النَّسخ: مصدر للفعل الثلاثي: نسخ، يقال: نسَخت أنسَخ نسخًا، ويأتي بمعان: الإزالة -والإبطال-والنقل والإثبات، والتحويل والتبديل:
يقول ابن فارس رحمه الله تعالى: " (نسخ) النون والسين والخاء: أصل واحد، إلا أنه مختلف في قياسه، قال قوم: قياسه: رفع شيء وإثبات غيره مكانه، وقال آخَرون: قياسه: تحويل شيء إلى شيء، قالوا: النَّسخ: نسخ الكتاب، والنَّسخ: أمر كان يُعمَل به من قبل ثم ينسخ بحادث غيره؛ كالآية ينزل فيها أمر ثم تُنسخ بآية أخرى. وكل شيء خلف شيئًا فقد انتسخه، وانتسخت الشمسُ الظلَّ، والشيب الشباب، وتناسخ الورثة: أن يموت ورثةٌ بعد ورثة وأصل الإرث قائم لم يقسم، ومنه: تناسخ الأزمنة والقرون، قال السجستاني: النَّسخ: أن تحول ما في الخلية من العسل والنحل في أخرى، قال: ومنه نسخ الكتاب" (^١).
النَّسخ في الاصطلاح: رفع حكم شرعي بدليل شرعي متراخٍ عنه، أو رفع حكم شرعي بمثله مع تراخيه عنه.
وقد اختلف فيه عند الأصوليين على أقوال: فقيل: "إزالة مثل الحكم الثابت بقول منقول عن الله تعالى أو عن رسوله، مع تراخيه عنه على وجهٍ لولاه لكان ثابتًا، وقيل: هو إزالة الحُكم بعد استقراره، وقيل: هو نقل الحكم إلى خلافه .. وقد أبطل الإمام الآمدي هذه الأقوال بوجوه، وأما التعريفُ الذي ارتضاه كثير من الأصوليين-كالآمدي والقاضي أبي بكر الباقلاني والصيرفي وأبي إسحاق الشيرازي وأبي حامد الغزالي وغيرهم -أن النَّسخ هو: "الخطاب الدال على ارتفاع الحُكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجهٍ لولاه لكان ثابتًا، مع تراخيه عنه" (^٢).
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة: ٥/ ٤٢٤ - ٤٢٥.
(٢) الإحكام للآمدي: ٣/ ١١٥.
[ ٢ / ٧٩ ]
وقد رد الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى على هذا التعريف من عدة وجوه، ثم ذكر تعاريف أخرَ، وختم بقوله: "فالأولى أن يقال: هو رفع حكم شرعي بمثله مع تراخيه عنه" (^١).
وأما تعريف الناسخ: فالناسخ: اسم فاعل من نسخ ينسخ فهو ناسخ، والناسخ حقيقة هو الله تعالى؛ فهو الذي ينسخ ما شاء بما شاء؛ كما قال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾] البقرة: ١٠٦ [
وقد يطلق الناسخ على النص الذي رفع به الحُكم السابق، سواء كان آية أو حديثًا قوليًّا أو فعليًّا أو تقريريًّا من النبي ﷺ.
وأما تعريف المنسوخ: فهو اسم مفعول من الفعل الثلاثي نسخ، نُسخ -بالبناء على المجهول-نسخًا، فهو منسوخ.
والمراد: الحُكم الشرعي الذي رُفع بدليل شرعي متراخٍ عنه؛ كمصابرة الواحد للعشرة، فهذا حكم منسوخ بمصابرته لاثنين، كما في سورة الأنفال.
وأما ما يقع فيه النسخ من الشريعة:
"فالشريعة نوعان: خبر وأمر.
أما النوع الأول: فهو الخبر يدخل فيه الماضي والمستقبل والوعد والوعيد، ويشمل ما أخبر الله تعالى به عن ذاته، وصفاته، وأفعاله، وما أخبر أنه كان، أو سيكون من مفعولاته، وما قص علينا من أخبار الأمم الماضية، وأخبار الرسل ودعواتهم، وما فعل بأعدائهم، وما أعده لأوليائهم، ويدخل فيه - أيضا - ما ذكره الله من أخبار خلق السموات والأرض، وما فيها من الأحياء والأشياء، وما ذكره من أخبار الجنة والنار، والحساب والعقاب، والبعث والحشر والجزاء؛ كل هذا ونظيره يدخل في جملة الأخبار، والتي يجب على المسلم مقابلتها بالتصديق والتسليم، ويعلم أنها كلها حق، مطابقة للأمر في نفسه، لا يجوز أن تختلف أو تتعارض - وإن ظهر شيء من ذلك فإنما هو عارض يعرض على الأذهان يزول عند التحقيق، والنظر الدقيق - ومن ثم فلا يجوز أن يدخل أخبار الله تعالى النسخ أو التبديل، بل هي محكمة ثابتة؛ لأنه تعالى إذا أخبر عن شيء فإنما يخبر بعلمه، وعلمه أزلي لا أول له، وهو مطابق للأمر في نفسه، علم ما كان، وما يكون، وما سيكون، فلو أخبر عن شيء أنه كان أو سيكون، ثم أخبر بنقيض ذلك أو برفعه، لكان ذلك خلفا
_________________
(١) إرشاد الفحول: ٢/ ٥٢.
[ ٢ / ٨٠ ]
وكذبا، مستلزما سبق الجهل، وحدوث العلم وتجدده، وهذا مما يعلم ضرورة أن الله تعالى منزه عنه، بل هو من صفات المخلوقين المربوبين، لا من صفات الخالق سبحانه" (^١)
قال أبو جعفر النحاس ﵀ -في معرض الرد على من يجوز النسخ في الأخبار -: (وهذا القول عظيم جدا، يؤول إلى الكفر؛ لأن قائلا لو قال: قام فلان، ثم قال: لم يقم، ثم قال: نسخته لكان كاذبًا) (^٢)
أما النوع الثاني: -من نوعي الشريعة -فهو الأمر، والنهي منه؛ لأنه أمر بالترك. ويدخل في ذلك العبادات: أصولها وفروعها، وجميع المعاملات، وكذا فضائل الأخلاق.
والأمر وإن كان النسخ يدخله في الجملة، لكن تستثنى منه كليات الشريعة، من الضروريات والحاجيات والتحسينات، فالشريعة مبنية على حفظ هذه الكليات (^٣)، فأصول العبادات: كالصلاة والصوم، والزكاة، والحج، وما يحفظ الضروريات الخمس، وما يحقق العدل والإحسان، وما يجلب الفضيلة، ويدفع الرذيلة، كل ذلك لا يقع فيه النسخ، وإنما يقع في تفاصيل هذه المسائل، وهو ما يتعلق بالهيئات، والكيفيات، والأمكنة، والأزمنة، والأعداد، وهو جزء يسير إذا ما قورن بكليات الشريعة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (كتاب الله نوعان: خبر وأمر، أما الخبر فلا يجوز أن يتناقض، ولكن قد يفسر أحد الخبرين الآخر، ويبين معناه، وأما الأمر فيدخله النسخ، ولا ينسخ ما أنزل الله إلا بما أنزله الله، فمن أراد أن ينسخ شرع الله الذي أنزله برأيه وهواه كان ملحدا، وكذلك من دفع خبر الله برأيه ونظره كان ملحدا (^٤) (. (^٥)
_________________
(١) الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص: ٥٧.
(٢) الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم لأبي جعفر النحاس: ص (٣).
(٣) الموافقات للشاطبي: ٣/ ١٠٤، ١٠٥، ١١٧.
(٤) درء تعارض العقل والنقل: ٥/ ٢٠٨.
(٥) المصدر: منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة لعثمان على حسن؛ ١/ ٢٦٨.
[ ٢ / ٨١ ]
«قال: لا يَحل لأحد أن يعتقد أنَّ مدح الله وأسمائه وصفاته يجوز أن ينسخ منها شيء.
إلى أن قال: وكذلك لا يجوز إذا أخبر أن صفاته حسنة عُليا أن يُخبر بعد ذلك أنها دنية سُفلى، فيصف نفسه بأنه جاهل ببعض الغيب بعد أن أخبر أنه عالم بالغيب، وأنه لا يبصر ما قد كان، ولا يسمع الأصوات، ولا قدرة له، ولا يتكلم، ولا الكلام كان منه، وأنه تحت الأرض لا على العرش جل وعلا عن ذلك».
فضرب الإمام المحاسبي مَثَلًا لعدم جواز النسخ في باب الأخبار بباب الأسماء والصفات، فهو من باب الأخبار لا من باب الأوامر، فلذلك على هذه القاعدة لا يجوز أن يُنسخ من ذلك شيء.
فإذًا معلوم أن ما أخبر الله ﷿ به في القرآن في موضع يَستحيل أن يَتناقض مع موضع آخر، وكما نعلم أن الله ﷿ وصف كتابه بأنه محكم؛ فقال: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١]، ومعنى أحكمت: أُتقنت.
فمن إتقانها: أنك لا تجد فيها تضادًّا ولا اضطرابًا ولا اختلافًا ولا تناقضًا، فيستحيل أن يخبر الله ﷿ عن أمر في موضع وينقضه ويكذبه في موضع آخر.
والله ﷿ كذلك وصف القرآن بقوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣]، ومعنى متشابهًا أي: متماثلًا متناسبًا، لا اختلاف فيه ولا تضادَّ.
وهنا مسألة مهمة في معرفة أحوال الفِرَق:
وهي أن أهل الباطل وأهل البدع على نوعين:
النوع الأول: فِرَق أَهلها لهم مُتَمَسَّك ببعض النصوص.
النوع الثاني: فرق ليس لهم مستمسك بالنصوص.
وأما النوع الأول فهناك فِرَق أَهلها لهم مُتَمَسَّك ببعض النصوص، بمعنى: أن أهل هذه الفِرقة يحتجُّون ببعض الآيات؛ كالجبرية؛ إذ تجدهم في باب القَدَر يحتجون بآيات؛ كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يرد الله أن يهديه شرح صدره للإسلام ومَن يرد أن يضلَّه
[ ٢ / ٨٢ ]
يجعل صدره ضيِّقا حرجًا كأنما يصعد في السماء﴾ [الأنعام: ١٢٥].
فيأتون لمثل هذه الآيات وأشباهها ويستدلون بها على أن العبد مجبور ولا قدرة له ولا اختيار.
وكذلك القدرية الذين ينكرون قدرة الله ﷿ في فعل العبد، تراهم يَحتج بنصوص الأوامر، ويقولون: كيف يأمر الله ﷿ بأمر، ويكون مع ذلك هو الذي يَخلق هذا الأمر أو يُقَدِّره على عبده؟! فلا بد أن العبد هو الذي يَخلق فعله.
وهكذا نجد أن بعضًا من أهل الباطل يأتون إلى النصوص فيَبترونها من سياقها، ويحتجُّون بشيء من الآيات ويتركون البعض الآخر، بينما لو جاء هؤلاء إلى بعض النصوص ونظروا فيها نظرةً شاملةً لوجدوا أنها وازنت بين الأمرين؛ كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩: ٢٨]، فإذًا الله ﷿ لا شك أنه كلَّف العباد وأمرهم، ومعلوم أن هذا الأمر فيه قدرة واختيار للعبد.
وكذلك هذه القدرة لا تَخرج عن قدرة الله ﷿ وإرادته؛ ويُفهم من هذا أن الإرادة نوعان: إرادة كونية قَدَرِيَّة، وإرادة دينية شرعية؛ فالإرادة الكونية القدرية هي التي ذكرها الله ﷾ في مثل قوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، وأمثاله، فهذا في الإرادة الكونية القدرية، بمعنى: أنه لا يكون في مُلك الله ﷿ ما لا يَشاء وما لا يريد.
ومن مشيئته ﷾: أن جعل للعبد قدرة واختيارًا.
فإذًا هناك ما يتعلق بخلق الله ﷿ وقَدَره الكوني، وهناك ما يتعلق بأمر الله-﷿-ومشيئته وإرادته الدينية الشرعية، فالله-﷾-أمر بتلك الأوامر الشرعية، ولذلك يقول الله ﷿: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
فهذه إرادة لكنَّها إرادة شرعية؛ لأن أوامر الشرع مَبنية على التيسير.
فالشاهد من كلامنا: أن هناك بعضًا من أهل البدع يَتمسكون ببعض النصوص وإن كان يَستدلُّون بها في غير موضعها، ويريدون أن يَضربوا القرآن بعضه ببعض.
وأما النوع الثاني: فهناك بعض أهل البدع ليس لهم متمسك في النصوص أصلًا؛ كنفاة الصفات على اختلاف أنواعهم؛ فهم لا يعتمدون النص أساسًا وأصلًا، وإنما يعتمدون العقل والرأي الذي أحدثوه وابتدعوه، وبالتالي هم لا يعتقدون ولا يعتمدون على النصوص، وإنما يعتمدون على أُسسهم المنطقية الفلسفية، وهؤلاء يأتون إلى نصوص القرآن ويحاولوا أن يُشككوا فيها.
[ ٢ / ٨٣ ]
«فإذا عرفتَ ذلك واستيقنته: علمتَ ما يجوز عليه النسخ وما لا يجوز، فإن تلوت آية في ظاهر تلاوتها تَحسب أنها ناسخة لبعض أخباره؛ كقوله عن فرعون: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ﴾ [يونس: ٩٠] الآيات، وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١].
وقال: قد تأول قومٌ أنَّ الله عنى أن يُنجيه ببدنه من النار؛ لأنه آمن عند الغرق، وقال: إنما ذكر الله قوم فرعون يدخلون النار دونه، وقال: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود: ٩٨]، وقال: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٥]، ولم يقل: بفرعون.
وقال: وهكذا الكذب على الله؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى﴾ [النازعات: ٢٥]».
تقدم بيان أن النسخ لا يقع في الأخبار وأما ما أثير من شبهة إيمان فرعون فقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية: ما تقول السادة العلماء ﵃ في قول فرعون عند الغرق (آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين) سورة يونس: ٩٠؛ هل فيه دليل على إيمانه وإسلامه، وما يجب على من يقول: إنه مات مؤمنًا، والحالة هذه؟
الجواب:
الحمد لله.
كفر فرعون، وموته كافرًا، وكونه من أهل النار؛ هو مما علم بالاضطرار من دين المسلمين. بل ومن دين اليهود والنصارى؛ فإن أهل الملل الثلاثة متفقون على أنه من أعظم الخلق كفرًا، ولهذا لم يذكر الله تعالى في القرآن قصة كافر كما ذكر قصته في بسطها وتثنيتها، ولا ذكر عن كافر من الكفر أعظم مما ذكر من كفره واجترائه، وكونه أشد الناس عذابا يوم القيامة.
ولهذا كان المسلمون متفقين على أن من توقف في كفره، وكونه من أهل النار؛ فإنه يجب أن يستتاب؛ فإن تاب، وإلا قتل كافرًا مرتدًا فضلًا عمن يقول: إنه مات
[ ٢ / ٨٤ ]
مؤمنًا، والشك في كفره أو نفيه أعظم منه في كفر أبي لهب ونحوه، وأعظم من ذلك في أبي جهل وعقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث ونحوهم ممن تواتر كفرهم، ولم يذكر باسمه في القرآن، وإنما ذكر ما ذكر من أعمالهم؛ ولهذا لم يظهر عن أحد بالتصريح بأنه مات مؤمنًا إلا عمن فيه من النفاق والزندقة أو التقليد للزنادقة والمنافقين ما هو أعظم من ذلك كالاتحادية الذين يقولون: إن وجود الخالق هو وجود الخلق …
والمقصود هنا أن هؤلاء الاتحادية من أتباع صاحب فصوص الحكم وصاحب الفتوحات المكية ونحوهم هم الذين يعظمون فرعون، ويدعون أنه مات مؤمنًا، وأن تغريقه كان بمنزلة غسل الكافر إذا أسلم، ويقولون: ليس في القرآن ما يدل على كفره، ويحتجون على إيمانه بقوله: (حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين) سورة يونس: ٩٠.
وتمام القصة تبين ضلالهم فإنه قال سبحانه: (آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين) سورة يونس: ٩١، وهذا استفهام إنكار وذم، ولو كان إيمانه صحيحًا مقبولًا لما قيل له ذلك.
وقد قال موسى ﵇: (ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالًا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم) سورة يونس: ٨٨. قال الله تعالى: (قد أجيبت دعوتكما) سورة يونس: ٨٩، فاستجاب الله دعوة موسى وهارون، فإن موسى كان يدعو، وهارون يؤمن: أن فرعون وملأه لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم.
وقد قال تعالى: (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون) سورة غافر: ٨٢ - ٨٥، فأخبر ﷾ أن الكفار لم يك ينفعهم إيمانهم حين رأوا البأس، وأخبر أن هذه سنته التي قد خلت في عباده ليبين أن هذه عادته سبحانه في المستقدمين والمستأخرين، كما قال ﷾: (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار) سورة النساء: ١٨.
[ ٢ / ٨٥ ]
ثم إنه ﷾ قال بعد قوله: (آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين) (فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية) سورة يونس: ٩١ - ٩٢، فجعله الله تعالى عبرة وعلامة لمن يكون بعده من الأمم لينظروا عاقبة من كفر بالله تعالى؛ ولهذا ذكر الله تعالى الاعتبار بقصة فرعون وقومه في غير موضع …
وقد قال ﷾: (كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود وعاد وفرعون وإخوان لوط وأصحاب الأيكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد) سورة ق: ١٢ - ١٤، فأخبر سبحانه أن كل واحد من هؤلاء المذكورين فرعون وغيره كذب الرسل كلهم …
ولو كان [مؤمنًا] لم يعاقب على ما تقدم من كفره، ولم يكن عقابه عبرة. بل من آمن غفر الله له ما سلف، ولم يذكره بكفر، ولا بذم أصلًا. بل يمدحه على إيمانه، ويثني عليه، كما أثنى على من آمن بالرسل، وأخبر أنه نجاهم …
وفرعون هو أكثر الكفار ذكرًا في القرآن، وهو لا يذكره سبحانه إلا بالذم والتقبيح واللعن، ولم يذكره بخير قط، وهؤلاء الملاحدة المنافقون يزعمون أنه مات طاهرًا مطهرًا ليس فيه شيء من الخبث …
وإخباره ﷾ عن تكذيب فرعون وغير ذلك من أنواع كفره كثير في القرآن، وكذلك إخباره عن عذابه في الآخرة، فإن هؤلاء الملاحدة يزعمون أنه ليس في القرآن آية تدل على عذابه، ويقولون: إنما قال سبحانه: (يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود) سورة هود: ٩٨، قالوا: فأخبر أنه يوردهم، ولم يذكر أنه دخل معهم.
قالوا: وقد قال: (أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) سورة غافر: ٤٦، فإنما يدخل النار آل فرعون لا فرعون.
وهذا من أعظم جهلهم وضلالهم؛ فإنه حيث ذكر في الكتاب والسنة (آل فلان) كان فلان داخلًا فيهم، كقوله: (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين) سورة آل عمران: ٣٣، وقوله: (إلا آل لوط نجيناهم بسحر) سورة القمر: ٣٤، وقوله: (سلام على إل ياسين) سورة الصافات: ١٣٠، وقول النبي ﷺ: (اللهم صل على آل أبي أوفى)، وقوله: (لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود) …
وقوله: (أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) سورة غافر: ٤٦؛ متناول له ولهم باتفاق المسلمين، وبالعلم الضروري من دين المسلمين …
[ ٢ / ٨٦ ]
وقد قال: (واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين) سورة القصص: ٣٩ - ٤٢، وهذا تصريح بأنه نبذه وقومه في اليم عقوبة [على الظلم] الذي هو الكفر، وأنه أتبعه وقومه في الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين؛ هو وقومه جميعًا، وهذا موافق لقوله: (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وملئه فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود) سورة هود: ٩٦ - ٩٩، فأخبر سبحانه أنهم اتبعوا أمره، وأنه يقدمهم؛ لأنه إمامهم، فيكون قادمًا لهم، لا سائقًا لهم، وأنه يوردهم النار، فإذا كان التابع قد ورد النار؛ فمعلوم أن القادم الذي يقدمه، وهو متبوعه؛ ورد قبله؛ ولهذا قال بعد ذلك: (وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين) سورة القصص: ٤٢، والتابع والمتبوع كما قال الله تعالى في تلك السورة عن فرعون وقومه: (وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود) سورة هود: ٩٩.
والكلام في هذا مبسوط لم تحتمل هذه الورقة إلا هذا، والله أعلم.
وقال أيضًا: وزعمت طائفة من هؤلاء الاتحادية-الذين ألحدوا في أسماء الله وآياته-: أن فرعون كان مؤمنًا، وأنه لا يدخل النار، وزعموا أنه ليس في القرآن ما يدل على عذابه. بل فيه ما ينفيه، كقوله: (أدخلوا آل فرعون أشد العذاب)؛ قالوا: فإنما أدخل آله دونه.
وقوله: (يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار)؛ قالوا: إنما أوردهم، ولم يدخلها.
قالوا: ولأنه قد آمن أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، ووضع جبريل الطين في فمه؛ لا يرد إيمان قلبه.
وهذا القول كفر معلوم فساده بالاضطرار من دين الإسلام، لم يسبق ابن عربي إليه-فيما أعلم-أحد من أهل القبلة؛ بل ولا من اليهود، ولا من النصارى؛ بل جميع أهل الملل مطبقون على كفر فرعون.
قوله: (وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين)؛
[ ٢ / ٨٧ ]
فأخبر سبحانه … أنه أتبعهم في الدنيا لعنة، ويوم القيامة هم من المقبوحين؛ فهذا نص في أن فرعون من الفاسقين المكذبين لموسى الظالمين الداعين إلى النار الملعونين في الدنيا بعد غرقهم، المقبوحين في الدار الآخرة، وهذا نص في أن فرعون بعد غرقه ملعون، وهو في الآخرة مقبوح غير منصور، وهذا إخبار عن غاية العذاب، وهو موافق للموضع الثاني في سورة المؤمن، وهو قوله: (وحاق بآل فرعون سوء العذاب النار يعرضون عليها غدوًا وعشيًا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) وهذا إخبار عن فرعون وقومه؛ أنه حاق بهم سوء العذاب في البرزخ، وأنهم في القيامة يدخلون أشد العذاب، وهذه الآية إحدى ما استدل به العلماء على عذاب البرزخ.
وإنما دخلت الشبهة على هؤلاء الجهال: لما سمعوا (آل فرعون) فظنوا أن فرعون خارج منهم؛ وهذا تحريف للكلم عن مواضعه، بل فرعون داخل في (آل فرعون) بلا نزاع بين أهل العلم بالقرآن واللغة … (^١)
وقال أيضًا: وقال تعالى: (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارًا في الأرض) إلى قوله: (سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون) فأخبر عن الأمم المكذبين للرسل أنهم آمنوا عند رؤية البأس، وأنه لم يك ينفعهم إيمانهم حينئذ، وأن هذه سنة الله الخالية في عباده.
وهذا مطابق لما ذكره الله في قوله لفرعون: (آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين) فإن هذا الخطاب هو استفهام إنكار؛ أي: الآن تؤمن، وقد عصيت قبل؟! فأنكر أن يكون هذا الإيمان نافعًا أو مقبولًا، فمن قال: إنه نافع مقبول؛ فقد خالف نص القرآن، وخالف سنة الله التي قد خلت في عباده. يبين ذلك أنه لو كان إيمانه حينئذ مقبولًا؛ لدفع عنه العذاب، كما دفع عن قوم يونس، فإنهم لما قبل إيمانهم؛ متعوا إلى حين، فإن الإغراق هو عذاب على كفره، فإذا لم يكن كافرًا؛ لم يستحق عذابًا.
وقوله بعد هذا: (فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية) يوجب أن يعتبر من خلفه، ولو كان إنما مات مؤمنًا؛ لم يكن المؤمن مما يعتبر بإهلاكه وإغراقه.
_________________
(١) الفتاوى (٢/ ٢٧٩).
[ ٢ / ٨٨ ]
وأيضًا فإن النبي ﷺ لما أخبره ابن مسعود بقتل أبي جهل قال: (هذا فرعون هذه الأمة) فضرب النبي ﷺ المثل في رأس الكفار المكذبين له برأس الكفار المكذبين لموسى.
فهذا يبين أنه هو الغاية في الكفر؛ فكيف يكون قد مات مؤمنًا؟ ومعلوم أن من مات مؤمنًا؛ لا يجوز أن يوسم بالكفر، ولا يوصف؛ لأن الإسلام يهدم ما كان قبله، وفي مسند أحمد وإسحاق وصحيح أبي حاتم عن عوف بن مالك عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ في تارك الصلاة: (يأتي مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف) (^١).
_________________
(١) مجموع الفتاوى: (٢/ ٢٨٤)
[ ٢ / ٨٩ ]
«وكذلك قوله تعالى: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣]، فأقرَّ التلاوة على استئناف العِلم من الله ﷿ عن أن يستأنف علمًا بشيء؛ لأنَّه مَنْ ليس له علم بما يريد أن يَصنعه لم يقدر عليه أن يصنعه نجده ضرورةً.
قال: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]، قال: وإنما قوله: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ﴾ [محمد: ٣١]، إنما يريد حتى نراه، فيكون معلومًا موجودًا؛ لأنه لا جائز أن يكون يعلم الشيء معدومًا من قبل أن يكون، ويعلمه موجودًا كان قد كان، فيعلم في وقت واحد معدومًا موجودًا وإن لم يكن، وهذا المحال.
وذكر كلامًا في هذا في الإرادة.
إلى أن قال: وكذلك قوله: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ١٥]، ليس معناه أن يحدث له سمعًا، ولا تكلف لسمع ما كان من قولهم، وقد ذهب قومٌ من أهل السنة أن لله استماعًا حادثًا في ذاته، فذهبوا إلى أن ما يعقل من أنه يحدث منهم علم سمع لما كان من قول؛ لأن المخلوق إذا سمع حدث له عقد فهم عما أدركته أُذنه من الصوت، وكذلك قوله: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ١٠٥]، لا يستحدث بصرًا محدثًا في ذاته، وإنما يحدث الشيء فيراه مكونًا كما لم يزل يعلم قبل كونه».
ذكر شيخ الإسلام كلام المفسِّرين في قوله تعالى: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾، فقال: "روي عن ابن عباس: أي لنرى، ورُوي "لنَمِيز"، وهكذا قال عامة المفسِّرين: إلا لنرى ونميز، وكذلك قال جماعة من أهل العلم، قالوا: لنعلمه موجودًا واقعًا بعد أن كان عالِمًا أنه سيكون، ولفظُ بعضهم قال: العلم على منزلتين؛ علم بالشيء قبل وجوده، وعلم به بعد وجوده (^١)، والحكمُ للعِلم به بعد وجوده؛ لأنه يوجب الثواب والعقاب،
_________________
(١) وهذا النقل يوضِّح المسألة بجلاء لا مراء فيه أن علم الله على منزلتَين أو على نوعَين؛ علم أزلي، وعلم مُتجدِّد.
[ ٢ / ٩٠ ]
قال: فمعنى قوله: ﴿لِنَعْلَمَ﴾؟ أي: لنعلم العلم الذي يستحقُّ به العاملُ الثوابَ والعقاب، ولا ريب أنه كان عالِمًا-سبحانه-أنه سيكون، ولكن لم يكن المعلومُ قد وُجِد، وهذا كقوله: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (يونس: ١٨) أي بما لم يوجد؛ فإنه لو وجد لعَلِمه، فعِلمُه بأنه موجود ووجودُه متلازمان، يلزمُ من ثبوت أحدهما ثبوتُ الآخر، ومن انتفائه انتفاؤُه (^١) ".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وَعِلْمُ اللَّهِ مُطَابِقٌ لِلْوَاقِعِ فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَقَعَ شَيْءٌ يَسْتَلْزِمُ تَغْيِيرَ الْعِلْمِ بَلْ أَيُّ شَيْءٍ وَقَعَ كَانَ هُوَ الْمَعْلُومُ وَالْعَبْدُ الَّذِي لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَأْتِ بِشَيْءِ يُغَيِّرُ الْعِلْمَ؛ بَلْ هُوَ قَادِرٌ عَلَى فِعْلِ مَا لَمْ يَقَعْ وَلَوْ وَقَعَ لَكَانَ اللَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ يَقَعُ لَا أَنَّهُ لَا يَقَعُ. وَإِذَا قِيلَ: فَمَعَ عَدَمِ وُقُوعِهِ يَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ فَلَوْ قَدَرَ الْعَبْدُ عَلَى وُقُوعِهِ قَدَرَ عَلَى تَغْيِيرِ الْعِلْمِ. قِيلَ لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ؛ بَلْ الْعَبْدُ يَقْدِرُ عَلَى وُقُوعِهِ وَهُوَ لَمْ يُوقِعْهُ وَلَوْ أَوْقَعَهُ لَمْ يَكُنْ الْمَعْلُومُ إلَّا وُقُوعَهُ فَمَقْدُورُ الْعَبْدِ إذَا وَقَعَ لَمْ يَكُنْ الْمَعْلُومُ إلَّا وُقُوعَهُ فَإِذَا وَقَعَ كَانَ اللَّهُ عَالِمًا أَنَّهُ سَيَقَعُ وَإِذَا لَمْ يَقَعْ كَانَ اللَّهُ عَالِمًا بِأَنَّهُ لَا يَقَعُ أَلْبَتَّةَ فَإِذَا فُرِضَ وُقُوعُهُ مَعَ انْتِفَاءٍ لَازِمِ الْوُقُوعِ صَارَ مُحَالًا مِنْ جِهَةِ إثْبَاتِ الْمَلْزُومِ بِدُونِ لَازِمِهِ وَكُلُّ الْأَشْيَاءِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ هِيَ مُحَالٌ. وَمِمَّا يَلْزَمُ هَؤُلَاءِ أَنْ لَا يَبْقَى أَحَدٌ قَادِرًا عَلَى شَيْءٍ إلَّا الرَّبُّ؛ فَإِنَّ الْأُمُورَ نَوْعَانِ:
"نَوْعٌ " عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ سَيَكُونُ
و" نَوْعٌ " عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ.
ف " الْأَوَّلُ " لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهِ.
و" الثَّانِي " لَا يَقَعُ أَلْبَتَّةَ.
فَمَا عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ سَيَقَعُ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَقَعُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَمَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَشَاؤُهُ وَهُوَ سُبْحَانَهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ.
وَأَمَّا " الْمُعْتَزِلَةُ " فَعِنْدَهُمْ أَنَّهُ يَشَاءُ مَا لَا يَكُونُ وَيَكُونُ مَا لَا يَشَاءُ وَأُولَئِكَ " الْمُجْبِرَةُ " فِي جَانِبٍ وَهَؤُلَاءِ فِي جَانِبٍ وَأَهْلُ السُّنَّةِ وَسَطٌ.
وَمَا يَفْعَلُهُ الْعِبَادُ بِاخْتِيَارِهِمْ يَعْلَمُ سُبْحَانَهُ أَنَّهُمْ فَعَلُوهُ بِقُدْرَتِهِمْ وَمَشِيئَتِهِمْ وَمَا لَمْ
_________________
(١) الرد على المنطقيين (ص: ٤٦ - ٤٨ (.
[ ٢ / ٩١ ]
يَفْعَلُوهُ مَعَ قُدْرَتِهِمْ عَلَيْهِ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ لَمْ يَفْعَلُوهُ لِعَدَمِ إرَادَتِهِمْ لَهُ لَا لِعَدَمِ قُدْرَتِهِمْ عَلَيْهِ وَهُوَ سُبْحَانَهُ الْخَالِقُ لِلْعِبَادِ وَلِقُدْرَتِهِمْ وَإِرَادَتِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ وَكُلُّ ذَلِكَ مَقْدُورٌ لِلرَّبِّ وَلَيْسَ هَذَا مَقْدُورًا بَيْنَ قَادِرِينَ بَلْ الْقَادِرُ الْمَخْلُوقُ هُوَ وَقُدْرَتُهُ وَمَقْدُورُهُ مَقْدُورٌ لِلْخَالِقِ مَخْلُوقٌ لَهُ. و" الْمَقْصُودُ هُنَا " أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ حَقٌّ وَالنَّسْخُ فِيهَا هُوَ رَفْعُ فَهْمِ مَنْ فَهِمَ مِنْ الْآيَةِ مَا لَمْ تَدُلَّ عَلَيْهِ فَمَنْ فَهِمَ أَنَّ اللَّهَ يُكَلِّفُ نَفْسًا مَا لَا تَسَعُهُ فَقَدْ نَسَخَ اللَّهُ فَهْمَهُ وَظَنَّهُ وَمَنْ فَهِمَ مِنْهَا أَنَّ الْمَغْفِرَةَ وَالْعَذَابَ بِلَا حِكْمَةٍ وَعَدْلٍ فَقَدْ نَسَخَ فَهْمَهُ وَظَنَّهُ فَقَوْلُهُ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا﴾ رَدٌّ لِلْأَوَّلِ وَقَوْلُهُ: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ رَدٌّ لِلثَّانِي وَقَوْلُهُ: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ كَقَوْلِهِ فِي آلِ عِمْرَانَ: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَقَدْ عَلَّمَنَا أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَأَنَّهُ لَا يُعَذِّبُ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنَّهُ يَغْفِرُ لِمَنْ تَابَ كَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ الْآيَةَ. وَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يُحَاسِبُ بِمَا فِي النُّفُوسِ وَقَدْ قَالَ عُمَرُ: زِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا وَحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا. و" الْمُحَاسَبَةُ " تَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ يُحْسَبُ وَيُحْصَى. وَأَمَّا " الْمَغْفِرَةُ وَالْعَذَابُ " فَقَدْ دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى أَنَّ مَنْ فِي قَلْبِهِ الْكُفْرُ وَبُغْضُ الرَّسُولِ وَبُغْضُ مَا جَاءَ بِهِ أَنَّهُ كَافِرٌ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ وَقَدْ عَفَا اللَّهُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ - وَهُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا الَّذِينَ لَمْ يَرْتَابُوا - عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَا تَتَكَلَّمُ بِهِ أَوْ تَعْمَلُ كَمَا هُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ (أَنَّ الَّذِي يَهِمُّ بِالْحَسَنَةِ تُكْتَبُ لَهُ وَاَلَّذِي يَهِمُّ بِالسَّيِّئَةِ لَا تُكْتَبُ عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَهَا) إذَا كَانَ مُؤْمِنًا مِنْ عَادَتِهِ عَمَلُ الْحَسَنَاتِ وَتَرْكُ السَّيِّئَاتِ فَإِنْ تَرَكَ السَّيِّئَةَ لِلَّهِ كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ فَإِذَا أَبْدَى الْعَبْدُ مَا فِي نَفْسِهِ مِنْ الشَّرِّ بِقَوْلِ أَوْ فِعْلٍ صَارَ مِنْ الْأَعْمَالِ الَّتِي يَسْتَحِقُّ عَلَيْهَا الذَّمَّ وَالْعِقَابَ" (^١)
قال ابن حجر: «بدا لله أن يبتليهم» (^٢)؛ أي: سبَق في علم الله، فأراد إظهاره،
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٤/ ١٠٤ - ١٠٧
(٢) يشير بذلك للحديث الوارد عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: "إنَّ ثَلَاثَةً في بَنِي إِسْرَائِيلَ: أَبْرَصَ وَأَقْرَعَ وَأَعْمَى، بَدَا لِلَّهِ ﷿ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكًا، فأتَى الأبْرَصَ، فَقالَ: أَيُّ شيءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قالَ: لَوْنٌ حَسَنٌ، وَجِلْدٌ حَسَنٌ، قدْ قَذِرَنِي النَّاسُ، قالَ: فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عنْه، فَأُعْطِيَ لَوْنًا حَسَنًا، وَجِلْدًا حَسَنًا، فَقالَ: أَيُّ المَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قالَ: الإبِلُ، أَوْ قالَ: البَقَرُ، هو شَكَّ في ذلكَ: إنَّ الأبْرَصَ، وَالأقْرَعَ، قالَ أَحَدُهُما الإبِلُ، وَقالَ الآخَرُ: البَقَرُ -، فَأُعْطِيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ، فَقالَ: يُبَارَكُ لكَ فِيهَا وَأَتَى الأقْرَعَ فَقالَ: أَيُّ شيءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قالَ شَعَرٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي هذا، قدْ قَذِرَنِي النَّاسُ، قالَ: فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ وَأُعْطِيَ شَعَرًا حَسَنًا، قالَ: فأيُّ المَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قالَ: البَقَرُ، قالَ: فأعْطَاهُ بَقَرَةً حَامِلًا، وَقالَ: يُبَارَكُ لكَ فِيهَا، وَأَتَى الأعْمَى فَقالَ: أَيُّ شيءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قالَ: يَرُدُّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي، فَأُبْصِرُ به النَّاسَ، قالَ: فَمَسَحَهُ فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ بَصَرَهُ، قالَ: فأيُّ المَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قالَ الغَنَمُ: فأعْطَاهُ شَاةً وَالِدًا، فَأُنْتِجَ هذانِ وَوَلَّدَ هذا، فَكانَ لِهذا وَادٍ مِنْ إِبِلٍ، وَلِهذا وَادٍ مِنْ بَقَرٍ، وَلِهذا وَادٍ مِنْ غَنَمٍ، ثُمَّ إنَّه أَتَى الأبْرَصَ في صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقالَ رَجُلٌ مِسْكِينٌ، تَقَطَّعَتْ بيَ الحِبَالُ في سَفَرِي، فلا بَلَاغَ اليومَ إِلَّا باللَّهِ ثُمَّ بكَ، أَسْأَلُكَ بالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الحَسَنَ، وَالجِلْدَ الحَسَنَ، وَالمَالَ، بَعِيرًا أَتَبَلَّغُ عليه في سَفَرِي، فَقالَ له: إنَّ الحُقُوقَ كَثِيرَةٌ، فَقالَ له: كَأَنِّي أَعْرِفُكَ، أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ، فقِيرًا فأعْطَاكَ اللَّهُ؟ فَقالَ: لقَدْ وَرِثْتُ لِكَابِرٍ عن كَابِرٍ، فَقالَ: إنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إلى ما كُنْتَ، وَأَتَى الأقْرَعَ في صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقالَ له: مِثْلَ ما قالَ لِهذا، فَرَدَّ عليه مِثْلَ ما رَدَّ عليه هذا، فَقالَ: إنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إلى ما كُنْتَ، وَأَتَى الأعْمَى في صُورَتِهِ، فَقالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ وَابنُ سَبِيلٍ وَتَقَطَّعَتْ بيَ الحِبَالُ في سَفَرِي، فلا بَلَاغَ اليومَ إِلَّا باللَّهِ ثُمَّ بكَ، أَسْأَلُكَ بالَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ شَاةً أَتَبَلَّغُ بهَا في سَفَرِي، فَقالَ: قدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللَّهُ بَصَرِي، وَفقِيرًا فقَدْ أَغْنَانِي، فَخُذْ ما شِئْتَ، فَوَاللَّهِ لا أَجْهَدُكَ اليومَ بشيءٍ أَخَذْتَهُ لِلَّهِ، فَقالَ أَمْسِكْ مَالَكَ، فإنَّما ابْتُلِيتُمْ، فقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ، وَسَخِطَ علَى صَاحِبَيْكَ. صحيح البخاري: ٣٤٦٤
[ ٢ / ٩٢ ]
وليس المراد أنه ظهر له بعد أن كان خفيًّا؛ لأن ذلك محالٌ في حق الله -تعالى-ولا حاجة لهذه التأويلات؛ فإن معنى «بدا لله»؛ أي: ظهر لله ما كان يعلمه-سبحانه-لا أنه ظهر له بعدما كان خفيًّا، وليس هذا بَداءً يخالف العلمَ القديم، كما قاله بعض غلاة الرافضة، وفي هذا الحديث دلالةٌ على تجدُّد علم الله-سبحانه-بعد حُدوث الحوادث.
[ ٢ / ٩٣ ]
«إلى أن قال: وكذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨]، وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقوله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦]، وقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥]، وقال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]، وقال لعيسى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٥]، الآية، وقال تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٦].
وذكر الآلهة أن لو كان آلهة لابْتَغَوا إلى ذي العرش سبيلًا إلى طلبه حيث هو، فقال: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢]، أي طلبه، وقال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١].
قال أبو عبد الله: فلن يُنسخ ذلك أبدًا.
كذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]، وقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ [الأنعام: ٣]، وقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، فليس هذا بناسخ لهذا، ولا هذا ضد لذلك.
واعلم أن هذه الآيات ليس معناها أن الله أراد الكون بذاته فيكون في أسفل الأشياء، أو ينتقل فيها لاستفالها، ويتبعض فيها على أقدارها، ويزول عنها عند فنائها، جل وعز عن ذلك، وقد نزغ بذلك بعض أهل الضلال، فزعموا أن الله تعالى في كل شيء بنفسه كائنًا، كما هو على العرش، ولا فرق بين ذلك عندهم، ثم أحالوا في النفي بعد تثبيت ما يجوز عليه في قولهم ما نفوه؛ لأن كل مَنْ يُثبت شيئًا في المعنى ثم نفاه بالقول لم يغنِ عنه نفيه بلسانه، واحتجوا بهذه الآيات: أن الله تعالى في كل شيء بنفسه كائنًا ثم نفوا معنى ما أثبتوا، فقالوا: لا كالشيء في الشيء».
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٩٤ ]
الذين خاضوا في مسألة نصوص العلو والمعية والقرب والجمع بينهما من المخالفين يمكن تقسيمهم إلى طائفتين (^١).
الطائفة الأولى: النجارية وَكَثِيرٌ مِنْ الْجَهْمِيَّة.
قولهم: هم على قسمين:
١ - عُبَّادُهُمْ وَصُوفِيَّتُهُمْ وَعَوَامُّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّهُ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ.
٢ - أَهْلُ الْوَحْدَة يَقُولُونَ: إنَّهُ عَيْنُ وُجُودِ الْمَخْلُوقَاتِ كَمَا يَقُولُهُ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْوُجُودَ وَاحِدٌ وَمَنْ يَكُونُ قَوْلُهُ مُرَكَّبًا مِنْ الْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ.
موقفهم من النصوص: هُمْ يَحْتَجُّونَ بِنُصُوصِ " الْمَعِيَّةِ وَالْقُرْبِ "؛ وَيَتَأَوَّلُونَ نُصُوصَ " الْعُلُوِّ وَالِاسْتِوَاءِ فهم تَرَكَوا النُّصُوصَ الْكَثِيرَةَ الْمُحْكَمَةَ الْمُبَيَّنَةَ وَتَعَلَّقَوا بِنُصُوصِ قَلِيلَةٍ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِم مَعَانِيهَا.
الطائفة الثانية: جماعة من أهل الكلام والتصوف كأبي معاذ التومني، وزهير الأثري، وأصحابهما (^٢)، وهو موجود في كلام السالمية كأبي طالب المكي وأتباعه كأبي الحكم برجان وأمثاله ما يشير إلى نحو هذا. كما يوجد في كلامهم ما يناقض هذا (^٣)
قولهم: إن الله بذاته فوق العرش وهو بذاته في كل مكان.
فهم يقولون بأن الله في كل مكان، وأنه مع ذلك مستو على عرشه وأنه يرى بالأبصار بلا كيف، وأنه موجود الذات بكل مكان، وأنه ليس بجسم ولا محدود ولا يجوز عليه الحلول ولا المماسة، ويزعمون أنه يجيء يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿وَجَاَءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر ٢٢]، وقولهم هذا يشبه قول بعض مثبتة الجسم الذين يقولون إنه لا نهاية له (^٤).
والفرق بين هذا القول وقول الجهمية: بأن الله في كل مكان هو أن هؤلاء يثبتون العلو ونوعا من الحلول، أما الجهمية فلا يثبتون العلو على مقصود هؤلاء من الاستواء على العرش والمباينة.
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٥/ ٢٢٦ - ٢٣١ بتصرف.
(٢) انظر نقض تأسيس الجهمية (١/ ٦)، والفتاوى (٢/ ٢٩٩)، ومقالات الإسلاميين (١/ ٣٢٦).
(٣) مجموع الفتاوى (٢/ ٢٩٩)
(٤) نقض تأسيس الجهمية (٢/ ٦).
[ ٢ / ٩٥ ]
ويزعم أصحاب هذا القول إنهم بقولهم هذا قد اتبعوا النصوص كلها سواء كانت نصوص علو أو معية أو قرب.
وموقفهم من نصوص الصفات: يَقُولُون: نحن نقِرُّ بِهَذِهِ "لنُّصُوصِ وَهَذِهِ لَا نصْرِفُ وَاحِدًا مِنْهَا عَنْ ظَاهِرِهِ.
وَهَذَا الصِّنْفُ الثَّالِثُ وَإِنْ كَانَ أَقْرَبَ إلَى التَّمَسُّكِ بِالنُّصُوصِ وَأَبْعَدَ عَنْ مُخَالَفَتِهَا مِنْ الصِّنْفَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، فهم يَقُولُون: أَنَا اتَّبَعَنا النُّصُوصَ كُلَّهَا لَكِنَّهُم غالطوا أَيْضًا. فَكُلُّ مَنْ قَالَ: إنَّ اللَّهَ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِمَا فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ عِبَادَهُ وَلِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ وَلِلْأَدِلَّةِ الْكَثِيرَةِ. وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ أَقْوَالًا مُتَنَاقِضَةً يَقُولُونَ: إنَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ. وَيَقُولُونَ: نَصِيبُ الْعَرْشِ مِنْهُ كَنَصِيبِ قَلْبِ الْعَارِفِ كَمَا يَذْكُرُ مِثْلَ ذَلِكَ أَبُو طَالِبٍ وَغَيْرُهُ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ قَلْبَ الْعَارِفِ نَصِيبُهُ مِنْهُ الْمَعْرِفَةُ وَالْإِيمَانُ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ فَإِنْ قَالُوا: إنَّ الْعَرْشَ كَذَلِكَ نَقَضُوا قَوْلَهُمْ: إنَّهُ نَفْسُهُ فَوْقَ الْعَرْشِ. وَإِنْ قَالُوا بِحُلُولِهِ بِذَاتِهِ فِي قُلُوبِ الْعَارِفِينَ كَانَ هَذَا قَوْلًا بِالْحُلُولِ الْخَالِصِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ " الصُّوفِيَّةِ " حَتَّى صَاحِبُ " مَنَازِلِ السَّائِرِينَ " فِي تَوْحِيدِهِ الْمَذْكُورِ فِي آخِرِ الْمَنَازِلِ فِي مِثْلِ هَذَا الْحُلُولِ؛ وَلِهَذَا كَانَ أَئِمَّةُ الْقَوْمِ يُحَذِّرُونَ مِنْ مِثْلِ هَذَا. سُئِلَ " الْجُنَيْد " عَنْ التَّوْحِيدِ فَقَالَ: هُوَ إفْرَادُ الْحُدُوثِ عَنْ الْقِدَمِ. فَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْمُوَحِّدِ مِنْ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْقَدِيمِ الْخَالِقِ وَالْمُحْدَثِ الْمَخْلُوقِ "فَلَا يَخْتَلِطُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ فِي أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ مَا قَالَتْهُ النَّصَارَى فِي الْمَسِيحِ وَالشِّيعَةِ فِي أَئِمَّتِهَا؛ وَكَثِيرٌ مِنْ الْحُلُولِيَّةِ وَالْإِبَاحِيَّةِ يُنْكِرُ عَلَى الْجُنَيْد وَأَمْثَالِهِ مِنْ شُيُوخِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ الْمُتَّبِعِينَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَا قَالُوهُ مِنْ نَفْيِ الْحُلُولِ وَمَا قَالُوهُ فِي إثْبَاتِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَيَرَى أَنَّهُمْ لَمْ يُكْمِلُوا مَعْرِفَةَ الْحَقِيقَةِ كَمَا كَمَّلَهَا هُوَ وَأَمْثَالُهُ مِنْ الْحُلُولِيَّةِ وَالْإِبَاحِيَّةِ.
الرد عليهم:
إنهم بقولهم هذا جمعوا بين كلام أهل السنة وكلام الجهمية، ولذلك كان قولهم ظاهر الخطأ وغاية في التناقض.
أما بيان خطئه فيكمن في أن كل من قال بأن الله بذاته في كل مكان فهو مخالف
[ ٢ / ٩٦ ]
للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها مع مخالفته لما فطر الله عليه عباده، ولصريح المعقول وللأدلة الكثيرة، فالقرآن الكريم مملوء بالآيات التي تنص على علو الله بذاته فوق خلقه واستوائه على عرشه وبينونته من خلقه، كما أن السنة قد تحدثت عن هذا المعنى في كثير من الأحاديث، كقصة "المعراج وصعود الملائكة ونزولها من عند الله وعروج الروح إليه واستوائه على عرشه، ونزوله إلى السماء الدنيا، فكل هذه الأدلة تبين بطلان هذا القول ومخالفته.
وأما استدلال هؤلاء بنصوص المعية والقرب، فليس للمخالفين أي متمسك في جعلها لمعية الذات أو قرب الذات "أما بيان تناقض هذا القول: فهو واضح من أقوالهم، فهم يجمعون بين أقوال متناقضة، فهم تارة يقولون إنه بذاته فوق العرش، وتارة يقولون إنه فوق العرش ونصيب العرش فيه كنصيب قلب العارف -كما يذكر ذلك أبو طالب المكي وغيره-، ومعلوم أن قلب العارف نصيبه منه المعرفة والإيمان وما يتبع ذلك.
فإن قالوا: إن العرش كذلك، فقد نقضوا قولهم بأنه بنفسه فوق العرش.
وإن قالوا بحلول ذاته في قلوب العارفين، كان ذلك قولا بالحلول الخاص، وهذا ما وقع فيه طائفة من الصوفية ومنهم صاحب منازل السائرين (^١).