قد وقع الخلاف في هذا الباب، وكَثُر كلام أهل الباطل فيه؛ لما عرفوا من أهميته، فبالتالي ازداد تسلطهم عليه، وأرادوا أن يَحجبوا الناس عن معرفة الله تعالى؛ لأنهم بهذا سيوصدون الباب، وإذا أُوصد الباب لم يمكن الدخول! فَكَثُر الخلاف والافتراق، فكان لا بد مِنْ مَعرفة تَنبني على الكتاب والسنة، وكان لا بد من فهم للحقِّ حتى يُتَّبع، ولا بد من معرفة للباطل حتى يُجتنب.
فباب الأسماء والصفات من أكثر الأبواب خطورة ومَزلة؛ من جهة كونه محل خلافات شديدة ومعقدة دارت رحاها بين علماء السلف من جهة والفلاسفة وأهل الكلام والمُشبهة من جهة أخرى.
فمن واجب طالب العلم: أن يَتعمق في فهم الحق المَبني على الكتاب والسنة؛ قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، فالرد إلى الله يكون بالرد إلى كتابه،
_________________
(١) «مفتاح دار السعادة» (٢/ ٩٠).
(٢) «مدارج السالكين» (١/ ٤٢٠).
[ ١ / ٤٠ ]
والرد إلى الرسول بعد وفاته يكون بالرد إلى سنته ﷺ، وقد قال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّه﴾، فالله أعلم بنفسه، وهو الذي أخبر بأسمائه وصفاته في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ، وكذلك فإن النبي ﷺ أعلم الناس بربِّه وأصدقهم خبرًا، وقد قال الله في حقه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾.
فمن الواجب على المسلم: أن يدرس هذا الباب وأن يتعمق في فهمه وفق ما ورد في الكتاب والسنة، وأن يحذر من التيارات الفلسفية التي أضَرَّت أصحابها، وأدخلتهم في دوامة الانحراف والضياع، فحالت بين قلوبهم وبين معرفة ربهم، فأصبحت قلوبهم مظلمة جاهلة بحقائق الإيمان، فترتب على ذلك إعراضهم عن الله وعن ذكره ومحبته والثناء عليه بأوصاف كماله، ونعوت جلاله، فانصرفت قُوى حُبِّهم وشوقهم وأنسهم إلى سواه.
ومعلوم: أنه لا يستقر للعبد قَدَمٌ في المعرفة-بل ولا في الإيمان-حتى يؤمن بأسماء وصفات الربِّ ﷻ، ويَعرفها معرفة تُخرجه عن حدِّ الجهل بربه، فالإيمان بالأسماء والصفات وتَعَرُّفها هو أساس الإسلام وقاعدة الإيمان وثمرة شجرة الإحسان؛ فمَن جَحدها فقد هدم أساس الإسلام والإيمان، وثمرة شجرة الإحسان، فضلًا عن أن يكون من أهل العرفان.
فينبغي للمؤمن أن يَبذل مقدوره ومستطاعه في معرفة الأسماء والصفات، وأن تكون معرفته سالمة من داء التعطيل وداء التمثيل اللذين ابتُلي بهما كثير من أهل البدع المخالفة لما جاء به الرسول ﷺ، فالمعرفة الصحيحة هي المُتلقاة من الكتاب والسنة، وما رُوي عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فهذه هي المعرفة النافعة التي لا يزال صاحبها في زيادة إيمانه وقوة يقينه، وطمأنينة أحواله.
ومما يذكره العلماء في أهمية هذا العلم- الذي هو العلم بأسماء الله وصفاته- بالإضافة إلى كونه شطر باب (الإيمان بالله تعالى): أنه أشرف العلوم؛ فهو أشرف العلوم وأعظمها وأجلها وأكبرها؛ فإذا قلنا: إن شرف العلم تابع لشرف المعلوم، فالمعلوم هنا: هو ما يليق بأسماء الله تعالى من أسمائه وصفاته ﷿، وما تَعَرَّف به إلى خلقه مما أخبر به في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ؛ من أسمائه الحسنى وصفاته العُلى؛ فأنت أمام أشرف علم تكتسبُه؛ فلا شك أن العلم شرفٌ لصاحبه، وأشرف علم يكتسبُه العبد المؤمن هو معرفة الله ﷿؛ لأن شرف العلم تابع لشرف المعلوم.
والمعلوم هنا: هو الله ﷿ وما يليق به من الأسماء والصفات والأفعال؛ فلذلك
[ ١ / ٤١ ]
ينبغي على المؤمن مع حرصه على إكمال توحيده أن يحرص كذلك على نيل هذا الشرف العظيم، وهو أن يكتسب هذا العلم الصحيح بأسماء الله وصفاته، كذلك مما يدل على شرف هذا العلم: أنه أصل العلوم وأساسها، كما يقول العلماء: «مَنْ عرف الله عرف ما سواه، ومَن جهل ربَّه فهو لما سواه أجهل» (^١).
وتأمل هذا وخذه من قول الله ﷿ حيث قال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]، وقد قال النبيُّ ﷺ في وصيته لابن عباس: «يا غلام- أو- يا غُلَيِّم: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تَجده تُجاهك» (^٢)، ونحن نعلم أنَّ حفظ الله ﷿ بمعرفته وعبادته، فإذا ما العبدُ حَفِظ الله ﷿ فإن الله تعالى تعَهَّد بحفظِه، وتعهد بصلاح أمره؛ فيجب أن نعلم أن هذا العلمَ هو أصلُ العلوم الدينية.
فنسيان العبد لربه عقوبته أن الله ﷿ يُنسيه أمرَ نفسِه وصلاحَ نفسه؛ يقول ابن القيم في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]: «تأمل هذه الآية تجد تحتها معنى شريفًا عظيمًا، وهو أنَّ مَنْ نَسِي ربَّه أنساه ذاتَه ونفسَه؛ فلم يَعرف حقيقته ولا مصالحه، بل نَسِيَ ما به صلاحُه وفلاحُه في معاشه ومَعاده؛ فصار مُعَطَّلًا مُهملًا بمنزلة الأنعام السَّائبة، بل ربُّما كانت الأنعام أخبر بمصالحها منه؛ لبقائها هداها الذي أعطاها إيَّاه خالقُها» (^٣)، وهذا تجده- كذلك- في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]، قال قتادة: «أضاع أكبر الضَّيعة؛ أضاع نفسه وعسى مع ذلك أن تجده حافظًا لما له، مُضَيِّعًا لدينه» (^٤).
فإذا أنت علمت هذا الباب أصلحت أساس العلم عندك؛ فعلمك ومعرفتك بالله ﷿ ستنبني عليها جميعُ المعارف؛ لأن هذا أصلُ العلم وأصلُ الدِّين، وإن كنت مضيعًا لهذا الباب ضَيَّعت جميعَ أحوالك وجميع أمورك وجميع مصالحك في دنياك وفي أُخراك.
_________________
(١) انظر «مفتاح دار السعادة» (١/ ٨٦).
(٢) أخرجه الترمذي (٢٥١٦)، وأحمد في «مسنده» (٢٦٦٩) من حديث ابن عباس ﵄، وقال: «حسن صحيح»، وصححه الألباني في «المشكاة» (٥٣٠٢).
(٣) «مفتاح دار السعادة» (١/ ٨٦).
(٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في «محاسبة النفس» (ص ٢٥)، وقال الإمام ابن كثير: «﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾، أي: شغل عن الدين وعبادة ربه بالدنيا، ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]، أي: أعماله وأفعاله سفه وتفريط وضياع، ولا تكن مطيعًا له ولا محبًّا لطريقته، ولا تغبطه بما هو فيه» «تفسير ابن كثير» (٥/ ١٥٤).
[ ١ / ٤٢ ]
وتأمل مَنْ كان غافلًا عن الله ﷿، وعن معرفته، وعن الإيمان بأسمائه وصفاته، ولو نظرنا إلى عينة من أحوال بعض الناس الذين غَفلوا عن الله ﷿، وغفلت قلوبهم عن ذِكر الله ﷿، وما يُصيبهم من القلق والضياع والحسرة والنَّدامة؛ فمثلًا صاحبُ المُخَدِّرَات- والعياذ بالله- يظن أن طريق سعادته عن طريق هذا الأمر الذي يُهلك صحته، ويهلك عقله، بل ويفسد عليه الضرورات الخمس المعلومة (^١)؛ فيظل صاحب هذه المخدرات يتعاطى تلك الحقنة- مثلًا- حتى يصل إلى مرحلة هو يعلم- ويجزم- أنها قد تكون أقوى من أن يتحملها هذا الجسم؛ فتكون سببًا في هلاكه، فيُختم له- والعياذ بالله- بخاتمة سوء؛ فتجده قد مات في دورة المياه- دورة الخلاء- أصبحت نهايته في ذلك المكان، وقتل نفسه بيده، وهذا مصداق قول الله تعالى: ﴿فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر: ١٩]، فإذا ما اعتنى المسلم بأصل العلم وبأصل الدين- وهو العلم بأسماء الله وصفاته- فإن ذلك سيحرك كوامن الإيمان في النفس، وسيأتي تفصيل ذلك قريبًا؛ فإذا ما ضيع هذا، فإن ذلك يكون سببًا في ضياعه في دنياه وفي أُخراه، فكما يقول ابن القيم: «بل نَسِيَ ما به صلاحُه وفلاحُه في معاشه ومَعاده» (^٢)، والعياذ بالله.
فخلاصة الأمر: ضرورة معرفة الحق بدليله، وضرورة معرفة الباطل بِشُبهه حتى يُمكن التصدي له.
وهذا الباب-بحمد الله-أُحكم إحكامًا عظيمًا، ومن آية واحدة تستطيع أن تَستخرج عِدَّة قواعد، كما سيأتيك الآن في بعض هذه القواعد؛ انظر قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، و﴿وَلِلَّهِ﴾ هذه فيها قاعدة. ﴿الْأَسْمَاءُ﴾ فيها قاعدة. ﴿الْحُسْنَى﴾ فيها قاعدة. ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ فيها قاعدة. ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠] فيها قاعدة. في آية واحدة تستخرج جملة من القواعد وجملة من المعاني، ولو أنَّنا تدبرنا كلام الله وكلام رسوله ﷺ سيكون هذا-بإذن الله تعالى- سببًا في أن تلين هذه القلوب: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦]، ستلين هذه القلوب، وسيكون هذا سببًا في فلاحها وسعادتها.
_________________
(١) وهي: (الدِّين والنَّفْس والعقل والعِرض والمال)، وقد جاء الإسلام بحفظها؛ قال الإمام الشاطبي ﵀: «اتفقت الأمة -بل سائر الملل -على أنَّ الشريعة وُضِعَت للمحافظة على هذه الضروريات الخمس …، وعِلْمُها عند الأُمَّة كالضَّروري». «الموافقات» (١/ ٣١).
(٢) تَقَدَّم كلامه قريبًا.
[ ١ / ٤٣ ]
معلوم أن دعوة الرسل تقوم على ثلاثة أمور:
الأمر الأول: تعريف الناس بربهم، لأن النبي ﷺ لما جاء إلى كفار قريش كانوا لا يعرفون الله حق المعرفة وكانوا يشركون ويعبدون الأصنام بل وعبدوا الشياطين وفعلوا ما فعلوا كل هذا لجهلهم بربهم، فأول أمور الرسالة تعريف الناس بربهم، وأن يوحدوا الله، أن يفردوا الله ﷾.
ثانيًا: تعريفهم بما يجب عليهم لربهم ألا وهو عبادته، يعني الأحكام والشرائع هذا حلالٌ وهذا حرام.
ثالثًا: تعريفهم الغاية التي سيصلون إليها وهي الجنة والنار، لذلك أنت لو قرأت النصوص تجدها كلها تدور حول هذه الثلاثة، تعريف الله بربهم، تعريفهم بالطريق الذي يوصلهم إلى الله وهو عبادة الله تعالى والذي يقربهم إلى رضوانه ويبعدهم عن سخطه وعن عقابه وعن عذابه ألا وهو الشرائع والأحكام، ثم تذكيرهم بالمآل والمرجع والمصير الذي هو يوم القيامة يوم الآخرة.
فعندما يقرأ العبد القرآن أو يقرأ نصوص السنة يجد أن النصوص كلها تدور حول هذه الأمور الثلاثة ولذلك يأخذ العبد درسًا في الدعوة، بأنه إذا دعا الناس فعليه بهذا المنهج أن يبدأ في تُعليم الناس التوحيد، ومن ثم أن يُعلمهم الشرائع والأحكام وأن يُذكرهم بالجنة والنار.
فإذا تم الاعتناء بهذه الثلاثة فقد عرف الداعية حقيقة دعوة الرسل لذلك هنا قال المصنف:
"الذي معرفته" هذا الأمر الأول.
"وعبادته" هذا الأمر الثاني.
"والوصول إليه" هذا الأمر الثالث.
وكل هذه الثلاثة ترتكز على معرفة أسماء الله وصفاته، كيف لا، وكل من أراد أن يُعلم الناس توحيد الله تعالى فإن طريقه إلى هذا أن يشرح للناس ويبين لهم أسماء الله وصفاته.
فيقول: إن الله قوي، وإن الله أحد، وإن الله صمد، وإن الله لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، وإن الله سميع وإن الله بصير وإن الله قدير وإن الله عزيز وكل هذا يأتي من معرفة أسماء الله وصفاته.
فإذًا ليس للناس من طريقٍ إلى معرفة الله تعالى إلا بمعرفة أسمائه وصفاته
[ ١ / ٤٤ ]
وأفعاله، ثم إذا أراد الداعية أن يحيي في النفوس عبادة الله تعالى والتفرد إليه فإنه سيقول لهم توبوا إلى الله لأن الله تواب، وادعوا الله لأن الله سميع وقريب يسمع الدعاء، واستغفروا الله لأن الله غفور، ثم بعد ذلك يُذكرهم باليوم الآخر ويبين لهم أن الله غفور رحيم ولكنه شديد العقاب، فكل هذا يرتكز على معرفة أسماء الله وصفاته.
وعلى هذا فإن هذا الباب هو أهم أبواب الدين فيستحيل استحالة تامة أن يكون النبي ﷺ قد قصر في بيان هذا الباب، أو ترك هذا الباب مجهولًا، بل كما يقول العلماء عند حديث: «قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن» فقالوا: قل هو الله أحد في الأسماء والصفات، ولذلك ثلث النصوص في الأسماء والصفات.
وقول المصنف: "فإذًا كيف يتوهم من في قلبه أدنى مسكة من إيمان وحكمة أن لا يكون بيان هذا الباب قد وقع من الرسول على غاية التمام، "
أي أن النبي ﷺ بين وأحكم هذا الباب، فعلى كل مؤمن به أن يزيل من ذهنه أن هذا الباب لا وجود له في الكتاب والسنة بل نصوص الكتاب والسنة مليئة به والأحاديث مستفيضة.
[ ١ / ٤٥ ]
(٧) "إذا كان قد وقع ذلك منه، فمن المحال أن [يكون] خير أمته وأفضل قرونها قصروا في هذا الباب، زائدين فيه أو ناقصين عنه. ثم من المحال أيضًا أن تكون القرون الفاضلة القرن الذي بعث فيهم رسول الله ﷺ ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم كانوا غير عالمين و[غير] قائلين في هذا الباب بالحق المبين،"
أي إذا كان النبي ﷺ قد بين ووضح وأحكم وأتقن هذا الباب، فأيضًا هل تتوقع من خير الأمة من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين أن يكونوا قد فرطوا في هذا الباب هل هذا أمر يتوقع منهم؟ والله يستحيل.
وقد يشكك مشكك فيقول: قد يكون الصحابة والتابعون كانوا مشغولين بالجهاد، وهذا أمر أشغلهم عن العلم، وهذا ليس بصحيح أبدًا فما أشغلهم الجهاد عن العلم، وما أشغلهم حتى عن العبادة والطاعة، بل كانوا رهبانًا وعُبَّادا في الليل وفرسانًا في النهار، وكانوا على حلق العلم هكذا علمهم وعودهم النبي ﷺ فكانوا أعلم هذه الأمة.
وهم أتقى الأمة، فأصحاب النبي ﷺ هم أفضلها، فهذه الخيرية ثابتة لهم من كل وجه، فهم أعلمنا، وهم أفضلنا، وهم أتقانا، ولذلك النبي ﷺ يقول: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» (^١)، وأحد جبل في المدينة معروف بكبر حجمه، فلو كان عندك مثل أحد ذهبًا ما بلغت مد أحدهم ولا نصيفه.
ويؤكد المصنف ﵀ أنه يستحيل أن يقع التقصير في هذا الباب أو الإهمال من
_________________
(١) انظر صحيح البخاري كتاب أصحاب النبي ﷺ، بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا»، برقم (٣٦٧٣)، ومسلم كتاب فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، بَابُ تَحْرِيمِ سَبِّ الصَّحَابَةِ ﵃ (٢٥٤١)، وأبو داود (٤٦٥٨)، والترمذي (٣٨٦١)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ (١١٠٧٩).
[ ١ / ٤٦ ]
خير قرون هذه الأمة وأعظمها منزلة ومكانة وعلمًا وشرفًا، ويريد المصنف أن يوضح أن المخالفين في هذا الباب قد تركوا كتاب الله تعالى وتركوا كلام رسوله ﷺ وتركوا كلام السلف الصالح رضوان الله عليهم، وأخذوا يتكلمون بكلامٍ لا أصل له في الكتاب ولا في السنة ولا حتى في كلام سلف الأمة، فالسؤال الذي يطرح نفسه مادام هذا الذي جاء به هؤلاء شيء وما كان عليه السلف شيء أخر فالأمر لا يخرج عن أحد أمرين:
إما أن يكون النبي قصر وحاشاه ﷺ.
أو يكون الصحابة والتابعون والقرون المفضلة قصروا وأيضًا حاشاهم.
أو يكون هؤلاء على غير الحق.
ورحم الله الإمام أبا العباس المقريزي القائل: " أصلُ كلّ بدعةٍ في الدين: البعدُ عن كلام السلف، والانحراف عن اعتقاد الصدر الأول (^١) "
ومن سمات أهل البدع تنقصهم للصحابة والطعن فيهم فها هي الفرق الكبار: المعتزلة والخوارج والشيعة كلهم يطعن في الصحابة رضوان الله عليهم طعنا صريحا (^٢):
أما المعتزلة فقد طعن زعيمهم النظام في أكثر الصحابة وأسقط عدالة ابن مسعود، وطعن في فتاوى علي بن أبي طالب، وثلب عثمان بن عفان، وطعن في كل من أفتى من الصحابة بالاجتهاد، وقال: إن ذلك منهم إنما كان لأجل أمرين:
الأمر الأول: إما لجهلهم بأن ذلك لا يحل لهم.
الأمر الثاني: وإما لأنهم أرادوا أن يكونوا زعماء وأرباب مذاهب تنسب إليهم.
فنسب خيار الصحابة إلى الجهل أو النفاق، ثم إنه أبطل إجماع الصحابة ولم يره حجة، وأجاز أن تجتمع الأمة على الضلالة (^٣).
وأيضا - كان زعيمهم واصل بن عطاء الغزال يشكك في عدالة علي وابنيه، وابن عباس، وطلحة، والزبير، وعائشة وكل من شهد حرب الجمل من الفريقين، فقال مقالته المشهورة: لو شهد عندي علي وطلحة على باقة بقل لم أحكم بشهادتهما؛ لعلمي بأن أحدهما فاسق ولا أعرفه بعينه.
_________________
(١) كتابه المواعظ والاعتبار (٤/ ١٩٨)
(٢) الفرق بين الفرق للبغدادي ٣١٨ وما بعدها
(٣) فضل الإجماع ص ١٤٠
[ ١ / ٤٧ ]
ووافقه على ذلك صاحبه عمرو بن عبيد وزاد عليه بأن قطع بفسق كل من الفريقين، وأطلق عمرو بن عبيد على ابنِ عمر أنه من الحشوية (^١). (^٢)
وأما الخوارج فتكفيرهم لعلي وأكثر الصحابة ﵃ واستباحتهم لدمائهم وأموالهم مشهور معلوم، بل ساقوا الكفر إلى كل من أذنب من هذه الأمة.
أما الشيعة فشعارهم الطعن في سائر الصحابة - عدا بعض آل البيت - وغلاتهم من السبئية والبيانية وغيرهم قد حكم علماء الإسلام عليهم بالردة والخروج من الدين بالكلية، والإمامية منهم ادعت ردة أكثر الصحابة بعد النبي ﷺ.
والأشاعرة ونحوهم من المتكلمين ممن يدعي في طريقة الخلف العلم والإحكام، وفي طريقة السلف السلامة دون العلم والإحكام، ويلزمهم تجهيل السلف من الصحابة والتابعين وهو طعن فيهم من هذا الوجه. ولهذا قال ابن تيمية ﵀ بعد أن حكى عنهم هذا الكلام -: "ولا ريب أن هذا شعبة من الرفض" (^٣). (^٤)
_________________
(١) قال ابن تيمية: "وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: "حَشْوِيَّةٌ" فَهَذَا اللَّفْظُ لَيْسَ لَهُ مُسَمًّى مَعْرُوفٌ لَا فِي الشَّرْعِ وَلَا فِي اللُّغَةِ وَلَا فِي الْعُرْفِ الْعَامِّ؛ وَلَكِنْ يُذْكَرُ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ تَكَلَّمَ بِهَذَا اللَّفْظِ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ. وَقَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ حَشْوِيًّا. وَأَصْلُ ذَلِكَ: أَنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ قَالَتْ قَوْلًا تُخَالِفُ بِهِ الْجُمْهُورَ وَالْعَامَّةَ يُنْسَبُ إلَى أَنَّهُ قَوْلُ الْحَشْوِيَّةِ أَيْ الَّذِينَ هُمْ حَشْوٌ فِي النَّاسِ لَيْسُوا مِنْ الْمُتَأَهِّلِينَ عِنْدَهُمْ؛ فَالْمُعْتَزِلَةُ تُسَمِّي مَنْ أَثْبَتَ الْقَدَرَ حَشْوِيًّا وَالْجَهْمِيَّة يُسَمُّونَ مُثْبِتَةَ الصِّفَاتِ حَشْوِيَّةً وَالْقَرَامِطَةُ -كَأَتْبَاعِ الْحَاكِمِ -يُسَمُّونَ مَنْ أَوْجَبَ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَالصِّيَامَ وَالْحَجَّ حَشْوِيًّا. وَهَذَا كَمَا أَنَّ الرَّافِضَةَ يُسَمُّونَ قَوْلَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ قَوْلَ الْجُمْهُورِ وَكَذَلِكَ الْفَلَاسِفَةُ تُسَمِّي ذَلِكَ قَوْلَ الْجُمْهُورِ "فَقَوْلُ الْجُمْهُورِ وَقَوْلُ الْعَامَّةِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ. فَإِنْ كَانَ قَائِلُ ذَلِكَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْخَاصَّةَ لَا تَقُولُهُ؛ وَإِنَّمَا تَقُولُهُ الْعَامَّةُ وَالْجُمْهُورُ فَأَضَافَهُ إلَيْهِمْ وَسَمَّاهُمْ حَشْوِيَّةً. وَالطَّائِفَةُ تُضَافُ تَارَةً إلَى الرَّجُلِ الَّذِي هُوَ رَأْسُ مَقَالَتِهَا كَمَا يُقَالُ: الْجَهْمِيَّة والإباضية والأزارقة والْكُلَّابِيَة وَالْأَشْعَرِيَّةُ والكَرَّامِيَة وَيُقَالُ فِي أَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ: مَالِكِيَّةٌ وَحَنَفِيَّةٌ وَشَافِعِيَّةٌ وَحَنْبَلِيَّةٌ. وَتَارَةً تُضَافُ إلَى قَوْلِهَا وَعَمَلِهَا كَمَا يُقَالُ: الرَّوَافِضُ وَالْخَوَارِجُ وَالْقَدَرِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَلَفْظَةُ الْحَشْوِيَّةِ لَا يَنْبَنِي لَا عَنْ هَذَا وَلَا عَنْ هَذَا. " مجموع الفتاوى ١٢/ ١٧٦
(٢) انظر الفرق بين الفرق ص/ ١٢١، التبصير في الدين ص ٦٩، الملل والنحل للشهرستاني ١/ ٤٩. ميزان الاعتدال ٣/ ٢٧٥ عقيدة أهل السنة في الصحابة الجزء: ٢/ ٨٢٠.
(٣) مجموع الفتاوى ٤/ ١٥٧
(٤) المصدر موقع الدرر السنية الموسوعة العقدية
[ ١ / ٤٨ ]
(٨) "لأن ضد ذلك إما عدم العلم والقول، وإما اعتقاد نقيض الحق وقول خلاف الصدق. وكلاهما ممتنع.
أما الأول فلأن من في قلبه أدنى حياة وطلب للعلم، أو نهمة في العبادة يكون البحث عن هذا الباب والسؤال عنه ومعرفة الحق فيه أكبر مقاصده وأعظم مطالبه، أعني: بيان ما ينبغي اعتقاده، لا معرفة كيفية الرب وصفاته. وليست النفوس الصحيحة إلى شيء أشوق منها إلى معرفة هذا الأمر.
وهذا أمر معلوم بالفطرة الوجدية، فكيف يتصور مع قيام هذا المقتضى الذي هو من أقوى المقتضيات أن يتخلف عنه مقتضاه في أولئك السادة في مجموع عصورهم. هذا لا يكاد يقع في أبلد الخلق، وأشدهم إعراضًا عن الله، وأعظمهم إكبابًا على طلب الدنيا، والغفلة عن ذكر الله، فكيف يقع من أولئك؟!
وأما كونهم كانوا معتقدين فيه غير الحق أو قائليه، فهذا لا يعتقده مسلم ولا عاقل عرف حال القوم. "
أورد المصنف احتمالين وأجاب عنهما في مسألة دعوى عدم تكلم القرون المفضلة في هذا الباب فقال: إن خلاف ذلك أحد أمرين:
الأمر الأول: إما أنهم لا علم لهم وبالتالي إذا كان لا علم لهم لم يتكلموا في هذا الباب.
الأمر الثاني: أو أنهم كانوا على خلاف الحق.
ثم شرع في الرد على هذين الاحتمالين فقال:
أي إنسان له رغبة في العلم ورغبة في العبادة لابد أن يجعل هذا الباب أعظم مطلوب لديه.
"وهذا أمرٌ معلوم بالفطرة فكيف يتصور مع قيام هذا المقتضى الذي هو من أقوى المقتضيات أن يتخلف عن مقتضاه" أي ما دامت النفوس تشتاق إلى معرفة
[ ١ / ٤٩ ]
هذا النوع من العلم فكيف يتخلف عن ذلك علمهم ومعرفتهم بهذا الباب، وهذا مع خير الأمة وأفضل الأمة وأعلم الأمة وأتقى الأمة.
فإذًا هذا لا يكاد يقع في أبلد الخلق فكيف تتصور أن يقع من خير الأمة وأفضل الأمة؟ فقال: "هذا لا يكاد يقع في أبلد الخلق، وأشدهم إعراضًا عن الله، وأعظمهم إكبابًا على طلب الدنيا، والغفلة عن ذكر الله، فكيف يقع من أولئك؟! "
الأمر الثاني: "وأما كونهم كانوا معتقدين فيه غير الحق أو قائليه، فهذا لا يعتقده مسلم ولا عاقل عرف حال القوم"، أي لا يعتقد إنسان أن خير القرون كانوا ضلالًا في هذا الباب حاشا وكلا، بل هم هداة مهتدون، فإذًا كل هذا يقرره المصنف لكي يصل إلى نتيجة المقصود منها أن المخالفون في هذا الباب قد تركوا هذه النصوص، تركوا الكتاب والسنة وتركوا كلام سلف الأمة واستبدلوا بذلك بضاعة أخرى.
"فَالسُّنَّةُ هِيَ مَا تَلَقَّاهُ الصَّحَابَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَلَقَّاهُ عَنْهُمْ التَّابِعُونَ ثُمَّ تَابِعُوهُمْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ بِهَا أَعْلَمَ وَعَلَيْهَا أَصْبَرَ. " (^١)
قال ابن تيمية: "الْمُثْبِتَ مُعْتَصِمٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْآثَارِ وَمَعَهُ مِنْ الْمَعْقُولَاتِ الصَّرِيحَةِ الَّتِي تُبَيِّنُ صِحَّةَ قَوْلِهِ وَفَسَادَ قَوْلِ مُنَازِعِهِ مَا لَا يَتَوَجَّهُ إلَيْهَا طَعْنٌ صَحِيحٌ.
وَأَمَّا النَّافِي فَلَيْسَ مَعَهُ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَلَا حَدِيثٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا قَوْلُ أَحَدٍ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَإِنَّمَا مَعَهُ مُجَرَّدُ رَأْيٍ يَزْعُمُ أَنَّ عَقْلَهُ دَلَّ عَلَيْهِ؛ وَمُنَازِعُهُ يُبَيِّنُ أَنَّ الْعَقْلَ إنَّمَا دَلَّ عَلَى نَقِيضِهِ وَأَنَّ خَطَأَهُ مَعْلُومٌ بِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ بِصَحِيحِ الْمَنْقُولِ" (^٢)
مع الاعتقاد الجازم بأن "أَسْمَاءُ اللَّهِ وَصِفَاتُهُ كُلُّهَا مُتَوَافِرَةٌ فِي الْكَمَالِ مُتَنَاهِيَةٌ إلَى غَايَةِ التَّمَامِ لَا يَلْحَقُ شَيْئًا مِنْهَا نَقْصٌ بِحَالِ" (^٣)
فالناظر في هذا الباب يجد نفسه بين بضاعتين: إما أن يرتضي هذه البضاعة، أو يرتضي تلك البضاعة والله تعالى يقول: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك: ٢٢]، وقد قال مزكيًا نبيه ﷺ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وقال: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨].
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٣/ ٣٥٨
(٢) مجموع الفتاوى ١٧/ ٨٠
(٣) مجموع الفتاوى ١٧/ ٧٧
[ ١ / ٥٠ ]
فمراد شيخ الإسلام بهذه المقدمة أن يقرر هذه المسألة التأصيلية؛ لأنها مفترق الطرق، فإما أن يسلك المتعلم طريق الكتاب والسنة أو طريق الفلسفة والمنطق، فلا شك أن الناشئ عندما يدرس في أي علمٍ لابد أن يكون هناك أصول يرجع إليها.
فكل إنسان يتعلم أي علم لابد أن يكون لذلك العلم مصادر وأصول يرجع إليها، فعليه أن يختار لنفسه إلى أي أصلٍ يرجع؟ فإما أن يكون أصله ومأخذه في هذا الأمر قال الله تعالى وقال رسوله ﷺ وقال الصحابة والتابعون وتابعو التابعين وقال أئمة الإسلام، أو يقول كما قال هؤلاء: قال الفضلاء قال العقلاء كما يسمونهم؟
فيريد المصنف بهذه المقدمة أن يكون في ذهن السائل أحد طريقين:
إما أن يكون الأصل والمرجع في هذه المسائل إلى أصول السلف الصالح وهي كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ، وكلام الصحابة والتابعين وتابعي التابعين وأئمة هذا الدين.
وإما أن يكون أمرًا مركبًا على الفلسفة والمنطق كما ركبه هؤلاء.
ولذلك يلاحظ أن هؤلاء الذين خالفوا منهج السلف في هذا الباب إذا أرادوا أن يُدرِّسوا أو يَدْرسوا مسائل التوحيد على طريقتهم في مدارسهم، فإنهم يحتاجون إلى الفلسفة والمنطق إذا أرادوا التوسع في هذه المسائل والتعمق فيها ولا يرجعون في ذلك إلى الكتاب والسنة؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه.
فهذه مقدمة سطرها شيخ الإسلام ليرسم فيها أصلًا وأساسًا وقاعدة يضعها القارئ أو المستمع لكلامه في ذهنه، فيقول مخاطبًا له أي الطريقين تختار وأي السبيلين تسلك؟، فإما أن ترضى بكلام الله ﷿ وكلام رسوله ﷺ وكلام سلف الأمة رضوان الله عليهم وخير هذه الأمة وإما أن تحيد عن ذلك وتسلك ما سلكه القوم في هذا الباب.
[ ١ / ٥١ ]
(٩) "ثم الكلام عنهم في هذا الباب أكثر من أن يمكن سطره في هذه الفتوى أو أضعافها، يعرف ذلك من طلبه وتتبعه،
أي أن الكلام عن منزلة السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ومكانتهم في الدين وأنهم أعلم الأمة وأفهمها وأعرفها بدين الله استفاضت به كتب أهل السنة والجماعة، بل إن علمهم وفقههم وكتبهم مبنية عليه، وقد أجمع علماء الحديث على عدالة الصحابة ﵃، ولا شك في صحة جميع ما يروونه. كما اعتبر علماء الأصول قول الصحابي مصدرا من مصادر التشريع الإسلامي.
وما من عالم من علماء الأمة إلا وهو يثني عليهم ويعرف لهم منزلتهم ومكانتهم وفضلهم وشرفهم، ولا يخالف في ذلك إلا من كان صاحب بدعة ولله در الإمام مالك إمام دار الهجرة "فقد روي أبو عروة الزبيري من ولد الزبير: كنا عند مالك بن أنس، فذكروا رجلًا ينتقص أصحاب رسول الله ﷺ، فقرأ مالك هذه الآية: [مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ] حتى بلغ [لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ]، فقال مالك: من أصبح من الناس وفي قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله ﷺ فقد أصابته هذه الآية.
قال الإمام القرطبي: لقد أحسن مالك في مقالته وأصاب في تأويله، فمن نقص واحدًا منهم أو طعن عليه في روايته فقد رد على الله رب العالمين، وأبطل شرائع المسلمين". (^١)
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن، للإمام أبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي ١٦/ ٢٨٣
[ ١ / ٥٢ ]
(١٠) "ولا يجوز أيضًا أن يكون الخالفون أعلم من السالفين كما يقوله بعض الأغبياء ممن لم يقدر قدر السلف، بل ولا عرف الله ورسوله والمؤمنين به حقيقة المعرفة المأمور بها من أن «طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم».
فإن هؤلاء المبتدعة الذين يفضّلون طريقة الخلف على طريقة السلف، إنما أتوا من حيث ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك، بمنزلة الأميين الذين قال فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨]، وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات.
فهذا الظن الفاسد أوجب تلك المقالة التي مضمونها نبذ الإسلام وراء الظهر، وقد كذبوا على طريقة السلف، وضلوا في تصويب طريقة الخلف، فجمعوا بين الجهل بطريقة السلف في الكذب عليهم، وبين الجهل والضلال في تصويب طريقة الخلف.
وسبب ذلك اعتقادهم أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص للشبهات الفاسدة التي شاركوا فيها إخوانهم من الكافرين، فلما اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر وكان مع ذلك لا بد للنصوص من معنًى بقوا مترددين بين الإيمان باللفظ وتفويض المعنى وهي التي يسمونها طريقة السلف وبين صرف اللفظ إلى معان بنوع تكلف وهي التي يسمونها طريقة الخلف فصار هذا الباطل مركبًا من فساد العقل والكفر بالسمع، فإن النفي إنما اعتمدوا فيه على أمور عقلية ظنوها بينات وهي شبهات، والسمع حرفوا فيه الكلام عن مواضعه.
فلما انبنى أمرهم على هاتين المقدمتين الكفريتين كانت النتيجة: استجهال السابقين الأولين، واستبلاههم، واعتقاد أنهم كانوا قومًا أميين، بمنزلة الصالحين من العامة، لم يتبحروا في حقائق العلم بالله، ولم يتفطنوا لدقائق العلم الإلهي، وأن الخلف الفضلاء حازوا قصب السبق في هذا كله".
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ١ / ٥٣ ]
من المعلوم أن أهل الباطل حاولوا بشتى الطرق والأساليب نصر باطلهم، وبما أن قولهم يقوم في أساسه على محاربة النصوص الشرعية وفهم السلف الصالح لها باعتبارها المنطلق الأساس لدى أهل السنة والجماعة تأصيلًا وتقريرًا، فإن من جملة ما زعموه مقولتهم المشهورة «طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم».
وقد شرع المصنف في الرد على هذه المقولة من عدة أوجه منها:
أولًا: أن هذا القول لا يصدر إلا "ممن لم يقدر قدر السلف، بل ولا عرف الله ورسوله والمؤمنين به حقيقة المعرفة المأمور بها"
ثانيًا: أن هؤلاء المعطلة إنما قالوا ما قالوا إلا لزعمهم الفاسد أن السلف لا يعرفون معاني القرآن والسنة، وأنهم مجرد أناس يؤمنون بألفاظ لا يعرفون معانيها، فقال المصنف: "إنما أتوا من حيث ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك".
ثالثًا: أن هذه المقولة تجمع بين الجهل بطريقة السلف بالكذب على السلف، والجهل والضلال في تصويب طريقة الخلف "فجمعوا بين الجهل بطريقة السلف في الكذب عليهم، وبين الجهل والضلال في تصويب طريقة الخلف. "
رابعًا: أن هذه المقولة مبنية على فساد في العقل وكفر بالسمع أما فساد العقل فهو جعلهم العقل أساسًا في هذا الباب، وجعلوا ما ركبوه من شبه عقلية هي الأساس الذي يعتمد عليه في تأصيل وتقرير مسائل هذا الباب العظيم الذي هو باب الإلهيات، وبما أن النصوص الشرعية تخالف ما جاؤا به فقد عمدوا لتحريفها، وهذا ما عناه المصنف بقوله: "فصار هذا الباطل مركبًا من فساد العقل والكفر بالسمع، فإن النفي إنما اعتمدوا فيه على أمور عقلية ظنوها بينات وهي شبهات، والسمع حرفوا فيه الكلام عن مواضعه. "
خامسًا: أن سبب هذه المقولة الباطلة هو معتقد هؤلاء في باب الأسماء والصفات، حيث نفوا قيام الصفات بالله تعالى بناء على مشاركتهم لأهل الباطل من الفلاسفة على اختلاف مشاربهم، الذين أنكروا أن يوصف الله بصفات قائمة به حقيقة وغاية أمرهم أنهم جعلوا وجود الله وجودًا ذهنيًا لا حقيقة له في الخارج، فربط المصنف بين معتقد هؤلاء ومن سبقهم فقال: "وسبب ذلك اعتقادهم أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص للشبهات الفاسدة التي شاركوا فيها إخوانهم من الكافرين، "
[ ١ / ٥٤ ]
سادسًا: أن مقولة هؤلاء إنما هي نتيجة لما ركبوه من باطل بنوا عليه معتقدهم في هذا الباب، وكما هو الحال في ترتيب الأمور المنطقية أن الكلام يتركب من مقدمات ونتائج فإن هذه المقولة ركبت من مقدمتين ونتيجة وهذه النتيجة مؤداها كما ذكر المصنف: "فلما انبنى أمرهم على هاتين المقدمتين الكفريتين كانت النتيجة: استجهال السابقين الأولين، واستبلاههم، واعتقاد أنهم كانوا قومًا أميين، بمنزلة الصالحين من العامة، لم يتبحروا في حقائق العلم بالله، ولم يتفطنوا لدقائق العلم الإلهي، وأن الخلف الفضلاء حازوا قصب السبق في هذا كله. "
وهذه المقولة ردها غير واحد من العلماء:
فهذا الحافظ ابن حجر يقول: عن بعض أهل العلم: (قول من قال: "طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أحكم" ليس بمستقيم، لأنه ظن أن طريقة السلف مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه في ذلك، وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات.
فجمع هذا القائل بين الجهل بطريقة السلف، والدعوى في طريقة الخلف، وليس الأمر كما ظن، بل السلف في غاية المعرفة بما يليق بالله تعالى، وفي غاية التعظيم له، والخضوع لأمره، والتسليم لمراده، وليس من سلك طريق الخلف واثقًا بأن الذي يتأوله هو المراد، ولا يمنعه القطع بصحة تأويله) (^١)
وقال الإمام ابن أبي العز الحنفي: "فإن لازم هذا أن يكون الله أنزل على رسوله كلامًا لا يعلم معناه جميع الأمة، ولا الرسول، ويكون الراسخون في العلم لا حظ لهم في معرفة معناه سوى قولهم]: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ رَبِّنَا [آل عمران: ٧ وهذا القدر يقوله غير الراسخ في العلم من المؤمنين والراسخون في العلم يجب امتيازهم عن عوام المؤمنين في ذلك" (^٢)
قال الإمام الشوكاني ﵀: "فهم - أي أهل الكلام - متفقون فيما بينهم على أن طريق السلف أسلم، ولكن زعموا أن طريق الخلف أعلم، فكان غاية ما ظفروا به من هذه الأعلمية لطريق الخلف أن تمنى محققوهم وأذكياؤهم في آخر أمرهم دين العجائز، وقالوا: هنيئا للعامة، فتدبر هذه الأعلمية التي حاصلها أن يهنئ من ظفر بها للجاهل الجهل البسيط، ويتمنى أنه في عدادهم، وممن يدين بدينهم، ويمشي على طريقهم، فإن هذا ينادي بأعلى صوت، ويدل بأوضح دلالة على أن هذه
_________________
(١) فتح الباري ١٣/ ٣٥٢
(٢) شرح العقيدة الطحاوية ص ٢٣٤
[ ١ / ٥٥ ]
الأعلمية التي طلبوها: الجهل خير منها بكثير، فما ظنك بعلم يقر صاحبه على نفسه: أن الجهل خير منه، وينتهي عند البلوغ إلى غايته، والوصول إلى نهايته أن يكون جاهلا به، عاطلا عنه، ففي هذا عبرة للمعتدين وآية بينة للناظرين .. " (^١)
قال ابن تيمية: "قد ذم أهل العلم والإيمان من أئمة العلم والدين من جميع الطوائف من خرج عما جاء به الرسول ﷺ في الأقوال والأعمال باطنا أو ظاهرا.
ومدحهم هو لمن وافق ما جاء به الرسول ﷺ، ومن كان موافقًا من وجه ومخالفا من وجه كالعاصي الذي يعلم أنه عاص فهو ممدوح من جهة موافقته، مذموم من جهة مخالفته.
وهذا مذهب سلف الأئمة وأئمتها من الصحابة ومن سلك سبيلهم في مسائل الأسماء والأحكام، " (^٢)
وقال ابن تيمية: "ومعلوم أن كل من سلك إلى الله جل وعز علما وعملا بطريق ليست مشروعة موافقة للكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأئمة وأئمتها فلا بد أن يقع في بدعة قولية أو عملية، فإن السائر إذا سار على غير الطريق المهيأ فلا بد أن يسلك بنيات الطرق، وإن كان ما يفعله الرجل من ذلك قد يكون مجتهدًا فيه مخطئًا مغفورًا له خطؤه، وقد يكون ذنبًا، وقد يكون فسقًا، وقد يكون كفرًا، بخلاف الطريقة المشروعة في العلم والعمل فإنها أقوم الطرق ليس فيها عوج كما قال تعالى: (إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ). " (^٣)
_________________
(١) التحف في مذاهب السلف للشوكاني ص ١٦ ط: الصحابة
(٢) شرح العقيدة الأصفهانية ١/ ١٨٩
(٣) شرح العقيدة الأصفهانية ١/ ١٨٠
[ ١ / ٥٦ ]
(١١) "ثم هذا القول إذا تدبره الإنسان وجده في غاية الجهالة، بل في غاية الضلالة. كيف يكون هؤلاء المتأخرون لا سيما والإشارة بالخلف إلى ضرب من المتكلمين الذين كثر في باب الدين اضطرابهم، وغلظ عن معرفة الله حجابهم، وأخبر الواقف على نهايات إقدامهم بما انتهى إليه من مرامهم. حيث يقول:
لعمري لقد طفتُ المعاهدَ كلَّها .. وسَيَّرتُ طَرْفي بين تلك المعالِمِ
فلم أرَ إلا واضعًا كفَّ حائرٍ … على ذقَنٍ أو قارعًا سِنَّ نادمِ
وأقروا على نفوسهم بما قالوه متمثلين به أو منشئين له فيما صنفوه من كتبهم؛ كقول بعض رؤسائهم:
نهاية إقدام العقول عقالُ … وأكثر سعي العالمين ضلالُ
وأرواحنا في وحشة من جسومنا … وغاية دنيانا أذى ووبالُ
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا … سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا.
[لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلًا، ولا تروي غليلًا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن. أقرأُ في الإثبات ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، وأقرأُ في النفي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]، ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي].
ويقول الآخر [منهم]: «لقد خضت البحر الخضم، وتركت أهل الإسلام وعلومهم، وخضت في الذي نهوني عنه، والآن إن لم يتداركني ربي برحمة [منه] فالويل لفلان، وها أنا ذا أموت على عقيدة أمي» ويقول الآخر منهم: «أكثر الناس شكًا عند الموت أصحاب الكلام».
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ١ / ٥٧ ]
شرع المصنف في إيراد نماذج من نهايات تجارب بعض كبار أئمة المتكلمين الذين بلغوا نهاية المطاف ووصلوا إلى نتيجة مفادها الحيرة والاضطراب وقد حكى بعضهم تلك الحال التي وصلوا إليها فهذا وهذا الشهرستاني يصف حال المتكلمين في قوله:
لعمري لقد طفتُ المعاهدَ كلَّها … وسَيَّرتُ طَرْفي بين تلك المعالِمِ
فلم أرَ إلا واضعًا كفَّ حائرٍ … على ذقَنٍ أو قارعًا سِنَّ نادمِ (^١)
وقد عارض الإمام الصنعاني هذه الأبيات بقوله:
لعلك أهملت الطواف بمعهدِ الرَّ … سول ومن لاقاه من كل عالمِ
فما حار من يهدي بهدي محمدٍ … ولستَ تراه قارعا سن نادم (^٢)
ووُجِدَ بخطِ الشيخِ سُليمانِ بن عبدِ اللهِ ابن شيخِ الإسلام محمد بن عبد الوهاب أحسن الله لهم المآب وأجزل لهم الثواب في هامش الحموية على بيتي الشهرستاني ما صورته:
قد قلتُ أبياتًا جوابا على البيتين الَذين أنشدهما الشهرستاني في كتابه "نهاية الإقدام":
أظُنُكَ أهملتَ الطوافَ بمعهدٍ … لخيرِ الهداةِ المرسَلِينَ الأكارمِ
وطوَّفتَ في عَمْياءَ بادٍ ضَلالهُا … بناها ذوو الإشراكِ مِنْ كلِ ظالمِ
فلاسفةٌ لا يعرفونَ إلاهَهم … ومعبودَهم، فاعجب لهذِي العظائم
فلو كُنْتَ أكثرتَ الطوافَ بمعهدِ … الرَسُولِ ومَنْ لاقاهُ مِنْ كلِ عالمِ
لما كُنْتَ حيرانًا كمَنْ تَبِعَ الخطَا … مع الجهلِ بالتنزيلِ مثلَ البهائمِ
فَما ضَلَّ مَنْ يَمشي على إثْرِ أحمد … ولستَ تراهُ قارعًا سِنَّ نادمِ
وهذا الفخر الرازي (^٣) يقول:
نهاية إقدام العقول عقالُ … وأكثر سعي العالمين ضلالُ
وأرواحنا في وحشة من جسومنا … وغاية دنيانا أذى ووبالُ
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا … سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
وهذا نص ما ذكره الرازي في خاتمة كتابه أقسام اللذات أورده هنا بتمامه ردًا
_________________
(١) نهاية الإقدام (٣) والأبيات فيها اختلاف في بعض العبارات في الشطر الأول من البيت الأول عما أورده المصنف هنا: حيث ورد في الكتاب (لقد طفت في تلك المعاهد كلها)
(٢) نقلها الشيخ محمد رشاد سالم في تحقيقه لكتاب درء التعارض ١/ ١٥٩
(٣) درء تعارض العقل والنقل ١/ ١٦٠
[ ١ / ٥٨ ]
على من يشكك في صحة نسبة هذا الكلام إليه حيث يقول: "فلهذه الأسباب نقول: ليتنا بقينا على العدم الأول! وليتنا ما شاهدنا هذا العالم! وليت النفس لم تتعلّق بهذا البدن! وفي هذا المعنى قلت:
نهاية إقدام العقول عقال … وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا … وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا … سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
فكم قد رأينا في رجال ودولة … فبادوا جميعًا مسرعين وزالوا
كم من جبال قد علت شرفاتها … رجال فزالوا والجبال جبال
واعلم أني بعد التوغل في هذه المضائق، والتعمّق في الاستكشاف عن أسرار هذه الحقائق، رأيت الأصوب والأصلح في هذا الباب طريقة القرآن العظيم، والفرقان الكريم وهو ترك التعمق، والاستدلال بأقسام أجسام السموات والأرضين على وجود رب العالمين، ثم المبالغة في التعظيم من غير خوض في التفاصيل،
فاقرأ في التنزيه:
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ [محمد: ٣٨].
وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١].
وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١].
واقرأ في الإثبات:
قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥].
وقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠].
وقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠].
وأقرأ في أن الكل من الله:
قوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨].
وفي تنزيهه عما لا ينبغي:
قوله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] الآية، وعلى هذا القانون فقس.
وأقول من صميم القلب، ومن داخل الروح: إني مقرُّ بأن كل ما كان هو الأكمل الأفضل الأعظم الأجل فهو لك، وكل ما فيه عيبُ أو نقص فأنت منزه عنه.
ومقر بأنّ عقلي وقهمي قاصرٌ عن الوصول إلى كنه حقيقة ذرة من ذرات
[ ١ / ٥٩ ]
مخلوقاتك، ومقر بأني ما مدحتك بما يليق بك؛ لأن المدائح محصورة في نوعين:
إمّا في شرح صفات الجلال، وهو تنزيه الله عمّا لا ينبغي.
وإما في شرح صفات الإكرام، وهو وصف الله بكونه خالقا لهذا العالم.
أما الأوّل، ففيه سوء أدب من بعض الوجوه؛ لأن الرجل إذا قال للسلطان: "أنت لست بأعمى، ولست بأصم ولا أبرص"، فإنه يستوجب الزجر والحجر.
وأما الثاني، ففيه سوء أدب؛ لأن جميع كمالات المخلوقات بالنسبة إلى كمال الخالق نقائص؛ فشرح كمال الخالق بنسب إضافية إلى المخلوق سوء أدب.
فيا رب العزة! إني مقر بأني لا أقدر على مدحك إلا من أحد هذين الطريقين. ومقر بأن كل واحد منهما لا يليق بجلالك وبعزتك. ولكني كالمعذور؛ حيث لا أعرف شيئا سواه، ولا أهتدي إلى ما هو أعلى منه. " (^١) انتهى كلامه.
فالرازي يقر هنا فيقول: " رأيت الأصوب والأصلح في هذا الباب: طريقة القرآن العظيم، والفرقان الكريم".
فليت هذه الرسالة من الرازي يتعظ بها من يطلع عليها من هو مصر على اتباع علم الكلام، والرازي معروف مكانته ومنزلته لدى أهل الكلام فهو منظر الأشعرية المتأخرة حيث لم يأتي على الأشاعرة المتأخرين مثله، ومن بعده هم عيال عليه حتى يومنا هذا.
قال ابن القيم معقبًا على كلام الرازي بعد أن نقله: "فليتأمل اللبيب ما في كلام هذا الفاضل من العبر فإنه لم يأت في المتأخرين من حصل من العلوم العقلية ما حصله ووقف على نهايات أقدام العقلاء وغايات مباحث الفضلاء وضرب بعضها ببعض ومخضها أشد المخض، فما رآها تشفي علة داء الجهالة ولا تروي غلة ظمأ الشوق والطلب، وأنها لم تحل عنه عقدة واحدة من هذه العقد الثلاث التي عقدها أرباب المعقولات على قافية القلب.
١ - فلم يستيقظ لمعرفة ذات الله ولا صفاته ولا أفعاله، وصدق والله فإنه شاك في ذات رب العالمين هل له ماهية غير الوجود المطلق يختص بها أم ماهيته نفس وجوده الواجب، ومات ولم تنحل له عقدتها.
٢ - وشاك في صفاته هل هي أمور وجودية أم نسب إضافية عدمية ومات ولم تنحل له عقدتها.
_________________
(١) أقسام اللذات للرازي ص ٢٦٢ - ٢٦٣
[ ١ / ٦٠ ]
٣ - وشاك في أفعاله هل هي مقارنة له أزلا وأبدا لم تزل معه أم الفعل متأخر عنه تأخرا لا نهاية لأمده فصار فاعلا بعد أن لم يكن فاعلا ومات لم تنحل له عقدتها.
فننظر في كتبه الكلامية قول المتكلمين، وفي كتبه الفلسفية قول الفلاسفة، وفي كتبه التي خلط فيها بين الطريقتين يضرب أقوال هؤلاء بهؤلاء، وهؤلاء بهؤلاء، ويجلس بينهما حائرا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء" (^١)
وأما توبة الجويني فقال عنها المصنف: "ويقول الآخر [منهم]: «لقد خضت البحر الخضم، وتركت أهل الإسلام وعلومهم، وخضت في الذي نهوني عنه، والآن إن لم يتداركني ربي برحمة [منه] فالويل لفلان، وها أنا ذا أموت على عقيدة أمي» (^٢)
وهذا أبو حامد الغزالي يقول كما ذكر المصنف: "ويقول الآخر منهم: «أكثر الناس شكًا عند الموت أصحاب الكلام».
قال ابن تيمية في معرض حديثه عن تجربة الغزالي وما حكاه عن نفسه وأنه طالع كتب أهل الكلام، ثم الفلاسفة، ثم الباطنية، ثم المتصوفة: "ولهذا تبين له في آخر عمره إن طريق الصوفية لا تحصل مقصوده فطلب الهدى من طريق الآثار النبوية، وأخذ يشتغل بالبخاري ومسلم، ومات في أثناء ذلك على أحسن أحواله وكان كارها ما وقع في كتبه من نحو هذه الأمور ممّا أنكره الناس عليه، حتى قال المازري وغيره ما معناه: " (^٣)
وقال أيضًا: "وأبو حامد لم ينشأ بين من كان يعرف طريقة هؤلاء، ولا تلقى عن هذه الطبقة، ولا كان خبيرا بطريقة الصحابة والتابعين، بل كان يقول عن نفسه أنه مزجي البضاعة في الحديث، ولهذا يوجد في كتبه من الأحاديث الموضوعة والحكايات الموضوعة ما لا يعتمد عليه من له علم بالآثار، ولكن نفعه الله تعالى بما وجده في كتب الصوفية والفقهاء من ذلك كتاب أبي طالب ورسالة القشيري وغير ذلك، وبما وجده في كتب
_________________
(١) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة ٢/ ٦٦٦
(٢) ذكر ابن الجوزي: أن الحافظ أبا جعفر قال: سمعت أبا المعالي يقول: "ركبت البحر الخضم، وغصت في الذي نهى أهل الإسلام عنه، كل ذلك في طلب الحق، وكنت أهرب في سالف الدهر من التقليد، والآن فقد رجعت عن الكل إلى كلمة الحق، عليكم بدين العجائز، فإن لم يدركني الحق بلطيف بره، وإلا فالويل لابن الجويني". راجع: المنتظم ٩/ ١٩. وقد ذكر هذا الخبر: الذهبي في سير أعلام النبلاء ١٨/ ٤٧٠ - ٤٧١، والسبكي في طبقاته ٥/ ١٨٥، وابن تيمية في التسعينية ١/ ١٩٨
(٣) شرح العقيدة الأصفهانية ١/ ١٧٤
[ ١ / ٦١ ]
أصحاب الشافعي ونحو ذلك فخيار ما يأتي به ما يأخذ من هؤلاء وهؤلاء. " (^١)
والمصنف يريد هنا الإشارة إلى أن أهل الكلام الذين سلكوا هذا الباب حالهم دائر بين ثلاثة أحوال:
الحال الأول: حال التوبة والندم والرجوع إلى مذهب أهل السنة والجماعة.
والحال الثاني: حال الشك والارتياب، ومن ذلك ما نقله عن الغزالي، وقد ذكر المصنف نماذج لحال هؤلاء ومن ذلك قوله: "وقد بلغني بإسناد متصل عن بعض رؤوسهم وهو الحونجي صاحب (كشف الأسرار في المنطق)، وهو عند كثير منهم غاية في هذا الفن. أنه قال عند الموت: "أموت وما علمت شيئا إلا أن الممكن يفتقر إلى الواجب. ثم قال: الافتقار وصف عدمي. أموت وما علمت شيئا" (^٢)
وقال ابن تيمية ﵀: "حدثني من قرأ على ابن واصل الحموي أنه قال: أبيت بالليل، وأستلقي على ظهري، وأضع الملحفة على وجهي وأبيت أقابل أدلة هؤلاء بأدلة هؤلاء وبالعكس، وأصبح وما ترجح عندي شيء" (^٣)
وقال آخر: "بت البارحة أفكر إلى الصباح في دليل على التوحيد سالم عن المعارض فما وجدته" (^٤)
قال ابن تيمية: "ولو جمعت ما بلغني في هذا الباب عن أعيان هؤلاء كفلان وفلان لكان شيئًا كثيرًا، وما لم يبلغني من حيرتهم وتشككهم أكثر وأكثر (^٥) "
وقال أبو الوفاء بن عقيل ﵀: "وقد أفضى الكلام بأهله إلى الشكوك، وكثير منهم إلى الإلحاد؛ تشم روائح الإلحاد من فلتات كلام المتكلمين … " (^٦)
والحال الثالث: هو التردد والانتقال من قول إلى قول ويصف المصنف حال هؤلاء بقوله: "إنك تجد أهل الكلام أكثر الناس انتقالا من قول إلى قول، وجزما بالقول في موضع، وجزما بنقيضه، وتكفير قائله في موضع آخر، وهذا دليل عدم اليقين، فإن الإيمان كما قال فيه قيصر لما سأل أبا سفيان عمن أسلم مع النبي ﷺ: هل يرجع أحد منهم عن دينه سخطة له، بعد أن يدخل فيه؟ قال: لا. قال: وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشته القلوب، لا يسخطه أحد. ولهذا قال بعض السلف -
_________________
(١) شرح العقيدة الأصفهانية ١/ ١٨٠
(٢) درء تعارض العقل والنقل ٣/ ٢٦٢
(٣) درء تعارض العقل والنقل ٣/ ٢٦٣
(٤) درء تعارض العقل والنقل ٣/ ٢٦٣
(٥) درء تعارض العقل والنقل ١/ ١٦٦
(٦) تلبيس إبليس لابن الجوزي ص ٨٥
[ ١ / ٦٢ ]
عمر بن عبد العزيز أو غيره -: من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر التنقل" (^١)
أما أهل السنة والحديث فما يعلم أحد من علمائهم، ولا صالح عامتهم رجع قط عن قوله واعتقاده، بل هم أعظم الناس صبرا على ذلك، وإن امتحنوا بأنواع المحن، وفتنوا بأنواع الفتن، وهذه حال الأنبياء وأتباعهم من المتقدمين، كأهل الأخدود ونحوهم، وكسلف الأمة من الصحابة والتابعين وغيرهم من الأئمة.
ومن صبر من أهل الأهواء على قوله، فذاك لما فيه من الحق، إذ لابد في كل بدعة - عليها طائفة كبيرة - من الحق الذي جاء به الرسول ﷺ ويوافق عليه أهل السنة والحديث، ما يوجب قبولها، إذ الباطل المحض لا يقبل بحال.
وبالجملة: فالثبات والاستقرار في أهل الحديث والسنة أضعاف أضعاف ما هو عند أهل الكلام والفلسفة. " (^٢)
وقال ابن القيم يصف حالهم: "وأضعاف ذلك من المسائل التي عولوا فيها على مجرد عقل أفضلهم وأشدهم حيرة وتناقضا واضطرابا فيها لا يثبت له فيها قول، بل تارة يقول بالقول ويجزم به، وتارة يقول بضده ويجزم به، وتارة يحار ويقف وتتعارض عنده الأدلة العقلية، وأهل الكلام والفلسفة أشد اختلافا وتنازعا بينهم فيها من جميع أرباب العلوم على الإطلاق ولهذا كلما كان الرجل منهم أفضل كان إقراره بالجهل والحيرة على نفسه أعظم، كما قال بعض العارفين أكثر الناس شكا عند الموت أهل الكلام:
وقال أفضل المتأخرين من هؤلاء لتلاميذه عند الموت: "أشهدكم أني أموت وما عرفت مسألة واحدة إلا مسألة افتقار الممكن إلى واجب، ثم قال والافتقار أمر عدمي فها أنا ذا أموت وما عرفت شيئا".
وقال ابن الجويني عند موته: "لقد خضت البحر الخضم وخليت أهل الإسلام وعلومهم وما أدري على ماذا أموت أشهدكم أني أموت على عقيدة أمي". وقال آخر في خطبة كتابه في الكلام لعمري:
لقد طفت في تلك المعاهد كلها … وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعا كف حائر … على ذقن أو قارعا سن نادم" (^٣)
_________________
(١) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ٢/ ١١٦
(٢) مجموع الفتاوى ٤/ ٥٠
(٣) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة ٢/ ٦٦٣
[ ١ / ٦٣ ]
قال ابن القيم بعد أن أورد جملة من تجارب أهل الكلام وما وصلوا إليه من حيرة واضطراب: "فهذا اعتراف هؤلاء الفضلاء في آخر سيرهم بما أفادتهم الأدلة العقلية من ضد اليقين ومن الحيرة والشك، فمن الذي شكا من القرآن والسنة والأدلة اللفظية هذه الشكاية، ومن الذي ذكر أنها حيرته ولم تهده أو ليس بها هدى الله أنبياءه ورسله وخير خلقه، قال تعالى لأكمل خلقه وأوفرهم عقلا: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ: ٥٠] فهذا أكمل الخلق عقلا يخبر أن اهتداءه بالأدلة اللفظية التي أوحاها الله إليه؛ وهؤلاء المتهوكون المتحيرون يقولون أنها لا تفيد يقينا ولا علمًا ولا هدى وهذا موضع المثل المشهور (رمتني بدائها وانسلت). " (^١)
وأصحاب الكلام وصفهم المصنف في هذا المتن بقوله:
_________________
(١) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة ٢/ ٦٦٩
[ ١ / ٦٤ ]
(١٢) "ثم [هؤلاء المتكلمون المخالفون للسلف] إذا حقق عليهم الأمر لم يوجد عندهم من حقيقة العلم بالله وخالص المعرفة به خبر، ولم يقفوا من ذلك على عين ولا أثر، كيف يكون هؤلاء المحجوبون المنقوصون المسبوقون الحيارى المتهوكون: أعلم بالله وأسمائه وصفاته، وأحكم في باب آياته وذاته من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، من ورثة الأنبياء وخلفاء الرسل، وأعلام الهدى ومصابيح الدجى، الذين بهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا، الذين وهبهم الله من العلم والحكمة ما برزوا به على سائر أتباع الأنبياء، [فضلًا عن سائر الأمم الذين لا كتاب لهم]، وأحاطوا من حقائق المعارف، وبواطن الحقائق، بما لو جمعت حكمة غيرهم إليها لاستحيا من يطلب المقابلة.
ثم كيف يكون خير قرون الأمة، أنقص في العلم والحكمة لا سيما العلم بالله وأحكام آياته وأسمائه من هؤلاء الأصاغر بالنسبة إليهم؟
أم كيف يكون أفراخ المتفلسفة وأتباع الهند واليونان، وورثة المجوس والمشركين، وضلال اليهود والنصارى والصابئين وأشكالهم وأشباههم؛ أعلم بالله من ورثة الأنبياء وأهل القرآن والإيمان؟!
وإنما قدمت هذه المقدمة لأن من استقرت هذه المقدمة عنده علم طريق الهدى أين هو في هذا الباب وغيره، وعلم أن الضلال والتهوّك إنما استولى على كثير من المتأخرين بنبذهم كتاب الله وراء ظهورهم، وإعراضهم عما بعث الله به محمدًا ﷺ من البيّنات والهدى، وتركهم البحث عن طريق السابقين والتابعين والتماسهم علم معرفة الله ممن لم يعرف الله بإقراره على نفسه، ولشهادة الأمة على ذلك، وبدلالات كثيرة، وليس غرضي واحدًا، وإنما أصف نوع هؤلاء، ونوع هؤلاء. "
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ١ / ٦٥ ]
ولا يزال المصنف-رحمه الله تعالى-يبين في هذه المقدمة أن حقيقة الكلام والصراع القائم في هذه المسألة، أي مسألة الأسماء والصفات، إنما هو صراعٌ بين فريقين، فريقٌ اعتمد العقل علمًا وأصلًا، وبعد ذلك بعقله الفاسد أخذ يطعن في الشرع، ويترك نصوص الكتاب والسنة، ويترك ما كان عليه الصحابة والتابعون وتابعو التابعين ومن جاء بعدهم في هذا الباب، واعتمد على ظلمات مركبة من المنطق والفلسفة، وعقد عليها أمورًا في هذا الباب أوجبت عند هؤلاء رد كثير من نصوص الصفات، وسبق وأن بينَّا أن هذا الفريق لم يعملوا بنصوص الكتاب والسنة، وأن من يقرأ في كتب القوم، يجد أن هذه الكتب اعتمدت على مقدمات منطقية فلسفية أخذوها من فلاسفة اليونان وفلاسفة الهند وغيرهم، وبنوا عليها معتقدهم في هذا الباب، وبالتالي فإن الصراع قائم بين نصوص الكتاب والسنة وبين فلسفة اليونان وفلسفة الهند وغيرها من الفلسفات التي تأثر بها هؤلاء وأدخلوها على المسلمين على صورة مضيئة توهم أن هذا هو الحق؟
قال ابن تيمية: "ومن علم أن المتكلمين من المتفلسفة وغيرهم في الغالب يعلم الذكي منهم والعاقل: أنه ليس هو فيما يقوله على بصيرة، وأن حجته ليست ببينة، وإنما هي كما -قيل فيها:] إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ [] الذاريات: ٨ [
حجج تهافت كالزجاج تخالها حقا وكل كاسر مكسور
ويعلم العليم البصير أنهم من وجه مستحقون ما قاله الشافعي ﵁ حيث قال: "حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في القبائل والعشائر، ويقال: هذا جزاء من أعرض عن الكتاب والسنة وأقبل على الكلام " (^١).
ومن وجه آخر إذا نظرت إليهم بعين القدر - والحيرة مستولية عليهم، والشيطان مستحوذ عليهم - رحمتهم وترفقت بهم؛ أوتوا ذكاء وما أوتوا زكاء، وأعطوا فهوما وما أعطوا علوما، وأعطوا سمعا وأبصارا وأفئدة] فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُم مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون [الأحقاف: ٢٦]. ومن كان عليما بهذه الأمور: تبين له بذلك حذق السلف وعلمهم وخبرتهم حيث حذروا عن الكلام ونهوا عنه، وذموا أهله وعابوهم، وعلم أن من
_________________
(١) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ٢/ ١٩٣
[ ١ / ٦٦ ]
ابتغى الهدى في غير الكتاب والسنة لم يزدد من الله إلا بعدا" (^١)
قال ابن رجب الحنبلي: "وقد ابتلينا بجهلة من الناس يعتقدون في بعض من توسع في القول من المتأخرين أنه أعلم ممن تقدم. فمنهم من يظن في شخص أنه أعلم من كل من تقدم من الصحابة ومن بعدهم لكثرة بيانه ومقاله. ومنهم من يقول هو أعلم من الفقهاء المشهورين المتبوعين. وهذا يلزم منه ما قبله لأن هؤلاء الفقهاء المشهورين المتبوعين أكثر قولا ممن كان قبلهم فإذا كان من بعدهم أعلم منهم لاتساع قوله كان أعلم ممن كان أقل منهم قولا بطريق الأولى. كالثوري والأوزاعي والليث. وابن المبارك. وطبقتهم. وممن قبلهم من التابعين والصحابة أيضًا.
فإن هؤلاء كلهم أقل كلامًا ممن جاء بعدهم وهذا تنقص عظيم بالسلف الصالح وإساءة ظن بهم ونسبته لهم إلى الجهل وقصور العلم ولا حول ولا قوة إلا باللَه ولقد صدق ابن مسعود في قوله في الصحابة أنهم أبر الأمة قلوبًا. وأعمقها علومًا. وأقلها تكلفًا. وروي نحوه عن ابن عمر أيضًا. وفي هذا إشارة إلى أن من بعدهم أقل علومًا وأكثر تكلفًا.
وقال ابن مسعودًا أيضًا: "إنكم في زمان كثير علماؤه قليل خطباؤه وسيأتي بعدكم زمان قليل علماؤه كثير خطباؤه فمن كثر علمه، وقل قوله فهو الممدوح، ومن كان بالعكس فهو مذموم. " (^٢)
وهذه المسألة تقودنا إلى أن هناك في الواقع في فكر السلمين هناك ثلاثة مناهج:
المنهج الأول: منهجٌ اعتمد الكتاب والسنة وكلام القرون الأولى من الصحابة والتابعين، وعادوا في عامة جميع أمور الدين سواءٌ كانت أمورًا تتعلق بالاعتقاد أو تتعلق بالعبادات أو تتعلق بالمعاملات، أو تتعلق بغير ذلك من أحكام الإسلام كل هذا عادوا فيه إلى منهج الكتاب والسنة، وهذا هو المنهج السليم الذي سار عليه من تمسك بمنهج سلف الأمة وتمسك بكلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ وكلام السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين رضوان الله عليهم أجمعين، وكلام الأئمة الأربعة - رحمهم الله تعالى - ومن صار على نهجهم، وهذا المنهج قائم يدعو الناس جميعًا أن يأخذوا أمر دينهم من كلام ربهم ﷿ ومن سنة نبيهم ﷺ، وكلام السلف الصالح والتابعين وتابعي التابعين وأئمة هذا الدين رضوان الله تعالى عيهم أجمعين، فالله ﷾ وأخبر في كتابه فقال: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، وقال تعالى:
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٥/ ١١٩
(٢) بيان فضل علم السلف على علم الخلف ص ٤
[ ١ / ٦٧ ]
﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢].
وفي هذه الآية جمع الله ﷾ بين الكتاب والسنة، فقال سبحانه عن كتابه العزيز: ﴿رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ فسماه الله روحًا، وقال عن رسوله ﷺ: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
فمن تمسك بكلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ وعاد في كل أمرٍ من أمور الدين، سواء كان هذا الأمر يتعلق بجانب بالاعتقاد أو بجانب العبادة، أو بجانب المعاملات والآداب وسائر أمور الدين رجع إلى تلك النصوص وأخذها واعتمد عليها، وكذلك استقرء ما جاء فيها من أحكام، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢].
المنهج الثاني: ما يُسمى المنهج الفلسفي أو المنهج العقلي أو المنهج الكلامي، والمقصود به قول الفلاسفة أو قول أهل الكلام أو العقلانيين.
فهؤلاء قوم جاؤا إلى ميراث أولئك الملاحدة والفلاسفة وأخذوا به، وركبوا تلك القواعد المنطقية الفلسفية، وبعد ذلك جعلوا من هذه القواعد حقائق لا تقبل الشك أو الجدل وجعلوها أمورًا غير قابلة للرد.
ولذلك على هذا الأساس أخذوا يطعنون الكتاب والسنة، فطعنوا في المتواتر، وطعنوا في الآحاد، أما المتواتر فقالوا إنه ظني، والدليل العقلي قطعي، أي تلك القواعد المنطقية الفلسفية التي ركبوها وكانت من صنعهم، هي في ظنهم واعتقادهم أنها قطعية ثابتة لا تقبل النزاع ولا الأخذ ولا الرد.
أما نصوص الكتاب والسنة، وإن كانت قد ثبتت بالتواتر، فإنها في اعتبارهم ظنية أي ظنية من جهة دلالتها وبذلك لا يمكن أن تعارض الأمور الظنية الأمور القطعية، والظنية في نظرهم المتواتر من نصوص الكتاب والسنة. وإذا لم تكن النصوص متواترة وكانت أخبار آحاد فإن القاعدة عندهم تقول إن أخبار الآحاد لا تقبل في باب الاعتقاد بمعنى أنها مرفوضة تمامًا ولا تقبل، وهذا الكلام يقرره هؤلاء في كتبهم، فكتبهم تنص على هذا فيما يسمونه قانون التأويل، فأخذوا يطعنون في نصوص الكتاب والسنة إن استطاعوا أن يطعنوا في ثبوتها طعنوا، وليتهم طعنوا في ثبوتها على قواعد المحدثين لكان الأمر على الرأس والعين، فإذا لم يثبت الحديث ولم تصح الرواية ولم يصل إلى درجة الصحة أو الحسن فلا بأس أن نردها، ولكن وإن جاء في البخاري ومسلم واتفقا عليهما فإنه عند هؤلاء لا يقبل في
[ ١ / ٦٨ ]
باب العقائد على حد قولهم، وهذا المنهج العقلاني ليس مقتصرًا على باب العقائد بل تجده أيضًا في علوم التفسير وتجده كذلك في أبواب الفقه وتجده في كثير من فنون العلم وخذ مثلًا مدراس التفسير فمدارس التفسير ثلاثة هي:
التفسير بالمأثور وهذا منهج أهل الحديث وأهل السنة من الاعتماد على الكتاب والسنة وكلام السلف وجعله أساسًا في تفسير كتاب الله العزيز.
وهناك التفسير بالرأي وهذا هو المنهج العقلاني الذي يقول به هؤلاء وهو التفسير بالرأي وبما تراه العقول دون الرجوع إلى نصوص الكتاب والسنة، فهناك من فسر القرآن بالرأي الناشئ عن هوى كما فسرت المعتزلة والخوارج والإباضية والرافضة والأشاعرة والماتريدية القرآن بآرائهم وأهوائهم وتركوا تفاسير السلف إلى تفاسير محدثة فهؤلاء مذمومون، لأنهم فسروا القرآن برأي لا دليل عليه ولا حجة فيه وإنما نشأ ذلك التفسير عن هوى فهذا رأي مذموم ومردود على صاحبه.
أما من فسر القرآن بالاجتهاد والاستنباط، وكان اجتهادهم واستنباطهم صحيحا، وهذا إنما يسوغ إذا كمل لدي المفسر شروط جواز التفسير بالاجتهاد والاستنباط، وقد جمع الشروط التي بها يجوز للمفسر أن يفسر القرآن بالاجتهاد والاستنباط.
المنهج الثالث: هو المنهج الباطني، فبعد أن ذكرنا كلًا من المنهج السلفي والمنهج العقلاني بقي المنهج الباطني.
وهناك التفسير الباطني الإشاري أو التفسير بالرمز الذي يوجد عند غلاة المتصوفة والرافضة إذ جعلوا لهم رموزًا تخصهم يفسرون على أساسها نصوص الكتاب العزيز، فإنهم يقولون إن الظاهر غير مراد أصلا وإنما المراد الباطن وقصدهم نفي الشريعة
والمنهج الباطني إما رافضي أو صوفي، والمنهج الصوفي يقوم على الوجد والذوق والكشف والمنامات والرؤى، فهؤلاء إذا بدى لهم أن يشرعوا أمرًا فإن قائلهم يقول رأيت النبي ﷺ في المنام والتقيت به وقال لي كذا وكذا، وبعد ذلك خرج للناس بطريقة صوفية جديدة أو بتشريع أمر من الأمور.
والناس يدورون بين أحد هذه المناهج أو يكون عند بعضهم خليط بين منهج ومنهج فأحيانا تجد الشخص يجمع بين المنهج الصوفي والمنهج العقلاني.
ولذلك يجد الإنسان نفسه أمام قضية مصيرية، فإما أن نكون عند طلب هذا العلم أن نرتضي لأنفسنا طريقًا ومنهجا يقوم على قال الله تعالى وقال رسوله ﷺ، وقال ابن عباس ﵄، وقال ابن جبير، وقال أبو حنيفة، وقال مالك، وقال الشافعي، وقال
[ ١ / ٦٩ ]
الإمام أحمد، وقال ابن قتيبة، فإما أن نكون على هذا المنهج في تعلمنا لهذا الدين.
وإما أن نطوي هذه الصفحة ونستبعدها ونأتي مع من يقول قال الفضلاء قال العقلاء قال الحكماء ونؤسس على ذلك قواعد منطقية وفلسفية نبنيها ونرتبها ثم بعد ذلك نهجر كتاب الله ﷿ ونهجر كلام رسوله ﷺ ونعرض عن كلام السلف الصالح وأئمة هذا الدين.
وإما أن نأخذ بالمنهج الثالث الذي يقول بأن هذه الأمور تؤخذ عن طريق أنواع من السلوك والطرق ثم بعد ذلك يقول أصحابها حدثني قلبي عن ربي، ورأيت ربي، ورأيت النبي ﷺ في المنام، أو كشف لي الحجاب، وهكذا بالذوق والمنامات وغير ذلك.
فالناس اليوم لا يخرجون في تلقيهم عن هذه المناهج الثلاثة أو جمعوا بين منهج الصوفي ومنهج الفلسفي وهذا كثير عند طوائف من الناس، وسبب خلطهم بين هذين المنهجين لأن المهج الفلسفي منهج فكري نظري يفتقر للنواحي السلوكية العملية والمنهج الصوفي منهج عملي سلوكي يفتقر للنواحي العلمية.
فالمنهج الصوفي يركز على الناحية السلوكية والتربية العملية، ولكن طرق سلوكية أحدثها هؤلاء من عند أنفسهم وجعلوها من دين الله تعالى وهي لم ترد في دين الله تعالى وصدق المصطفى ﷺ إذ يقول: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» (^١).
فعلى طالب العلم أن يتصور هذه المناهج وهذه المدارس ولا تغب عنه طالما هو في سبيل العلم وطريق العلم، فطالب العلم وهو يدرس فنون العلم من عقيدة وتفسير وفقه وأصول يجد هذه المدارس ماثلة أمامه.
فهؤلاء الذين يتكلم عنهم شيخ الإسلام في هذه المقدمة صاروا على منهج فلسفي، وجاؤوا بقواعد منطقية وفلسفية، ولذلك لا تجد هذا العلم يُدرَّس في مدارس أولئك من أهل الكلام كالأشاعرة والماتريدية والمعتزلة، إلا وبجانبه يقومون بتدريس المنطق، فهذا العلم له لغته الخاصة فلا يستطيع الدارس لديهم أن يفهم الكلام المذكور في أمهات كتبهم إلا من خلال علم المنطق والفلسفة قال ابن تيمية: "فإني كنت دائما أعلم أن المنطق اليوناني لا يحتاج إليه الذكي ولا
_________________
(١) انظر صحيح البخاري كِتَابُ الصُّلْحِ، بَابُ إِذَا اصْطَلَحُوا عَلَى صُلْحِ جَوْرٍ فَالصُّلْحُ مَرْدُودٌ، برقم (٢٦٩٧)، ومسلم كِتَابُ الْأَقْضِيَةِ، بَابُ نَقْضِ الْأَحْكَامِ الْبَاطِلَةِ، وَرَدِّ مُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ (١٧١٨)، وأبو داود (٤٦٠٦)، وابن ماجه (١٤)، والإمام أحمد في المسند الْمُلْحَقُ الْمُسْتَدْرَكُ مِنْ مُسْنَدِ الْأَنْصَارِ بَقِيَّةُ خَامِسَ عَشَرَ الْأَنْصَارِ (٢٦٠٣٣).
[ ١ / ٧٠ ]
ينتفع به البليد" (^١).
ولا شك أن طالب العلم عندما يكون على منهج النبوة فإنه ليس بحاجة لتعلم تلك العلوم وجعلها أساسًا لصياغة علم العقيدة ففرق بين المنهجين.
فكل بدعة تقوم في مقابلها تموت السنة، فهؤلاء لما أحيوا بدعة المنطق والفلسفة، كان مقابل هذا أن أماتوا علم مصطلح الحديث، وبالتالي لا تجد عند عامة هؤلاء علم أو معرفة بالصحيح من السقيم، لا عند أهل الفلسفة والكلام ولا عند أهل التصوف.
ولذلك تجد أن كتب هؤلاء مملوءة بأحاديث موضوعة أحيانًا وأحاديث مكذوبة، والواحد منهم لا يدري ولا يفرق هل هذا ثبتت صحته أو لم تثبت صحته، بينما هو يجيد علم المنطق إجادة تامة، فهنا نتذكر قول ابن عباس ﵄-إذ يقول: " مَا أَتَى عَلَى النَّاسِ عَامٌ إِلَّا أَحْدَثُوا فِيهِ بِدْعَةً، وَأَمَاتُوا فِيهِ سُنَّةً، حَتَّى تَحْيَى الْبِدَعُ، وَتَمُوتَ السُّنَنُ " (^٢).
ففي مقابل إحياء البدع تموت السنة، ولذلك انظر لهؤلاء في علم العقيدة مثلًا تجد أن أهل الفلسفة والكلام نبذوا كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ وكلام الصحابة والتابعين رضوان الله تعالى عليهم، وكما يقول شيخ الإسلام: وكما هو واقعٌ منهم أنهم استجهلوا أعلام هذه الأمة وأفضل هذه الأمة علمًا وخيرًا واعتقادًا وسلوكًا أصحاب المصطفى ﷺ ومن جاء بعدهم من التابعين وتابعي التابعين الذين إذا قرأ الإنسان في سيرهم احتقر نفسه لما كانوا عليه من العلم والفضل، حتى أن أحدهم ليحفظ ألوف المسائل.
قال ابن رجب الحنبلي": وأما ما أحدث بعد الصحابة من العلوم التي توسع فيها أهلها وسموها علوما وظنوا أن من لم يكن عالمًا بها فهو جاهل أو ضال فكلها بدعة وهي من محدثات الأمور المنهي عنها. فمن ذلك ما أحدثته المعتزلة من الكلام في القدر وضرب الأمثال للَّه. " (^٣)
إلى أن قال ﵀: "وينقسم هؤلاء إلى قسمين:
أحدهما: من نفى كثيرًا مما ورد به الكتاب والسنة من ذلك لاستلزامه عنده للتشبيه
_________________
(١) الرد على المنطقيين ١/ ٢
(٢) انظر المعجم الكبير للطبراني برقم (١٠٦١٠).
(٣) بيان فضل علم السلف على علم الخلف ص ٢
[ ١ / ٧١ ]
بالمخلوقين كقول المعتزلة: "لو رؤي لكان جسما لأنه لا يرى إلا في جهة" وقولهم: "لو كان له كلام يسمع لكان جسما"، ووافقهم من نفى الاستواء فنفوه لهذه الشبهة: وهذا طريق المعتزلة والجهمية وقد اتفق السلف على تبديعهم وتضليلهم وقد سلك سبيلهم في بعض الأمور كثير ممن انتسب إلى السنة والحديث من المتأخرين.
والثاني: من رام إثبات ذلك بأدلة العقول التي لم يرد بها الأثر ورد على أولئك مقالتهم كما هي طريقة مقاتل بن سليمان ومن تابعه كنوح بن أبي مريم وتابعهم طائفة من المحدثين قديمًا وحديثًا. وهو أيضًا مسلك الكرامية فمنهم من أثبت لإثبات هذه الصفات الجسم إما لفظًا وإما معنى. ومنهم من أثبت للَّه صفات لم يأت بها الكتاب والسنة كالحركة وغير ذلك مما هي عنده لازم الصفات الثابتة.
وقد أنكر السلف على مقاتل قوله في رده على جهم بأدلة العقل وبالغوا في الطعن عليه (^١). "
وكل هذا الاعتقاد حملهم على أن تنبذ النصوص عندهم، وشكَّكُوا وطعنوا في كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ، واستعاضوه واستبدلوا به بدلًا من هذا بقواعد المنطق والفلسفة، وركبوا التوحيد على هذا الأساس.
ومن عاد إلى كتبهم وقرأ سيجد علمًا لا أساس له من الكتاب والسنة ومركبٌ وفق قواعد المنهج الفلسفي.
فإذًا لما أدخل هؤلاء الفلسفة والمنطق في هذا العلم وفي غيره، كان هذا على حساب الكتاب والسنة، وهكذا فعل المتصوفة لما أحدثوا ما أحدثوا من البدع، كان هذا على حساب إتباع السنة.
قال ابن رجب الحنبلي: "الصواب في ذلك ما تضمنه كلام السلف والأئمة مع اختصاره وإيجازه، فما سكت من سكت من كثرة الخصام والجدال من سلف الأمة جهلا ولا عجزًا، ولكن سكتوا عن علم وخشية للَّه.
وما تكلم من تكلم وتوسع من توسع بعدهم لاختصاصه بعلم دونهم ولكن حبًا للكلام وقلة ورع كما قال الحسن وسمع قوما يتجادلون "هؤلاء قوم ملوا العبادة وخف عليهم القول وقل ورعهم فتكلموا". " (^٢)
فإذًا لا يغب عن بال من يطلب العلم، أنه أمام أحد مناهج ثلاثة، فالمنهج
_________________
(١) بيان فضل علم السلف على علم الخلف ص ٣
(٢) بيان فضل علم السلف على علم الخلف ص ٤
[ ١ / ٧٢ ]
الفلسفي ركز على الجانب العلمي، والقضايا العلمية كقضايا التوحيد، والمنهج الصوفي ركز على القضايا العملية، لذلك من كان له احتكاك بأمثال هؤلاء سيرى ويلمس أن هؤلاء يعتنون بالجانب العلمي، أي الأشاعرة وغيرهم، لذلك لا تجد في كتب الأشاعرة إلا ناحية علمية فكرية، وإذا جاء إلى المتصوفة جاء إلى نواحي عملية سلوكية.
ولذلك كل واحد من هؤلاء ضيع أمران، فالمنهج الفلسفي منهج علمي فكري، أهمل جانب العمل، ولذلك ما تراه اليوم في المناهج المتفرعة عن هذه المناهج العقلانية، تجد أن هؤلاء فقط يعتنون بالناحية الفكرية دون ناحية تطبيقية.
هذه المناهج التي نراها اليوم في الفكر الإسلامي وفي ساحة التفكير الإسلامي لما نبعت من هذه المناهج العقلانية، تجدها نواحي نظرية، فإذا رأيت الواحد منهم في التطبيق، تجده على خلاف ما يسِرُّ، قد يكون في فكره ونظره مثلًا يتكلم عن الإخوة الإسلامية ويتكلم عن اعتصام المسلمين ويتكلم عن هذه القضايا بكلامٍ جيد وجميل، لكن انظر إليه من ناحية التطبيق تجده صفر اليدين.
فإن كان يدعو إلى الوحدة، فهو في بيته غير ملتزم، وفي نفسه غير ملتزم، كل هذا نابع عن أساس هذا المنهج العقلاني الذي يأتي للقضايا فيقررها دون ثمرة ودون تطبيق.
والمنهج الصوفي يعتني بالناحية السلوكية دون الناحية العلمية، لذلك تلمس من هؤلاء أنه إذا تعمق في تصوفه ألحد، حتى أنه يصل إلى مرحلة أنه يزعم عن نفسه أنه هو الله، لأن علمه قليل وإن كان في التطبيق يُجْهِدُ نفسه، يُجْهِدُ نفسه في الذكر، يُجْهِدُ نفسه في البعد عن الناس والتجرد والزهد إلى غير ذلك.
فالسبب في هذا الخلل الواقع، هو البعد عن الكتاب والسنة، لأن منهج الكتاب والسنة منهجٌ علمي عمليّ.
ولذلك تجد أن منهج السلف الصالح ومنهج أهل السُنَّة والجماعة يعتني بكلا الجانبين - بالجانب العلمي وبالجانب العملي -، ولكن في ذات الوقت يبني الأمرين على نصوص الكتاب والسُنَّة.
ولذلك يقول علماء هذا المنهج: لا يمكن أن نصل إلى علمٍ صحيح إلا بطريق الكتاب والسُنَّة، ولا يمكن أن نأتي بعملٍ صحيح إلا بطريق الكتاب والسُنَّة، فلا بد من العلم والعمل معًا، ولا بد أن يكون كلٌ من العلم والعمل مبنيَّان على الكتاب والسُنَّة.
وهذه المسائل مسائل أساسية، وعلى أساسها يتم التمييز بين الصواب والخطأ،
[ ١ / ٧٣ ]
وبين الحق والباطل، فلا "لا تَكُنْ إِمَّعَةً إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنْتَ، وَإِنْ أَسَاءَ النَّاسُ أَسَأْتَ" (^١)، فينبغي أن يكون للإنسان نهجٌ يسير عليه من بداية طريقه في العلم، إلى أن يمنَّ الله عليك بالعمل وبالدعوة لهذا الدين.
فلا بد أن يختار نقطة البداية لنفسه، فالمنهج السلفي يقوم على ركيزتين:
على العلم والعمل، وهذا الكلام لم يأت من فراغ، فلا إله إلا الله محمدٌ رسول الله، فهاتان الشهادتان التي يطالب بهما كل إنسان من بداية الأمر، وكما قال النبي ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» (^٢) فلا إله إلا الله لها جانب علمي وهو أن تعرف الله، وجانب عملي وهو أن تعبد الله، ومحمدٌ رسول الله لها جانب علمي وهو أن تصدقه فيما أخبر، وجانب عملي وهو أن تطيعه فيما أمر وتجتنب ما نهى عنه وزجر.
فلا بد أن يكون علم الإنسان من بداية الطريق مبنيًا على علمٍ صحيح وعلى عملٍ صحيح.
كما قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف: ١١٠] هذه الناحية العملية.
﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، وهذه الناحية الاعتقادية العلمية؛ ولذلك الله ﷾ ركَّب في الإنسان:
- قوةً في التفكير والعلم والنظر.
- وقوةً في الإرادة والعمل.
ومن النصوص الدالة على وجود هاتين القوتين:
قول الله تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢].
وقول النبي ﷺ: «اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي، وَأَعِذْنِي مِنْ شَرِّ نَفْسِي» (^٣)،
_________________
(١) انظر سنن الترمذي برقم (٢٠٠٧)، قال عقبه: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ، قال الشيخ الالباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي الجزء الخامس صفحة (٥): ضعيف.
(٢) انظر صحيح البخاري كِتَابُ الِاعْتِصَامِ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، بَابُ الِاقْتِدَاءِ بِسُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، برقم (٧٢٨٤)، ومسل م كِتَابُ الْإِيمَانَ، بَابُ الْأَمْرِ بِقِتَالِ النَّاسِ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ (٢٢)، وأبو داود (٢٦٤٠)، والترمذي (٢٦٠٦)، وابن ماجه (٧١)، والنسائي (٣٠٩٠)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ (٧٦).
(٣) انظر سنن الترمذي برقم (٣٤٨٣)، وقال عقبه: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ مِنْ غَيْرِ هَذَا الوَجْهِ، قال الشيخ الالباني في رياض الصالحين صفحة (٥٠٦): ضعيف وحسَّنه الترمذي. وأصح منه قوله ﷺ: «اللهم إني أستهديك لأرشد أموري وأعود بك من شر نفسي» عند ابن حبان في صحيحه، برقم: (٨٩٨).
[ ١ / ٧٤ ]
وقول النبي ﷺ: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ» (^١).
وضع خطوطًا تحت ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢]، «اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي، وَأَعِذْنِي مِنْ شَرِّ نَفْسِي» (^٢)، «الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ» (^٣).
ستجد إرشادًا ودليلًا على أن في الإنسان قُوَّتين: قوةً في العلم، فإذًا هو أُلهِم الرشد، وسَلِم من الغواية؛ استقامت عنده قوة العمل، وإذا هو كذلك هُدِي لطريق الحق، وعرف طريق الحق وسَلِم من الضلال، فعند ذلك تسقيم عنده قوة العلم.
فإذًا قوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢]، دليل على سلامة علمه وفكره واعتقاده، وسلامة عمله وسلوكه.
ولذلك قال النبي ﷺ في تزكية أصحابه: «الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ» (^٤)، والرشد ضد الغواية، والهدى ضده الضلال، فلذلك كما نعلم أن النبي ﷺ أوتي جوامع الكلم، فادعوا بهذا الدعاء «اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي، وَأَعِذْنِي مِنْ شَرِّ نَفْسِي» (^٥).
لأنك إذا أُلهمت الرشد استقام وسُدِّد فكرك، وإن سلمت من شر النفس؛ فبالتالي استقام عملك وسلوكك، وبعد ذلك حصلت لك الهداية في الدنيا وفي الآخرة؛ لأن الإنسان يُخشى عليه من أمرين: الشهوات والشبهات، فهما جيشان من الباطل الشيطان يغزوك بهما، جيش الشهوات المحرمة، وجيش الشبهات المضللة، فأنت إن نجوت من الشهوات المحرمة ومن الشبهات المضللة؛ فبالتالي تكون قد نلت الخير كله.
فلا بد أن تسقيم عند الإنسان كل من القوَّتين.
فقوة التفكير والعلم يتم بناؤها على كلام الله تعالى وكلام رسوله ﵌، وليس على الفلسفة والمنطق، وعلى آراء الرجال.
_________________
(١) انظر سنن أبي داود برقم (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٣)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الشَّامِيِّينَ (١٧١٤٢)، والدارمي (٩٦)، قال الشيخ الالباني في صحيح الجامع الجزء الثاني صفحة (٨٠٥): صحيح.
(٢) تقدم تخريجه انظر الصفحة رقم (٣).
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) تقدم تخريجه.
(٥) تقدم تخريجه انظر الصفحة رقم (. . .).
[ ١ / ٧٥ ]
وقوة العمل والسلوك ينبغي كذلك أن يكون العمل الذي يطبِّقه العبد ويعمله مبنيًا على نصوص الكتاب والسُنَّة.
فينبغي ألا تغيب هذه المسألة؛ لأنها مسألة أساسية، ما دام العبد قد اختار لنفسه طريق العلم، فعليه أن يدخل من باب السُنَّة، ويتعمق ويقرأ، ويستقرئ هذا المنهج من خلال القرآن، ومن خلال السُنَّة ومن خلال كلام السلف الصالح، وحينها سيجد ينابيع العلم.
واعلم أن البدع نوعان:
النوع الأول: بدعٌ قد يكون أهلها متمسِّكون ببعض النصوص، مثلًا: مَنْ يكون من المرجئة، أو مَنْ يكون من الخوارج والمعتزلة في مسألة مرتكب الكبيرة، هؤلاء يتمسكون بنصوص وهؤلاء يتمسكون بنصوص، نصوص جاءت بالوعيد لأهل الكبائر مثلًا ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣].
هذا نص، وذاك يتمسَّك بنصٍ في الإرجاء، فهذه البدعة قد يكون لبعض لأهلها متمسك لشيء من النصوص دون الشيء الآخر.
النوع الثاني: بدع ليس لها متمسك من النصوص. ومن ذلك الخلاف في مسألة الصفات فهو ليس خلافًا في فهم النصوص، إنما هذه البدعة ليس لهم فيها أصل من الكتاب والسُنَّة، وحتى هم يعترفون بهذا أن ليس لهم دليل من الكتاب والسُنَّة على ما يقولون.
[ ١ / ٧٦ ]
(١٣) "وإذا كان كذلك: فهذا كتاب الله من أوله إلى آخره، وسنة رسوله ﷺ من أولها إلى آخرها، ثم عامة كلام الصحابة والتابعين، ثم كلام سائر الأئمة مملوء بما هو إما نص وإما ظاهر في أن الله سبحانه فوق كل شيء، وعليٌّ على كل شيء، وأنه فوق العرش، وأنه فوق السماء، "
بعد أن انتهى المصنف ﵀ من ذكر ما يتعلق بالجوانب التأصيلية، وبيان أن الأساس في هذا الباب وغيره من مسائل الدين هو الرجوع إلى كلام الله وكلام رسوله ﷺ، شرع المصنف ﵀ في تقرير مسألة العلو والتي ذكرها السائل في رسالته لشيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال السائل: " ما قولكم في آيات الصفات كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١]، إلى غير ذلك من الآيات وأحاديث الصفات. "
فبين المصنف هنا المنهجية التي سيسير عليها في تقرير إثبات صفة العلو حيث سيورد أمثلة من:
أولًا: القرآن الكريم.
ثانيًا: السنة النبوية.
ثالثًا: أقوال الصحابة والتابعين.
رابعًا: أقوال أئمة الإسلام.
فبين شيخ الإسلام ﵀ هنا أن إثبات هذه الصفة ورد في القرآن الكريم، والسنة النبوية، كلام الصحابة والتابعين وتابعيهم وكلام أئمة الإسلام فهذه النصوص من كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ-تدل دلالةً واضحةً صريحةً على إثبات صفة العلوِّ لله ﷾.
وشرع في سرد تلك الأدلة بحسب هذا التقسيم الذي أورده:
[ ١ / ٧٧ ]