رحمه الله تعالى- والذي لايزال نفع كتابه وفائدته أعم وأكبر، حيث يستفيد منه الطالب المبتدئ والمتوسط في الطلب والمتقدم فيه، وبحكم تخصصي الدقيق في باب الأسماء والصفات وانصراف قدر كبير من عمري واطلاعي على جوانب دقيقة في هذا الباب تأصيلًا وتقعيدًا وتأليفًا، فقد سرت في هذا الشرح هذا المسلك لعلي أفيد فيه طلبة العلم وليجدوا فيه قدرًا متميزًا على غيره من الشروح التي ألفت في شرح الفتوى الحموية الكبرى.
كما حرصت على تضمين هذا الشرح الكثير من النقول والاستشهاد بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية من مؤلفاته الأخرى المتعلقة بذات الموضوع، وكذلك من كلام تلاميذه وكذلك بكلام بقية العلماء حرصًا على تناول المسألة بأكبر قدر ممكن من النقول والاستشهادات وبخاصة إذا كانت تلك النقول تحمل المزيد من التوضيح التفصيل والتقسيم الموضحة لذلك الموضع.
[ ١ / ٥ ]
مع إقراري بأن الشرح الموسع قد يعتريه بعض التطويل أو التكرار لذكر بعض المسائل ومعاودة سردها في أكثر من موطن، ولكن لعله يشفع لي أن ذلك سببه ورود المسألة في أكثر من موطن مما يستدعي الأمر أحيانا معاودة شرحها مرة أخرى، أو ذكر طرف منها، فكلام شيخ الإسلام في الفتوى الحموية الكبرى قد يتكرر في المسألة لداعى من الدواعي ولمناسبة مقاربة لتلك المناسبة التي ورد فيها سابقًا.
كما أن الفتوى الحموية حوت نقولًا عن جملة من العلماء الذين نقل الإمام ابن تيمية قولهم في عدد من المسائل العقدية، فاستدعى المقام بيان تلك المسائل وشرحها حتى يقف الطالب على مضمون تلك المسائل وشرحها بالرغم أنها ليست من كلام شيخ الإسلام نفسه.
وفي العموم يبقى هذا الشرح محاولة لإخراج الفتوى الحموية الكبرى بصورة أوضح وأجلى وأحسب أن المطلع عليه سيقف بشكل مفصل ومقعد عن مسائل ومباحث باب الأسماء والصفات الذي هو موضوع الفتوى تأصيلًا وتقريرًا، مع أن بعض تلك المسائل لا تختص بهذا الباب تحديدًا وإنما تتعلق بأبواب العقيدة عامة.
ويبقى مع ذلك أن جهد البشر يعتريه النقص والخلل، فأرجو أن أكون قد أصبت بما كتبت، وإن كان الأمر على خلاف ذلك فأرجو على المطلع على ذلك الخلل والنقص أن يرشدني لذلك لعلي أستدركه، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
[ ١ / ٦ ]