وهكذا ما أوثر عن الصحابة والتابعين وتابعي التابعين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.
فأوثر عن عبد الله بن رواحة أنه قال في أبيات شعرٍ له:
شهدت بأن وعد الله … حقٌ وأن النار مثوى الكافرينا
وأن العرش فوق الماء طافٍ … وفوق العرش رب العالمينا
فإذًا هذا واضح في إثبات صفة العلوِّ والاستواء لله ﷾.
وهكذا في شعر أمية بن أبي الصلت وقد سمعه النبي ﷺ-ولم يرده، فمن شعره أنه قال:
مجِّدوا اللَهَ فَهوَ لِلمَجدِ أَهلٌ … رَبُّنا في السَماءِ أَمسى كَبيرا
بالبناء الأَعلى الَذي سَبَقَ الناسَ … وَسَوَّى فَوقَ السَماءِ سَريرا
فإذًا هذا مما يدل على أن هذا الأمر لو كان فيه ما يخالف العقيدة لما قَبِلَه النبي ﷺ، ولما قَبِلَ أن يسمعه، ولما قَبِلَ أن يقبله، ولما قَبِلَه العلماء، ولما علقوا عليه فيما أوردوه من كتبهم.
_________________
(١) قوله: "شرجعًا": أي طويلًا. العرش للذهبي ٢/ ٧٤
(٢) و"صورًا": جمع أصور، وهو المائل العنق. العرش للذهبي ٢/ ٧٤
(٣) أورده ابن قتيبة في الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة (ص ٢٤٠). وأبو يعلى في إبطال التأويلات (ق ١٥٤/ أ). وابن قدامة في إثبات صفة العلو (ص ١٠٠ - ١٠١، برقم ٦٩). والذهبي في العلو (ص ٤٢ - ٤٣)، قال: إسناده منقطع. وابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ٣١٠). وعزاه السيوطي في الجامع الصغير (١/ ٥٧ بشرح الفيض) إلى أبي بكر الأنباري في المصاحف، والخطيب في تاريخه وابن عساكر. وذكر المناوي في الفيض (١/ ٥٩) إسناد الأنباري وقال: "فيه أبو بكر الهذلي وهو متروك الحديث كما في التقريب لابن حجر، ثم ذكر إخراج الخطيب وابن عساكر وقال: "بإسناد ضعيف وعزا الحديث ابن حجر في الإصابة (٤/ ٣٧٦) إلى الفاكهي بإسناد فيه الكلبي، وهو متهم بالكذب، ورمي بالرفض".
[ ١ / ٩٣ ]
(١٧) "إلى أمثال ذلك مما لا يحصيه إلا الله مما هو من أبلغ المتواترات اللفظية والمعنوية التي تورث علمًا يقينًا من أبلغ العلوم الضرورية، أن الرسول ﷺ-المبلغ عن الله ألقى إلى أمته المدعوِّين أن الله سبحانه على العرش، وأنه فوق السماء".
فهذه نصوص كما يقول: "إلى أمثال ذلك مما لا يحصيه إلا الله ﵎"، وإن شئت الاستزادة في هذا فارجع إلى كتابي "العلو" و"العرش" للذهبي، فالذهبي جمع في كتابيه الكثير من النصوص والآيات والأحاديث والمأثور عن الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، وقد قام الشيخ الألباني باختصار هذا الكتاب فيما سماه مختصر العلو، فإن شئت ارجع إلى مثل هذا الكتاب تجد أن المؤلف جمع فيه العشرات من النصوص.
وكذلك ارجع إلى كتاب ابن القيم "اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة الجهمية"، فابن القيم في هذا الكتاب جمع كذلك العشرات من النصوص في هذه المسألة، فالرجوع إلى هذين الكتابين يؤكد ويبين أن كتاب الله تعالى جاء بإثبات صفة العلو، وسنة المصطفى ﷺ-جاءت بإثبات صفة العلو، وكذا أن هناك العشرات بل المئات من النصوص عن السلف من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ومَن جاء بعدهم من الأئمة تؤكد على إثبات هذه الصفة، وعلى أن اعتقادهم فيها هو إثبات صفة العلو لله ﷾.
وفي المقابل لو جئت إلى القوم فقلت لهم: أين دليلكم من كلام الله تعالى أو من كلام رسوله ﷺ-أو من المأثور عن الصحابة والتابعين أو تابعي التابعين؟، أعطونا دليلًا واحدًا يؤكد على صحة ما تزعمون، وما تقولون؟
وذكر المصنف ﵀ في هذا الموضع ما يتعلق بصفة العلو، وما يتصل بهذه الصفة من جملةِ صفاتٍ.
فأعظم مسألتين في باب أسماء الله وصفاته: هما صفة العلو وصفة الكلام، وهذا
[ ١ / ٩٤ ]
لأهمية هاتين المسألتين في هذا الباب؛ لأن أهل الباطل من المعطلة أَصَّلوا قولهم في صفة العلو بناء على أن العلوم محصورة في المحسوس المشاهد، فكذَّبوا بكل غيب، ولذلك أنكروا عُلُوَّ الله ﷾؛ وهو أعظم غيب، وهم بذلك يُريدون الوصول إلى إنكار وجوده؛ لأن في إثبات علوه إثباتًا لوجوده جل وعلا، وإثبات وجوده إثبات لأعظم الغيب.
وكذلك أرادوا أن يتسلطوا على صفة الكلام؛ لأن في إثباتها إثبات للوحي، وهو مصدر العلم الشرعي، فهم يريدون أن يُفسدوا هذا الباب؛ ليقصروا مصدر العلم على نفوسهم، وبالتالي يريدون أن يُسووا بين قولهم وقول رسول الله ﷺ باعتبار أن مصدر الاثنين واحد.
وبالتالي، فمسألة العلو من أعظم المسائل؛ لذلك نجد أن النصوص التي أثبتت هذه الصفة متواترة ومتنوعة ومتعددة، حتى إنَّ العلماء يذكرون أن في كتاب الله ﷿ أكثر من ثلاثمائة آية تتكلم عن علوِّ الله بأساليب متنوعة ومتعددة كما تقدم ذكره.
[ ١ / ٩٥ ]
(١٨) "كما فطر الله على ذلك جميع الأمم عربهم وعجمهم، في الجاهلية الإسلام، إلا من اجتالته الشياطين عن فطرته".